حركة الاصلاح في الصومال … وأسباب تصدعها

• النشأة والتطور

ظهرت حركة الاصلاح الإسلامية في يوليو عام 1978 بعد اجتماع بعض الدعاة الصوماليين المغتربين في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية .

وفي فبراير عام 1990م أعلن الشيخ محمد أحمد نورغريري – الذي كان أول مراقب عام للحركة- عن قيام الحركة وأهدافها عبر القسم الصومالي لهيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي.

وقد مرت الحركة بفترات صعود، وخاصة بعد ترهل نظام سياد بري وانهياره، بحيث استطاعت أن تجذب النخبة المثقفة من أبناء الصومال آنذاك، واستطاعت أن تضم إلى صفوفها ما تبقى من أعضاء حركة وحدة الشباب الإسلامي المشهورة بدورها الدعوي في المناطق الشمالية من البلاد.

وتميزت حركة الإصلاح عن الحركات الأخرى التي نشأت في الصومال بفكرها الوسطي المعتدل الذي انبثق عن الفكر العالمي الإخواني، كما ساهمت الحركة في عمليات المصالحة بين القبائل الصومالية في تسعينيات القرن الماضي، حيث أنشأت مجلسا للمصالحة بالتعاون مع العلماء وزعماء العشائر والطبقة المثقفة لنشر مفاهيم سلمية، كان من بينها التعايش السلمي والتسامح وحسن الجوار، وبالفعل نجحت في عقد الكثير من اللقاءات التصالحية التي انتهت بنتائج إيجابية.

وفي السياق ذاته يعد من إنجازات الحركة دورها الملموس في انعقاد ونجاح مؤتمر عرته الشهير الذي عقد في مدينة عرته بجيبوتي عام 2000 تحت رعاية كريمة من رئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله.

• من أسباب الخلاف الأول

ورغم وجود كل هذه الأدوار المتميزة؛ إلا أن الحركة بدأت تتضاءل وتتقهر إلى الوراء إثر انتخاب الدكتور علي الشيخ أحمد أبوبكر عام 2001م كمراقب عام لها، وذلك للأسباب التالية:

– سياسية التعامل مع الواقع (وهي سياسة كانت تشجع أفراد الحركة إلى مشاركة فعاليات قبائلهم بإيجابية) إلا أنها جاءت بنتيجة سلبية تمثلت في تدني مستوى الانتماء الحركي، ورفعت بجانب ذلك مستوى العصبية القبلية.

– الخلافات التي نشأت بسبب موقف قيادة الحركة السلبي تجاه المحاكم الإسلامية، وخاصة موقفها حول دور المراقب السابق للحركة الدكتور محمد علي إبرهيم الذي قاد وفد المحاكم الاسلامية إلى المؤتمر الأول الذي عقد في خرطوم .

– موقف قيادة الحركة من الغزو الإيثوبي الغاشم عام 2006.

– ومن هنا انقسمت الحركة إلى ثلاثة أقسام، يتم تصنيفها كالتالي :

– القيادة القديمة، والجناح الذي سمي بـ (الدم الجديد) والذي دعا قبل انفصاله عن الحركة إلى محاسبة وتصحيح المسار الحركي، ولكن دعواته لم تلق آذانا صاغية، و تشكلت مجموعة أخرى سميت بجناح الوسط، وهي مجموعة بذلت قصارى جهدها للتقريب بين وجهات النظر المتباينة بين الجناحين ( القديم والجديد) ولكن مساعيها فشلت بسبب تعنت ورفض القيادة القديمة جميع المقترحات المقدمة من قبلها.

– التصدع الحركي الثاني

ومن ثمَّ بدأ التصدع الحركي الثاني؛ حيث دعت مجموعة الدم الجديد مؤتمرا موسعا في عام 2007م في الأراضي المقدسة بمكة، وشاركت في المؤتمر شريحة واسعة من الكوادر الحركية ونخبتها، وتمخض عن ذلك المؤتمر جملة قرارات كان منها:

– تغيير بعض اللوائح الحركية.

– إقالة أو إعفاء القيادة القديمة من مناسبهم.

– ولكن القيادة القديمة رفضت التنازل عن موقفها، وبهذا أصبح لحركة الإصلاح منذ ذلك الوقت قيادتان تتنافسان علي الشرعية أمام المحافل الدولية.

• المفاجأة المدهشة الأخيرة

وفي يوم 23-7-2012 ذكر بيان صادر عن بعض مؤسسي الحركة إقالة المراقب العام الحالي الدكتور علي باشا عمر، وتجميد المراقب السابق الدكتور علي شيخ أحمد أبوبكر، ومسؤول الحركة في إقليم جنوب الصومال، وذلك باتهامهم بسوء الإدارة، واستغلال النفوذ، وإقامة علاقات مشبوهة مع جهات أجنبية لم يذ كر البيان بشكل كامل، ولكن أصابع الاتهام تشير إلى أنها الولايات المتحدة الامريكية، حيث أهدى الدكتورعلي الشيخ أبوبكر وفدا أميركيا زار مقديشو في عام 2003م إلى العلم الأمريكي المفقود في مقديشو، وقد قال في تصريح له آنذاك إن الهدية تأتي كبادرة حسن النية.

وبناء على هذا أصدر بعض مؤسسي الحركة ذلك البيان، ودعوا إلى تشكيل إدارة جديدة مؤقتة يرأسها أكبر أعضاء مجلس الشورى سناً؛ ليقود الحركة في الفترة الانتقالية، كما دعوا أيضا إعادة الإخوة الذين تم فصلهم أو تركوا الحركة طواعية، أو أبعدوا من الحركة من دون وجه حق ليشاركوا في مسيرتها من جديد.

وتجدر الإشارة إلي أن البيان الذي أصدرته مجموعة الدم الجديد في عام 2007م لم يذكر إقامة علاقات مشبوهة مع جهات معادية للإسلام، واكتفى في ذلك الوقت بإشارة انحراف المسار الحركي وضرورة تصحيحه، أما البيان الأخير فيحمل في طياته أمورا خطيرة لم يتجرأ احد علي الإفصاح عنها من قبل، مما سيبعد أملنا في إمكانية عمل مفاوضات ومصالحة مجدية بين الطرفين.

• غياب الحوار

ورغم استقطاب الحركة كثيرا من الكوادر المثقفة وأصحاب الفكر المستنير إلا أنها تتقاعس عن الحوار الفكري الداخلي، وقد نتج عن هذا بروز المفاهيم المثالية والطاعة المطلقة، بحيث ظلت محاسبة القادة ومناقشتهم أمرا بعيد المنال، وقد ترتب عن ذلك انعدام الثقة بين الأفراد، وصار بعضهم أحيانا يستخدمون أثناء الحديث عن القيادة مقولة ( وافق أو نافق أو فارق)

• هل الإخوان الدولي يحسم الامر ؟

وعقب صدور البيان الذي أعلنه الشيخ غريري بإقالة القيادة بادر كل طرف من طرفي الصراع إلى مغادرة البلاد، والذهاب إلى مصر حيث يوجد مركز الإخوان الدولي، وكما هو معلوم إن المشكلة الصومالية والخلافات الصومالية الصومالية لا يمكن حلها بواسطة جهة خارجية كما أثبتت التجربة، وذلك لأن الجهات الخارجية تفرض حلولا من الأعلى إلى الأسفل، وهو أسلوب غير ناجح، والأسلوب الأنسب في نظري هو يبدأ الحل من مستوى القاعدة إلي القمة، بواسطة نقاشات مطولة تستغرق أسابيع، وربما شهورا وفقا للعرف الصومالي المبني بالإدعاء وإظهار الحجج لطرف المدعي، ودفاع وإبطال الحجج من طرف المدعى عليه.

ولذا فإن أي قرار سوف يمليه الإخوان الدولي لن يكون حلا صائباً؛ لأنه بعيد عن واقع وطبيعة الإنسان الصومالي، بل إن ذلك سيؤدي إلى تصدع وانشقاقات أكبر من أختها إن لم يفق العقل الصومالي من غيبوبته، ويفرض نفسه أسلوبا حضاريا جديدا ومبنيا على الحوار البناء والتسامح، مع خلق فرص وأرضية واّلية ملائمة للحوار.

%d مدونون معجبون بهذه: