جماعة الاعتصام بين الاتهام والانتقام

لعبت الجماعات الدعوية في الصومال أدوارا مهمة وإيجابية في المجالات التعليمية والإنسانية والسياسية والاقتصادية على مختلف أطيافها ومشاربها الفكرية المختلفة، السلفية بأنواعها الجهادية والمعتدلة والجديدة، والإخوانية في الصومال بأنواعها الدم القديم والدم الجديد وآل الشيخ، وجماعات الصوفية القادرية والأحمدية، وجماعة التبليغ وغيرهم، ولكن المؤسف هو تبادل الاتهامات والتراشق عبر الإعلام وإلقاء اللوم من كل جماعة على الأخرى بأنها المسؤولة عن الظواهر السلبية التي انتشرت في مجتمعنا من التطرف حتى وصل الأمر إلى حد تكفير بعضها الآخر مما ساهم في ضعف النشاط الدعوي والإغاثي، وأفقد هذه الجماعات ثقة الجماهير.

في الآونة الأخيرة أصبحت جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة ذات التوجه السلفي التي تأسست في العام 1997 في قفص الاتهام ورماح الانتقام على حد سواء، وهو ما جعلها بين نارين، نار الشباب التي ما فتئت تصطاد رموز الحركة كلما سنحت لها الفرصة كاغتيالها لفضيلة الشيخ العلامة عبد القادر جعمي في يوم الجمعة 15 فبراير من العام 2013م، ومن قبله الدكتور الشيخ أحمد حاج عبد الرحمن في يوم عاشوراء الموافق لـ 5 ديسمبر من العام 2011م وغيرهما من العلماء والإعلاميين والأطباء وأعيان العشائر والمثقفين والعسكريين ورجال الأمن، وسهام اللوم التي انهالت عليها من الجماعات الدينية الأخرى التي تتهمها بأنها هي التي رعت فكر الشباب ومهدت له الأرض الخصبة باعتبار أنها امتداد لحركة الاتحاد التي حاربت الصوماليين في بداية التسعينات من القرن الماضي باسم الجهاد في كل من جلجلا وجدو، وأنها حملت إلى الصومال بذور الفكر التكفيري، وهذا ما جعل الحركة في موقف لا تحسد عليها، وكما يقال بين المطرقة والسندان.

تدفع الحركة عن نفسها هذه التهم وتنفيها جملة وتفصيلا، وتقول إنها لم تمارس العنف منذ إنشائها، وأن أهدافها معروفة في ميثاقها وليس من بينها التكفير أو الإقصاء بل العكس هو الصحيح؛ حيث تمثل قيم التسامح والإخاء، وهو ما جعلها مصدر إزعاج لأهداف الشباب المخربين وشوكة في حلوقهم؛ وبالتالي لم يجدوا بدا من استهدف كوادرها ورموزها بالقتل والتهجير.

مبادرة الاعتصام لعقد مؤتمر

حول خطر حركة الشباب

 دعت حركة الاعتصام إلى عقد مؤتمر عام جامع وشامل لكل فئات الشعب حول خطر الشباب ومعالجة آفة التطرف والتكفير، وذلك بعيد اغتيال الشيخ عبد القادر نور في مسجد بدر وهو يصلي في مدينة جرووي حاضرة إقليم بنتلاند في الصومال، وعلى ما يبدو لم تجد هذه الدعوة آذنا صاغية بسبب الاختلافات الشديدة بين الجماعات الدعوية الناشطة على الساحة الصومالية بسبب تحفظهم على الجماعة المبادرة (الاعتصام)، ويرون أنها جزء من المشكلة، ولا تستحق أن تدعو إلى مثل هذا المؤتمر إلا بعد أن تثبت حسن نيتها وتعتذر للشعب الصومالي الذي حاربته باسم الجهاد في سبيل الله عندما كانت تسمى بجماعة الاتحاد حسب وجهة نظر هذا الفريق، وهذا ما ترفضه الحركة من جانبها ولا تقر به وتجادل أنه لا علاقة لها بالاتحاد حتى وإن كان معظم منتسبيها من أعضاء الاتحاد السابقين؛ حيث أن المعول عليه هو منهج الحركة منذ تأسيسها وليس الأحداث التي سبقت إنشائها، أما بخصوص الأفراد المنتمين لها والذين شاركوا في أعمال العنف في بداية التسعينات؛ فيرون أنهم تراجعوا عن مواقفهم وانحازوا إلى الصواب، والحق أحق أن يتبع، وأن الرجوع إلى جادة الصواب خير من التمادي في الباطل، ويتساءلون لماذا التركيز على استحضار الماضي الأليم ونبش التاريخ ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى كلمة سواء بيننا لمحاربة الأفكار المنحرفة وتوعية الأجيال الصاعدة من الوقوع في فريسة التطرف والإرهاب.

 الحكومة الفيدرالية في مقديشو رحبت بالمبادرة واعتبرتها فرصة لتوعية الشباب المنخرطين في أعمال العنف والمغرر بهم للعدول عن ممارساتهم؛ لأنها تدرك أنه لا يمكن محاربة الفكر المنحرف بالقوة العسكرية وحدها، وأنها غير كافية حتى مع تحقيق إنجازات ملموسة على الصعيد العسكري والميداني في الفترة القليلة الماضية.

مكان وزمان المؤتمر

 لم يتم البت في مكان وزمان انعقاد المؤتمر وذلك للأسباب الآنفة الذكر، ويمكن أن يعقد في أي مكان من أرض الوطن، وفي أي زمان يتم التوافق عليه.

إن فكرة المؤتمر جديرة بالاهتمام وتستحق أن ينظر إليها بجدية بالغة وترك الجدال الذي لا طائل منه حول خلفية حركة الاعتصام والاستفادة من جميع الجهود الأهلية من الجماعات الدعوية وشيوخ العشائر والأحزاب السياسية وكل الفعاليات الشعبية لتدارس الحلول الجذرية لمعالجة آفة التطرف والبحث عن مسبباتها ووضع المقترحات والتوصيات الناجعة التي ستقضي على هذه المعضلة.

الخلاصة

 إن معالجة ظاهرة الغلو في الدين لا يمكن أن تؤتي ثمارها إذا تصدت لها جماعة واحدة أو جماعتين أو فريق من الناس، بل يجب أن يشارك الكل في الحل ولا يقول أني لست المستهدف وإنما المستهدف هو فلان أو علان الذي له مشكلة أو حساب مع المتطرفين يجب أن يصفوه معه.

إن مثل هذا التفكير هو الذي يساعد الجماعات المتطرفة؛ فتحتمي بين القبائل بعد أن تصنف أن هذه القبيلة حليفة للمجاهدين حسب إدعائهم وأكثر الضحايا من هذه القبائل، وتلعب على التناقضات الموجودة بين المجتمع على أساس الانتماء الفكري أو العشائري أو المناطقي أو الحزبي، وتستفيد منها ثم بعد أن تتمكن تبدأ بمشروعها، ومن يخالفها فعقوبتة القتل؛ لأنه يشق عصا الطاعة، ولا تراعي بذلك حرمة في دين فضلا عن التقاليد الحميدة في مجتمعنا من حفظ الجميل والجوار.

وفي النهاية لعل أهم ما نختاجه اليوم تنظيم المؤسسة الدينية وتفعيل دور العلماء العاملين والمعروفين بالورع والاستقامة في العقيدة والمنهج للتصدي لمسائل الفتوى والدعوة في سبيل الله على هدي وبصيرة؛ حيث أن أغلب الشباب ينخدع في الشعارات الدينية التي يتستر فيها المتطرفون كقناع للوصول إلى أهدافهم الخفية التي لا يعرفها صغار السن؛ حيث تعمل لهم ما نسميه غسيل المخ وترسلهم إلى الموت المميت؛ فيخسرون الحياة الدنيا مع الأخرى. والله تعالى أعلم.

9 تعليقات

  1. جماعة الاعتصام بين اتهام الكاتب واغتيالات الشباب :-

    عبارة لاتحتاج الي تفصيل لان كاتبنا المهندس الدبلماسي لم يستدلل ادعائه علي ان الجماعات الاسلامية كلها تعتقد ان جماعة الاعتصام بين بالكتاب والسنة هي ام التكفير والتطرف الحاصل في الصومال هذا اتهام مقصود لا اساس له من الصحة لا في الماضي ولا في الحاضر برائي يجب علي الكاتب اتيان البراهين علي افواه ناطقي الجماعات الاسلامية خاصة الذين واردت اسماؤهم في المقال والا الاعتذار علي الدعاة والعلماء علي جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة رائدة المنهج السلفي علي فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم

    • عبد الرحمن محمود علي عيسى

      أشكرك جزيلا ،بل العكس لم أتهم جهة معينة وهذا واضح في المقال ولكن كل ما أردته تحريك هذا الموضوع وطرحه للنقاش الجاد بدل الإتهام والإتهام المضاد ليكون مادة يستفيد منها القارئ،وعلى كل حال مرحبا بك ويسدني مساهمتك الكريمة
      شكرا لك مرة أخرى

  2. أشكرك شكرا جريلا يا أخي عبدالرحمن واقول من سمي نفسه (عدالة) جماعة الإعتصام ليست مسئولة عن التكفير والتفجير وغير ذالك هي جماعة دعوية تعليمية إغاثية وكلام حسان هو إتهام فارغ لا دليله له

  3. محمد الشيخ حسن

    من غير المنطقي إتهام الضحية بانه المجرم الذي يجب محاكمته ، اعتقد انّ الذي يتهم الإعتصام بما يحدث هذه الأيام من قبل حركة الشباب مغرض او معاد لها ، فان كان من التصوف فالسبب معروف فهم يعادون السلفية سواء وجدو الشباب او لم يجدوها اما غيرهم من الحركات فلا ادري ما يحملهم على الإتهام .

  4. لاشك عندي بأن جماعة “الإتحاد” سابقاً الإعتصام حالياً هي سبب رئيسي من أسباب مشكلة التفجير والتكفير الحاصلة في الصومال حيث لم يكن عندي دليل سوى الدليل السمعي المتناقل من أفواه عامة وخاصة الناس حتى استمعت إلى حوار لحسان الصومالي الذي يقيم في نيروبي في ويب صومالي ميمو وكان يدور الحوار حول فتواه التي اغتيل بسببها الشيخ عبدالقادر ومن قبله الدكتور أحمد رحمهما الله وجميع أموات المسلمين فرد قائلاً كنت عضو في جماعة “الإتحاد” أحمل هذه الأفكار ومازلت يعني أنه يقر بأن أفكار التفجير والتكفير منبعها تلك الجماعة ليس من العيب الخطأ لكن من العيب كل العيب الإستمرار في الخطأ.
    كيف تأمن الحركات الإسلامية الأخرى على نفسها من تلك الجماعة بعدما رأت بأم عينها عمل تلك الجماعة القائم على الولاء والبراء على الجماعة استيفاء شروط التوبة حتى لاتكرر مافعلته بالأمس أصبحنا للأسف مثل أكثر العرب ردة فعل لا أكثر ولا أقل هل كانت الجماعة تنادي بمثل تلك المؤتمرات لو لم يحدث ماحدث.

    • عبد الرحمن محمود علي عيسى

      أحييك أخي على مشاركتك وإبداء رأيك بحرية،واشكر كله لأخواننا في شبكة الشاهد

  5. تجنبت إحراج أي جانب وشكرا على أدبك…

    هي سنة التدافع الشباب يتهمون شيوخ الاعتصام بالإرجاء وتخذيل الجهاد والإصلاح والطرق الصوفية تحملهم مسئولية زراعة تلك الجماعات المسلحة التي تقتل الصوماليين باسم الجهاد ..والاعتصام تتبرأ من كل ما ينسب إليها …الحقيقة أن هناك لبسا وأنا طرحت شخصيا في محاضرة لي بمدينة جلدوغب في فبراير الماضي 2013 بعقد مؤتمر عام لحركة الاعتصام تبين فيه موقفها بوضوح ، وتدلي ما لديها من مبررات مشاركتها في بداية التسعينيات ..لإسدال الستار على هذه الاتهامات المتبادلة ..وعدم اكتفائهم بالمراجعات الجزئية من هنا وهناك ..
    أنا أعلم أن مراجعات الاعتصام (الاتحاد سابقا) لم تتوقف منذ قضائهم على المعسكرات من طرف واحد في بوصاصو عام 1993 وهم على موقف القوة بعد أن تغلبوا على جبهة إس دي إف وقدرتهم على الدخول في بوصاصو ، ولكن أزالوا المعسكر ..وانخرطوا في الشعب وقادوا المؤسسات التعليمية والاقتصادية ..مما أذهل قيادة جبهة الخلاصSSDF براعة سياسية لم يتوقعوها ..(وهذا يدل على أن إقامة المعسكرات والحروب التي نتجت عنها كانت فلتة ولم تكن عن قناعة تامة بل غلبة جناح متشدد داخل الحركة ، وهذه ستأتي في مذكرات الشيخ عبد القادر نور إن شاء الله ).ثم تبرؤهم من حركة الشباب..ودخولهم في مصالحة داخل إثيوبيا ولكن في وقت متأخر.

    • عبد الرحمن محمود علي عيسى

      أشكرك أخي الكاتب القدير محمد عمر على إدلاء دلوك في هذا الموضوع المهم،لم أرد إحراج أي طرف طبعا ولا ينبغي لي ذلك بحكم موقعي الدبلوماسي ولا يليق أصلا إحراج طرف مسالم يقبل الحوار والمناقشة بل أردت تحريك المياه الراكدة وأعتز بمشاركتك وأزداد شغفا لموضوعك حول مذكرات الشيخ عبد القادر الذي يغطي حقبة مهمة في تاريخنا الحديث وجزاك الله خيرا لما تبذله من جهد جهيد لإخراج عمل يفيد المجتمع الصومالي بأسره بل والعربي والإسلامي

%d مدونون معجبون بهذه: