عودة الدول المتاخمة إلى التدخل العسكرى فى الصومال

في حوار إذاعي لهيئة الإذاعة البريطانية ( القسم الصومالى)، بين مديره يوسف جراد وبين السفير الأمريكي فيليب كارتر، النائب الأول للأمين المساعد في مكتب الشئون الإفريقية في الخارجية الأمريكية، الذى أذيع في 23 الجاري، وجه الأول لضيفه الأمريكي السؤال التالي: كيف ترون طلب الدول المتاخمة للصومال للحصول على الموافقة بالسماح لها بإرسال قوات إلى الصومال لدعم الحكومة الانتقالية؟!

قال السفير الأمريكي: “و أن الولايات المتحدة تدرك مدى بغض الشعب الصومالي للسيطرة الأجنبية” ومن البين أن هذه الحقيقة البدهية التى يعرفها العالم أجمع، كما تثبتها قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ويشهد بها الدبلوماسى الأمريكي لا يدركها بعض حكامنا. وكأن عامين من العرق والدماء والدموع فى مقاومة الاحتلال الإيثيوبى غير كافيين لاستنتاج الدروس اللازمة لمحترفى السياسة.

وهذا السؤال يأتي على خلفية التصريح الشهير لرئيس البرلمان الانتقالى آدم محمد نور(مدوبى)، الذي دعا فيه الدول المجاورة إلى التدخل العسكري فى الصومال لإنقاذه من الهجمات المتكررة لحركة شباب المجاهدين، وتأكيده على أن إثيوبيا من الدول المرحب بها لهذه المهمة، ثم ترحيب المسئولين الإثيوبيين بذلك، ومناشدتهم للمجتمع الدولي بتمكينهم من القيام بهذه المهمة، ثم مسعاهم لدى مجلس الأمن لإلغاء قراره الصادر فى عام 2003 القاضي بالحظر على الدول المجاورة القيا م بالتدخل العسكري في الصومال.
وبعد أن أشار السفير الأمريكي إلى دور القارة الأفريقية ككل فى  دعم الأمن والاستقرار فى الصومال عبر قوات الاتحاد الإفريقي (أميصوم)، استدرك قائلا: “ لكننى لا أرى دورا لإثيوبيا وأرتريا فى هذا الصدد . إن لكل قطر مصالحه االأمنية الخاصة به، (فى تلميح إلى التناقضات والصراعات  القائمة فى القرن الإفريقى، كما هو  الحال فى العلاقات العدائية بين أرتريا وجيبوتى، والعلاقات التاريخية المتوترة الإثيوبية الكينية من جهة، والصومال من جهة أخرى).

وقد قال السفير أيضا فى محاضرة فى المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (شاتام هاوس) فى 22 يوليو الجاري تعليقا على اتهام الولايات المتحدة بتشجيع إثيوبيا على غزو الصومال ” إن الولايات المتحدة لم تفعل ذلك، وإنما  إثيوبيا تصرفت منفردة من منظور مصالحها الخاصة، و أن الولايات المتحدة تدرك مدى بغض الشعب الصومالي للسيطرة الأجنبية.

ومن البين أن هذه الحقيقة البدهية التى يعرفها العالم أجمع، كما تثبتها قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ويشهد بها الدبلوماسى الأمريكي لا يدركها بعض حكامنا. وكأن عامين من العرق والدماء والدموع فى مقاومة الاحتلال الإيثيوبى غير كافيين لاستنتاج الدروس اللازمة لمحترفى السياسة.
لقد كان لذلك التصريح وقع الصاعقة فى نفوس الصوماليين اينما كانوا، كما صدم الضمير العالمي، وأحيى من جديد كابوس الاحتلال الإثيوبى الذي اعتقدنا أننا تخلصنا منه إلى الأبد.
ومن حسن الطالع، أنه تلوح بوادر تغير فى التوجهات الأمريكية والأوربية إزاء القرن الإفريقي، فبعد تخبط دام عشرين عاما للنظر إلى الصومال من زاوية ترك إثيوبيا طليقة اليد لتصفية الحسابات مع الصومال والاعتماد عليها كحليف إقليمي، تيقنتا الآن من مغبة هذه السياسة التي أفضت إلى نتائج كارثية بالنسبة إلى الصومال والقرن الإفريقى، وهدد الأمن والسلم الدوليين. وتريدان إقصاء إثيوبيا عن تعكير المياه فى الصومال، وإيجاد حل جذري للمعضلة الصومالية يقوم على دعم إحياء الدولة الصومالية ومؤسساتها وقواتها المسلحة والتوفيق بين الأطراف الصومالية المتنازعة، ولاسيما مع بونتلاند وصوماليلاند وبين مقدشو.
نحن نعلم أن الحكومة الانتقالية تواجه تحديات عصيبة، وأن العناصر الهدامة وضعتها فى مأزق، لكنها، وهى التى تحمل على كاهلها مصير الشعب بأكمله، وطموحاته، كان عليها ألا تفقد صوابها، وألاّ يضيع عليها الهدف الاستراتيجي الذي نريد تحقيقه.

من حسن الطالع، أنه تلوح بوادر تغير فى التوجهات الأمريكية والأوربية إزاء القرن الإفريقي، فبعد تخبط دام عشرين عاما للنظر إلى الصومال من زاوية ترك إثيوبيا طليقة اليد لتصفية الحسابات مع الصومال والاعتماد عليها كحليف إقليمي، تيقنتا الآن من مغبة هذه السياسة التي أفضت إلى نتائج كارثية بالنسبة إلى الصومال والقرن الإفريقى، وهدد الأمن والسلم الدوليين. وتريدان إقصاء إثيوبيا عن تعكير المياه فى الصومال، وإيجاد حل جذري للمعضلة الصومالية يقوم على دعم إحياء الدولة الصومالية ومؤسساتها وقواتها المسلحة والتوفيق بين الأطراف الصومالية المتنازعة، ولاسيما مع بونتلاند وصوماليلاند وبين مقدشو.

ومن صميم قلوبنا نؤيد التسوية السياسية التى تمت فى جيبوتى، والمؤسسات الدستورية التى انبثقت عنها، ونعتقد أنه الحلّ الأمثل الذى لا بديل له للخروج من النفق الخانق الذى نعيش فيه، ونريد لهذه التجربة أن تنجح، لأن الفشل يعنى الجحيم.

ولذلك فإن مثل تصريح آدم محمد نور يؤدى مباشرة لا إلى إهتزاز صورة وسمعة الحكومة الانتقالة فحسب، بل إلى حرمانها من أية شرعية شعبية أو احترام لدى الجماهير.
وأذكر بهذه المناسبة التوقيع على مذكرة التفاهم بين كينيا والصومال حول المياه الإقليمية بين البلدين، قبل أن تطأ الحكومة الجديدة أقدامها على الأرض، وبعد مجرد أسابيع من تأليفها، فالحكومة بشكلها الحالي لا تملك المؤسسات والخبرات والمتطلبات الإدارية والصلاحيات بحكم صفتها الانتقالية للتصرف فى موضوع معقد وشائك سياسى واقتصادى وقانونى وجيوفزيائى وعلم الخرائط ومرتبط بعلوم البحار وبالقانون الدولى بهذه الرعونة، لاسيما وأن كثيرا من الوزراء  ومن بينهم وزراء أساسيين الذين يتولون إدارة وزارات سيادية كالخارجية والدفاع، يدخل الموضوع فى اختصاصهما أنكروا علمهم بالموضوع أو استشارتهما بأى شكل من الأشكال.
وقد ترك هذا التصرف انطباعا سلبيا لدى الرأى العام الصومالى، وتساؤلا مشروعا فيما إذا كان الوضع الجديد يختلف عن النظام الذى سبقه، أوما قبله.
ويحضرنى فى هذا الصدد أن الرئيس زياد برى خلال حكمه الطويل لم يرضخ  لابتزاز وتهديد الدول الكبرى ومن بينها الإتحاد السوفيتى (الحليف الأكبر)، فى إجباره على جعل حدود المياه الإقليمية إثنى عشر كيلو مترا، عندما كان القانون الدولى ينص على ذلك  فى السبعينيات، قبل تغييره، ولم يعبأ لإلحاحات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، رغم العلاقات الحميمة بين البلدين، فى تخطيط الحدود البحرية بين البلدين لشعوره بوجود مصالح متناقضة بين الطرفين، وعدم رغبته فى الإضرار بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الحالية والمستقبلية لبلاده، وعدم مصادرته لحرية الأجيال القادمة فى اتخاذ القرارات التى تناسب مصالحهم بما يتفق مع التقدم العلمي والتكنولوجي عندئذ.

مثل تصريح آدم محمد نور يؤدى مباشرة لا إلى إهتزاز صورة وسمعة الحكومة الانتقالة فحسب، بل إلى حرمانها من أية شرعية شعبية أو احترام لدى الجماهير.

وأملى، فى أن تكون لهذه الحكومة التى نعلق عليها آمالا عريضة، رؤية استراتيجية شاملة تحدد مسيرتها وتصونها من ردود الفعل العشوائية للأحداث والتقلبات اليومية، وأن تحاول فى هذا الوضع الحرج التحرك فى إطار المبادئ والقضايا الأساسية المجمع عليها، لا الخلافية، والاهتمام بتحسين صورتها للحصول على الشرعية الشعبية، الذى هو الشرط الذى لا بد منه والضمان الوحيد لاستمرار نجاح عملية جيبوتى، وضمان إعادة تكوين الدولة الصومالية الموحدة التى تفرض سلطانها على كامل القطر الصومالى، وتحقق أمنية الشعب فى الكرامة والأمن والتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية والتقدم الثقافى.

%d مدونون معجبون بهذه: