الكوادر التعليمية نجمة في سماء الوطن

يتقدم العمر ويتغيّر ملامح الوجه ويكسو عليه شحوب وهالة سوداء وتجاعيد الزمان تغزو على محيا الإنسان ويمضي الشباب ويطوي بساطه ويشيب الرأس ويقترب العمر إلى خريفه ويكسب الإنسان المال والعلم ويقطع ملايين الأميال ولا يزال يحن ويهوى إلى عشه الأول ويتذمر عن حياته ووقعها السريع وتكاليفها الباهظة في المدن والقري، تلك ربما فصول مما أعانيه رغم أني في ربيع عمري أعاني وربما يوجد ملايين مثلي ما يسميه علماء النفس والاجتماع “النوستالجيا” أو الحنين إلى الماضي الفخيم فتجبرني كتابة الماضي والالتجاء إليه.

قساوة الحياة وصعوبتها والتغيرات التي تحدث في أنماطها المعتادة والمتعدّدة تكفي الإنسان لكيل المدح وذرف الدموع والاشتياق لتلك الليالي والأيام الهانئة الوديعة ويردّد سقي الله تلك الأيام الغوابر المضيئة في حياتنا التي كنا أطفالا يغدون في مدارسهم وبريق الأمل يشع من عيونهم يحملون الحقائب ومعها يحملون أحلامهم الوردية وتمنياتهم البسيطة أولا يحملون حقائب المدرسية لقلة اليد وتواضع الإمكانيات بل يحملون الدفاتر في أنامل أيديهم وقد لايجدون الدفاتر في بعض الأحيان.

الحروب في الوطن حرمت الأطفال كثيرا من متع الحياة المشروعة والأغراض الطفولية، وقد يتذكر الأجيال التي نشأت بعد الحروب الأهلية كيف كانت فصولها المدرسية غاية التواضع والبساطة، وقد لا يأخذ في نظر الدول المتقدمة التي أنهكها الترف الفكري والمعيشي، المباني التي كانت بنظرة أطفالنا آية في الجمال والروعة بل ربما يطلقون عليه أسماء أخرى في قاموسهم اللغوي تختلف دلالته بفهمنا مثل كوخ مهلهل أو غرف لا يرتقي حسب معاييرهم أن يأوي إليه الدّواب!

مدارسنا كانت متواضعة ماديا لكنها كانت تلقمنا القيم الإسلامية النبيلة والمواقف الوطنية الخالدة والعلوم النافعة بشتي أصنافها وتحت وقع الراجمات وهدير المدافع وقلة اليد وانعدام الحيلة استطاع الكوادر التعليمية الوطنية الصومالية أن يحقق ما لا يمكن لنا وصفه وإن سوّدنا صفحات من مداد اعترافنا.

رغم قلة الإمكانيات المادية والمعنوية وخطورة الموقف في الصومال وعدم وجود أرضية مهيأة للتعليم؛ إلا أن الأساتذة الأجلّاء والكوادر التعليمية في الصومال ضربوا أروع الأمثلة في الصبر والمصابرة والتضحية وحرق الذات لإضاءة حياة الآخرين، ولم يألوا جهدا أو يدّخروا علما أو يضنوا كنزا من ثقافتهم الواسعة ومعرفتهم الوافرة وعلمهم الغزير، والكادر التعليمي في الصومال شكّل حجر الزاوية في بث الأمل وضخ الحياة في شريان الأمة كيف لا ؛وقد أسهموا وبطريقة واضحة إنقاذ مستقبل جيل كامل من المنتظر أن يسلم زمام المبادرة و ينقذ الأمة ويخرجها من المتاهات والدوران في الحلقات المفرغة وتوجيه سفينة الأمة إلى شاطئ السعادة.

في الصومال حيث ينعدم الأمن والأمان وتنعدم الحياة الكريمة والبيئة المساعدة والصالحة للتعليم استطاع روّاد التعليم مجابهة الأخطار بقليل من الإمكانيات وكثير من الأمل واليقين والتضحيات الجسام؛ لتحقيق أهدافهم السامية وأجنداتهم الإنسانية الراقية التي لا يمكن تحقيقها لولا الله ثم بإرادتهم القوية وعزيمتهم الفولاذية لانتشال هذا الجيل من الضياع والجهل وإنقاذهم من الانخراط للحروب الأهلية المستعرة التي بات أكثر وقودها فئة الشباب مخدري العقل، والذين عبثت إنسانيتهم وتم صياغتهم وبرمجتهم حسب رغبات والأهداف الظالمة وغير الأخلاقية لزعماء الحرب وأثرياء الفساد والفوضي.

ويزيد الدهشة والحيرة حين عرفنا أن الكوادر الصومالية التي ذكرنا ليس لديها أي مصدر آخر للكسب أو لتأمين حياة مشرفة لهم ولأسرتهم وليس لهم دخل ثابت سوى النزر القليل الذي يجدونه في المدرسة أو المعاهد والمؤسسات التعليمية ــ وقد لا يجدون بعض المرات ــ  ورغم ذلك لم تطرأ في مخيلتهم ترك هذا الثغر المهم من ثغور الأمة وسلموا من دناءة السلوك وقبيح السجايا كالجشع والطمع بل كانوا -وبحق- شرفاء نذروا أنفسهم لخدمة شعبهم وسخروا إمكانياتهم البسيطة لإنجاز أعمالهم الكريمة،  وصاحب الرسالة يجب أن يصبر ويتجلّد ويتغابي في بعض الأحيان لا تضعضعه المصائب ولا توقفه النكبات ولا يستسلم إلى الواقع الأليم ولا يتسلل اليأس إلى نفسه بسبب الأوضاع المزرية والمتاعب والضنك الذي يلاقيه ويقع عليه في سبيل تأدية مهامه  وأداء رسالته.

الطلاب الصوماليون سواء كانو في المهجر أو في داخل الوطن بدورهم لم يخيبوا ظن معلميهم ابداً بل تصدروا كافة المؤسسات والمراكز التعليمية التي لحقوا بها، ولا غرو فكانوا نباتا حسنا زرعها الأكفّاء وكفّلها العظماء  الذين وضعوا على عاتقهم محاربة الجهل والتمرد على قوانينه المجحفة وبدؤا النهضة التعليمية في الوطن في ظل غياب حكومة تنظم الحياة التعليمية وتبني المدارس والمعاهد وتشيّد الجامعات وتعد المناهج والمقررات، وهذا دليل قوي يدل على إخلاصهم وسلامة نيتهم.

يصعب على الأمم والشعوب التي لم تكتو بالحروب والتشرد والتشرذم أن تتفهم ما نقوله في هذه الأسطر وأن تستوعب كيف تعمل المدارس بل كيف يدار المؤسسات التعليمية العملاقة مثل الجامعات والمعاهد في ظل الفوضي الخلّاقة والهمجية المقصودة في الصومال؟ بل كيف استطاع من تخّرج من هذه المدارس المتواضعة وارتاد المؤسسات الضعيفة أن يكون ندا أو صنوا ربما أكثر كفاءة وأكثر معرفة من نظرائهم طلاب المدارس القوية والدول المستقرة أمنيا واقتصاديا وسياسيا ذات المناهج العالية.!؟

وتبع عدم وجود الدولة تلك الفوضي التي عمّت البلد وانعدمت الهيئات المختصة بالمعرفة والوزارات المخولة بالتربية والتعليم التي تعد المناهج وتدرب الأساتذة وتهيئ الأجواء التعليمية والبيئة المناسبة؛ لتحصيل العلم والمعرفة مما سبّب انعدام المناهج الموحّدة والرؤية العلمية الواحدة في الصومال، وباتت كل مدرسة أو كل جمعية تديره عدّة مؤسسات تعليمية لها منهجها الخاص ومقرراتها المستقلّة التي تتماشي مع أهداف المدرسة أو الجمعية حسب أهمية المقرر أو توفره أو ملاءمته دينيا وفكريا وعلميا للمدرسة، وفي معظم الأحيان كانت الاختيارات تخضع لمعايير دقيقة وتختار حسب الأيدولوجيات والأنتماءات الحزبية والفكرية في داخل الوطن أو في خارجه.

ولقد حازت المقررات والمناهج التابعة للدول العربية قصب السبق في التدريس بكافة المستويات من الروضة وحتى الدراسات العليا لقربهم الجغرافي وتوفرهم في الساحة ووحدة الأهداف والطموحات والتطلعات والهوية والثقافة بين العرب وأشقائهم الصوماليين، وأعتقد أن معظم مناهج الدول العربية اعتمد في المدارس الأهلية في الصومال مع علمنا أن المنهج السعودي كان الغالب وأخذ نصيب الأسد في المدارس يليه الإماراتي ثم المصري فالسوداني واليمني ويأتي بعدهم مناهج بعض الدول العربية وبنسب متفاوتة.

وإزاء ذلك التخبط الواضح والفوضي المنهجية لم تنقطع المحاولات الصومالية الحثيثة لإيجاد وإعداد مناهج ومقررات دراسية صومالية موحّدة أو متقاربة في أسوا الظروف ولأنها لا تمتلك الميزانية المطلوبة لتنفيذ وإنجاح هذا العمل الجبار الشاق ولعدم البيئة المناسبة لإعداد المناهج  وشحّ الكوادر البشرية المدربة فقد اختاروا من كل منهج بعض الفصول والوحدات ليكون مقررا بديلا يدرس في الصومال فمثلا نجد أن المقرر الإماراتي قوي من ناحية العلوم التطبيقية فيؤخذ منه أو يعتمد عليه علميا  بينما نجد أن المنهج السعودي لا يدانيه أي منهج عربي من حيث التربية الإسلامية واللغة والثقافة والتاريخ فيعتمد عليه كمقرر من هذه المواد المذكورة وبعض المناهج لها مزايا خاصة فنقارن المناهج وننتقي الأحسن ونقطف الأطايب منهم، وهكذا بدأوا باكورة عمل شاق ومضن لكتابة مناهج موحّدة بأي ثمن وإيجاد ما يجمع شتات هذا الشعب بغض النظر عن مشروعية هذا العمل الذي ربما يمكن أن يكون قرصنة ثقافية أو علمية أو عمل يفتقد اللباقة والأدب في الحقل التعليمي.

ولم يحل هذا الفعل بإشكالية اختلاف المناهج بقدر ما زاد الفجوة والهوة بين انتماء الوطني للطالب والمواد الدراسية خاصة في الأدب والتاريخ والتربية الوطنية التي كانت يدرس بها في الصومال.

ومن المفارقات العجيبة ان الطالب الثانوي الصومالي كان لا يعرف أجزاء وطنه الكبير أو ولايات جمهورية الصومال  بينما يحفظ عن ظهر قلب تاريخ الجزيرة العربية أو تاريخ دولة آل سعود وهذا مما رأيناه و نحن من مر بهذه التجربة المريرة.

اختلاف المناهج وتباين المقررات المدرسية سبًّب فجوة كبيرة فكريا وثقافيا بين الأجيال الصومالية و بين أفراد الجيل الواحد، وهذه الظاهرة المخيفة أضفت بظلالها المرعبة على الشباب الصومالي وطرق تفكيره ونظريته للحياة وانتمائه للوطن، وأدى اختلاف المناهج بداً من الفصول التي تكوّن ملكية الفرد الكتابية وتفتق موهبته التعليمية والفهم من المبادئ الأساسية للتعليم إلى الفصول المتأخرة التي تنمي وتصقل فكرة الإنسان وتساهم في تحديد اتجاهاته السياسية والفكرية وترفع انتمائه الديني والثقافي والوطني والوجداني والقيمي  إلى اختلاف في كل شيء تقريبا وافتقدنا لشعب يجمعه الهدف ويوحده الانتماء؛ لأن التاريخ والجغرافيا والثقافة لا تجمعنا حسب مقرراتنا الدراسية، وبسبب ذلك افتقدنا ركنا أساسيا من أركان التعليم، وهذا مما يتطلب أن نجد له حلولاً جذرية، ولا يتأتّى ذلك إلا بوجود حكومة قوية ذات رسالة تعليمية قويّة وموحّدة، وإنه ليصيبني الضجر والغضب حينما أرى فهمنا القاصر للمشاكل التي تحيط بنا في كل جانب، والتي حتما ستكون المقررات الدراسية واختلاف المناهج جزءاً اصيلا منه.

ومن أغرب ما يشاهد في الصومال المنكوبة عدم توفر أو وجود المناهج التاريخية والجغرافية الصومالية وإهمالها كليا وعدم درس المواد التي ترفع وطنية الطفل في السنوات الأولي من عمره وتحببه وطنه وأمته، فدراسة التاريخ والتربية الوطنية والمناهج التي تراعي كافة الجوانب والمحاور التعليمية وتنشئة طفل يحمل في جيناته الإباء والشمم وحب الوطن وغرس روحه -عبر مقرراته الدراسية- الأخلاق الوطنية والقيم الدينية والثقافية وحب العمل والإنتاج وتقدير المناسبات الدينية والوطنية والتنازل والعمل في روح الفريق والتشارك في كل شيء والتناصح والتشاور وأن الوطن للجميع وخيراته يسع الكل تساهم في تطبيب الجرح النازف للأمة.

 أما إذا تمادينا في تضليل الأجيال ودراسة تواريخ وأناشيد وطنية لا علاقة لنا، وواصلنا دراسة التاريخ الفرعونية أو أمجاد الدولة السعودية أو نهضة الإمارات ولا ندري أي شيء يذكر في تاريخنا وأبطالنا ولا نعترف في صميم قلوبنا أن الوطن بأقصى شماله إلى أقصى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ملك لنا ولم يحلّق خيالنا واسعا وقفلنا أنفسنا وهم الانتماءات الضيّقة؛ فهذا لعمري عين الرزية والمصيبة التي اجتاحت الوطن!.

إن السير في الاتجاه المعكوس لم يشتّت أمتنا ووطننا فحسب بل جعلنا أمّة عالة على الأمم والشعوب وتتطفل عليه في كل شيء وعرضت نفسها للشماتة وسلّمت وطنها للأعداء.

ولا يزال أعداء الأمة يتربصون للأمة الصومالية ليل نهار ونحن نواصل غفوتنا ونصر في صلفنا وغرورنا لا نتّعظ، والعدو التاريخي للأمة الصومالية الذي هدم كيانها وقلع الدولة الصومالية من جذورها وحارب الأمن والاستقرار وجعل الوطن غارقا في الظلام الموحش واغتال الشهامة والنخوة الصومالية ما زال يزهق الأرواح الطاهرة ويمزق الأجساد البريئة ويبدد الأحلام الوردية ويريق الدماء الزكية في شامو ووزارة التعليم وغيرهما كثير نسيناها أو بالأحرى تناسينا في خضم سنوات التيه والضياع وفي ظل المصائب التي لا تأتينا فرادي وتنسي جديدها قديمها لألمها وبشاعتها.

لا نجد أي تفسير منطقي من يفجر الأبرياء ويقتلهم وبدم بارد ويسرق البسمة في الوجوه النيّرة ويدخل قلوب الأمهات الحسرة والحرقة ولا ندرك مدى وحشية من يتلذذ بزهق الأرواح بل ويتباهى بأعماله الوحشية وإبادة الطلاب روّاد المستقبل وزهور الوطن والعضو السليم لجسم الأمة الأجرب.

كيف يمكن أو يفكر إنسان مسلم معافى العقل سليم الضمير كامل الوعي بإبادة وقتل الكواكب الوضّاءة المليئة بالقاعة في ذلك الصباح الذي اكتحل بالجمال المترع بالبهج!؟ كيف تزهق أرواح تحمل آمال وأحلام أمة ممزّقة الوطن واهية القوي؟! كيف لي أن أفهم وأفكك طلاسم هذا الخبر الرهيب والنبأ المفزع الذي تحولت سطوره المكتوبة إلى ألغاز تحتاج إلى كمبيوتر لحل كلماته المتقاطعة!

من يقف وراء هذه الاعتداءت البربرية والتجاوزات الجبانة والانتهاكات التي تشيء إلى الضعف والخور في نفوس من ارتكبها؟ من أثكل الأمهات ويتَّم الأطفال وأرمل الزوجات؟ ولكن بطل عجبي بعد معرفة الأسباب واستمرار الهمس وبصوت عال وتواردت الأنباء وتصاعدت الأحداث اتضح للجميع أن من دبّر هذه المكائد هو من يربح بالجهل والعنف والفوضى، وتبور تجارته وتنحصر نشاطاته بالعلم والمعرفة، من تعوّد ممارسة سياسة شفير الهاوية ويطبق استراتيجية خيار شمشون إذا تأزمت عليه الأمور.

من يهدم صروح العلم ومباني المعرفة يحمل في يديه المشنقة وبعينه كآبة وحقد وحسد دفين ويشكل سدا منيعا لنهوض الأمة وتقدّمها، والأمم لا تتقدم بالحروب والصراعات والعنف وتجنيد الأطفال في سن المدرسة تحت الرهبة أو التعذيب وإجبارهم بترك أسرهم وديارهم وإنما تتقدم الأمم بالعلم والمعرفة والثقافة والتنوير.

التعليم وبناء صروح العلم والمعرفة وتوعية المجتمع وبسط التعليم وإيصاله في كافة القرى والأرياف والمدن تجعل الصومال تستعيد عافيتها؛ فبالعلم تبني الأمم وتتقدم الشعوب، وبالعلم تزدهر الحياة وتنتعش، وبه نستطيع أن نكون أحراراً في بلدنا وأحراراً في إرادتنا وتصرفاتنا وإدارة بلادنا وأن نكون حياتنا ذات أهداف سامية ورسالة ذات معني خالدة، وبالعلم نستطيع ان نعيش في وطننا مسالمين متفاهمين مع أنفسنا ومع بئيتنا ومع مجتمعنا والشعوب الأخرى، وبالعلم نستطيع أن نعيش في وطننا متساويين وشركاء دون إنكار الآخر أو إلغائه.

والتعليم هو مفتاح الحياة ولا تتقدم أمة إلا بتبني رؤى علمية واضحة المعالم مكتملة الأركان في تحسين واقعهم اقتصاديا وسياسيا.

ومما لا غبار فيه أن التعليم يساهم الاستقرار السياسي والاقتصادي وترفع مستوى الفرد والمجتمع في كافة النواحي.

إن الأجيال المتعلمة الذين نهلو من نمير المعرفة وارتووا من معين العلم العذب الزلال كالأمواج لا يكون البحر إلا بتتابعها وروحها حتى لا يتوقف وهكذا هم الأجيال المتعلمة في الوطن جيلا بعد جيل ولا يكون للوطن قامة إلا بأبنائه المخلصين المتعلمين والمستعدّين لتنويره وتثقيف أفراد أمتهم ودراية تاريخهم وماضيهم وتنمية حاضرهم واستشراف مستقبلهم؛ لأن التفرد البشري وتمييزه عن الآخر يقوم بثلاث خصائص رئيسة لا يمكن أن يستقيم مثلث نهضة الأمة وتفردها إلا بوجود أضلاعه الثلاثة المتمثلّة في:

1: الحرفية القابلة للتنمية المستمرة.

2: الربط الزمني الواعي.

3: القدرة على التفكير والتحليل الإبداعي.

وكما نري فالبنود كلهم مرتبطة بالعلم والمعرفة بارتباط وثيق وبينهما صلة قوية لا تنفك أبدا.

 والنهضة التي ينشدها الجميع أساسها العلم والمعرفة وقاعدتها وجود مؤسسات قوية للتربية والتعليم ولا يكتمل البناء إلا بوجود حكم رشيد وقيادة صالحة وبهذه المحاور وتطبيقها تأتي إلينا النهضة المنشودة وهي راغمة.

 ومن الواضح أن التنمية  تتطلب إلى العلم والمعرفة إذ بدون العلم والمعرفة  يعتبر التنمية تجربة لا أفق لها، والحكم الصالح يستلزم بالعلم، فمن المعلوم أن الجاهل لا يمكن أن يحكم بشعبه بحكم صالح ورشيد وأسس سليمة ومتينة وصحيحة تجعل حياة الشعب مستقرة وآمنة بل الجاهل يضع مصلحته فوق مصلحة الجميع ولا يرتوي بدماء شعبه ولا يتنازل عن العرش إلا بالقوة، أما العالم الحاكم فالحكم ليست غايته التخلف الفكري والاقتصادي والعلمي والاستبداد والشمولية  والسلطة المطلقة ليست من سجيته بل دفع اقتصاد الوطن إلى الأمام والنهضة في كافة المستويات والبلوغ إلى الاكتفاء الذاتي جل ما يطلبه ويستحوذ على تفكيره.

وبعد:

 لا يمكن -مهما أسهبنا الكلام وأطنبنا القول- أن نحصر مزايا وحسنات العلم وهذه الشريحة المهمة في مثل هذه الكتابة المتواضعة؛ ولكن أرجو أن تكون بداية جيدة ومحاولة لردّ الجميل لهذا الفئة المغمورة التي تشكل الجندي المجهول في مسيرة الأمة، والمعلم شكّل في التاريخ حلقة مهمة من الحلقات ذات الأهمية الخاصة من حلقات المجتمع وحيث ما وجد المعلم والمدرسة وجد العلم والمعرفة والانفتاح الذهني والصفاء العقلي والتسامح والتعايش السلمي.

تستحق هذه الكوادر الطيبة أن نرفع لهم القبعة عرفانا لعملهم الجليل ومحاولتهم الرجولية؛ لإنقاذ جيل كامل من العنف والتيه والضياع والحروب العبثية ويحسب أيضا خطواتهم المباركة لانتشال هذا الجيل الذي تزامن مع الفوضى وأصبح حظه تعيسا وقدّر أن لا يعيش إلّا تحت زخم الرصاص وأزيز الصواريخ وزخّات الرشاشات وانتشار الجثث والدماء التي تزكم الأنوف وتخلد في الذاكرة وتتركها بانطباعات سيئة ونظرات موحشة في الحياة والمجتمع والبيئة التي تجعل حياة الطفل بعد بلوغه سن الرشد حياة قاسية متأثرا بالمظاهر البشعة التي مر بها الوطن ولم تنتهي فصوله الكريهة بعد.

نكن الاحترام والمحبة لأولئك الأبطال الأشاوس حملة المبادئ القيّمة والشعلة الوضّاءة لإنارة الدروب وتصحيح المسار وتبديد الجهل ومحاربته، وخاصة في جيلي التعيس جيل الحروب والدموع لم يكن أمامنا أيّ أمل للمعرفة والتنوير ومواكبة العالم لتزامننا عصر الانحطاط والتدهور والانهيار الذي أصاب كل شيء في الوطن، وفي لحظة من اللحظات اعتقد الجميع أن مستقبلنا التعليمي أصابته وكعة صحية ربما ترسله إلى الخلود السرمدي أو ترميه في عرين الجهل الأبدي أو تجعله مجاهيل صامتة كصموت القبور.

ملاحظة:

(حاولت كتابة التأثيرات الناتجة عن المناهج المختلفة في الأزمة الصومالية إلا انني حجمت عنها وأفسحت المجال لغيري، وأرجو أن أجد من هو أكثر مني دراية ومعرفة للحقل التربوي والتعليمي ليوضح معضلة اختلاف المناهج وتغذيتها وتأثيرها في حروبنا المشتعلة)

5 تعليقات

  1. شكرا لك عزيزي الكاتب على هذا المقال المتشخص لأعماق قد لا يشعر خطرها إلا القليل ، وفعلا وضعت الحروف على النقاط .فاستيراد المناهج كما هي دون إحداث أي تعديل قد تحدث تغذية راجعة غير مناسبة للفئة المستهدفة كما قلتم . فلابد من مراعات فلسفة الطالب ومحيطه البيئئ حتى يكون فردا صالحا كما يقولون .

  2. يا سلام مقال أكثر من رائع شكراً يا حسن فحقيقة التعليم فى الصومال يصمد فى وجه ويلات المعارك الطاحنة بين أبناء الجنس والدين الواحد لمدة تزيد عن 18 عاماً بدون ايديولوجيات واضحة ترمي السفينة إلى شاطئ الأمان، فكلما تفكك عنصر نشأ غيره وكلما انقرضت مجموعة تشكلت أخرى ترش المزيد من الملح على الجرح الصومالي النازف بدلاً من لملمة وتضميد الجروح السابقة

  3. مقال رائع يتحدث عن قطاع مهم الا وهو الكوادر التعليمية والتي يعتبر
    أغلى شريجة في المجتمع وزبدته:
    ولكن الكوادر التعليمية في الصومال ينقصهم التنسيق … أخي هذا المقال من المقالات المهمة في الشبكة يا ترى كم يوم اعددت هذا المقال الكثير ومما جدبني عند قراءة هذا المقال كثرة الكلمات الأدبية الجميلة وكذالك طرح افكار جديدة مثل عبارة مثلث النهضة:
    1: الحرفية القابلة للتنمية المستمرة.

    2: الربط الزمني الواعي.

    3: القدرة على التفكير والتحليل الإبداعي.
    تحياتي للكاتب القدير حسن قرني

  4. شكرا على مقالك الرائع يا حسن وتفننك على استخدام العبارات الوجيزة وكلمات المتقاربة.

%d مدونون معجبون بهذه: