حركة الإصلاح في الصومال علي مفترق الطرق

كان يخامرني قبل عقد من الزمن تقريبا أن أكتب عن موضوع ” ربع قرن علي مسيرة الإصلاح رؤية نقدية من الداخل” لكني للأسف لم أوفق في ذلك، واليوم وقد تغمرني الدهشة والحسرة حين أكتب هذه الأسطر التي باتت لامفر من أن أسجلها- كتاريخ- وإن كنت أحب أن أكتبها بظروف مغايرة لهذا الظرف الذي تمر به الحركةالإسلامية إلا أن الرياح تأتي بما لاتشتهي السفن.

وفي البداية أشير إلى أنه بعد تأسيس الحركة في المهجر عزم المؤسسون إنزالها الى الساحة الصومالية؛ فكونوا لجنة وفدت إلى الوطن، والتقت مع أبرز الدعاة الموجودين في البلد، ومن هنا بدأ انضمام الرعيل الأول إلى الحركة بعد المؤسسين الخمسة المعروفين.

لكن الذي يثير الدهشة أن جلّ الأفراد الذين هم من الرعيل الأول خارج النظام القائم حاليا، إما أنهم فُصلوا لحاجة في نفس يعقوب، أو تساقطوا لأسباب أغلبها حركية، لأنه لم تحدث في تاريخ الحركة محاسبة دقيقة أو حتي مراجعة حول التساقط المفرط في صف الحركة.

أيـــن الخــلل؟

الحركة الإسلامية في القرن الأفريقي في عامها الرابع والثلاثين، وعليه فإنها حازت بشرف أطول مؤسسة صومالية عمرا مقارنة بكل المؤسسات الصومالية حتى الدولة، وهذا يحيطها بهالة من المجد من ناحية ومن ناحية أخرى يحمّل عليها مسؤولية عظمى، ولكنها تبدو في الواقع وكأنها لم تحرك ساكنا، وقد ظهر هذا جليا حين وقع البلد في كف عفريت، وأصبحت الحركة من المتفرجين الذين لايعرفون الي أين مصير البلاد، بحيث أصبح أفراد الحركة وكأنهم ضيوف في مسألة تقرير مصير البلاد على عكس ماكان متوقعاً منها في الساحة المحلية والإقليمية.

الانشقاقات

ففي عمر الحركة الذي يقدر بثلاثة عقود حدثت ثلاثة انشقاقات؛ فسرها الخبراء بأنها جاءت بسبب اللامبالاة وانعدام الحكمة، ما أدى إلى أن تشهد الحركة انشقاقا في كل عقد من عقودها الثلاثة، و كان يفترض الاستجابة إلى نداء العقل الرشيد الذي يشير إلى القبول بكل الندءآت الإصلاحية، إلا أنه على العكس من ذلك اعتادت القيادات الحركية على رمي الاتهامات بكوادرها الأحرار؛ فكلما نطق واحد بالإصلاح والتغيير يكون الجواب أن يوصف بكونه مرتزقا، أومنافقا،أومختلّ العقل، فمن المعصوم الذي لا يخطئ أبد الدهر؟!

من السيناريوهات المحتملة

الحركات التغييرية تمر بمراحل ثلاثة وهي : مرحلة البدء ، مرحلة التغيير ، مرحلة البناء. وكل مرحلة تتطلب شريحة تسمي باسمها. ومرحلة البدء هي:المرحلة التي تكاد تنحصر بالتبشير والتعريف بالفكرة والثبات عليها والصمود أمام العقبات الرامية الي إثنائها عن مسارها، ولذا فإن لمرحلة البدء عمرا افتراضيا محددا ولها دور محدد أيضا، أما إذا طال أمدها، ولم تتخط إلى مرحلة التغيير فإنها ستفقد الاتجاه الصحيح وتصاب بحالة أشبه بالشلل الفكري والتنفيدي”[1]

وفي نظري فإن أي حركة لا تستطع أن تتخطى بسرعة مرحلة البدء كما هو الحال في أغلب الظن بالنسبة لحركة الإصلاح في الصومال، فإنها وبدون شك ستقع في هلام تنظيمي وانشقاقات متكررة واختلافات دورية، ومصيرها أشبه ما يكون بنوع من الشلل الفكري والتنفيدي، ولعل السيناريوهات المحتملة تنحصر فيما يلي:

1- أن يتدخل التنظيم الدولي في الأمر، ويأتي بحل توافقي يقود الحركة إلى السير نحو التوجه الصحيح وبناء المجالس بناءاً حقيقيا يوافق النظام الحركي، وبعيداً عن التصرفات الجنونية التي كانت مشهودة في السنوات الفائتة، ولا سيما عندما يقترب وقت الانتخابات، وذلك للحيلولة دون انتخاب حثالة لايجيدون إلا التصفيق بعد استماع الخطب الرنانة التي تلقي عليهم تترى، بعيداً عن نهج التقييم والبحث عن المصلحة العامة للدعوة والحركة.

2- أن يترك التنظيم الدولي للصوماليين وشأنهم، وفي هذا يكون الرهان على السواد الأعظم من أفراد الحركة فمن استطاع أن تنحاز إليه الجموع فهو الفائز والحائز بالاعتراف الدولي، لكن هناك سؤال مهم يفرض نفسه، وهو هل الفرد الصومالي على المستوى التحدي والمسؤولية، بحيث يكون بعيدا عن الانتهازية والمصلحة الشخصية المنتهية ؟ وهل الفرد الحركي سيكون مغايرا بالنسبة للفرد العادي؟

كلمتي لكلا الطرفين

أرجو ألا ينفلت الأمر من أيدينا وألا نكون كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة.

فأقول للدكتور علي باش عمر ومجموعته عليكم أن تتصرفوا كمسؤولين لحركة تغييرية إسلامية هدفها إقامة دولة إسلامية في هذا القطر الذي أنهكته الحرب، فنحن لسنا بحاجة الي حرب عصابات بل إلى مصالحة ومصارحة وشد الأزر ولـمّ الشمل والتنازل، والرد بالتي هي أحسن، فعليكم أن تقودوا الحركة إلي المصالحة الشاملة وجمع كلمة الفرقاء في عباءة الوحدة وإقناع الكل حسب الإمكان وعدم الانحياز إلى فئة دون أخرى، ومن يتجاهل الأمر يسهل الهوان عليه.

وأقول للطرف الآخر بقيادة الشيح محمد أحمد نور (جريري) عشتم في الدنيا مليا “أطال الله بقاءكم فينا” وفكرتم للدعوة كثيرا “جعل الله في ميزان حسناتكم” فلا تقنعوا بما دون النجوم، وعليكم تحضير المؤتمر الذي تخططونه تحضيرا يأخذ الحيطة والحذر عن كل ما يمكن أن يؤدي إلى تبخر الأمل لدى المحبين للتغيير والإصلاح الحقيقيين، وأن يكون المؤتمر شاملا لكل أطياف الحركة أينما كانوا، وإيجاد حل ناجع يخرج الحركة من المأزق الحالي ويقودها إلي مستقبل أفضل .

---------------- هوامش -----------------------
  1. ياسر الغرباوي، حركات التغيير والحراك الجماهيري،ط الأولي، 2007م بتصرف []

6 تعليقات

  1. اشكر الكاتب على رأيه ثم اقول من على هذه الشبكة أن حركة الإصلاح فشلت في برنامجها الإصلاحي وتركت الساحة لبعض الغلاة والتكفيريين يقول فتحي يكن رحمه الله من مشاكل حركات المعاصرة التكامل ثم التآكل وهذا مانشاهده يوميا

  2. مع احترمي الكبير للكاتب الأستاد توكل إلا انني اخالفه فيما ذهب اليه بتمجيد شخصيات معينة، وتقسيمه للحركة علي انها مجموعتين، وليس صحيحا فهناك مجموعة منشقة من الحركة بقيادة الوالد المحترم الشيخ جريري بعد تصادمها بنظم ولوائح الحركة.
    بالله عليكم قارنو هذا الكلام:
    1.
    فأقول للدكتور علي باش عمر ومجموعته عليكم أن تتصرفوا كمسؤولين لحركة تغييرية إسلامية هدفها إقامة دولة إسلامية في هذا القطر الذي أنهكته الحرب، فنحن لسنا بحاجة الي حرب عصابات بل إلى مصالحة ومصارحة وشد الأزر ولـمّ الشمل والتنازل، والرد بالتي هي أحسن، فعليكم أن تقودوا الحركة إلي المصالحة الشاملة وجمع كلمة الفرقاء في عباءة الوحدة وإقناع الكل حسب الإمكان وعدم الانحياز إلى فئة دون أخرى، ومن يتجاهل الأمر يسهل الهوان عليه
    2.
    وأقول للطرف الآخر بقيادة الشيح محمد أحمد نور (جريري) عشتم في الدنيا مليا “أطال الله بقاءكم فينا” وفكرتم للدعوة كثيرا “جعل الله في ميزان حسناتكم” فلا تقنعوا بما دون النجوم، وعليكم تحضير المؤتمر الذي تخططونه تحضيرا يأخذ الحيطة والحذر عن كل ما يمكن أن يؤدي إلى تبخر الأمل لدى المحبين للتغيير والإصلاح الحقيقيين، وأن يكون المؤتمر شاملا لكل أطياف الحركة أينما كانوا، وإيجاد حل ناجع يخرج الحركة من المأزق الحالي ويقودها إلي مستقبل أفضل
    الا ينحاز الكاتب الي المنشقين الجدد
    وشكرا لشبكة الشاهد

  3. أثبتت التجارب الثورية في مختلف بقاع العالم أن الثورات التي تعجز عن ممارسة التطهير هي ثورات فاشلة تتلاشى آثارها سريعاً بالتزامن مع إعادة بناء النظام القديم، وهذا يعني أن التطهير ليس ممارسة انتقامية أو ترفاً ثورياً، بل هو ضرورة لازمة لنجاح الثورة، بل هو الثورة نفسها، وإنما يأتي الخلل عندما تسود القناعة لدى الثوار – وبالتبعية لدى جموع الشعب – بأن العمل الثوري ينتهي مع سقوط رأس النظام، وهنا فكرة لا بد من توضيحها.

    الأصل أن الحاكم يستمدُّ سلطته في الأنظمة الوضعية من الشعب، لكن عندما يتحول الحاكم إلى ديكتاتور، فإنه يستمدُّ سلطته من النخبة الفاسدة التي تحيط به وتدعمه وتتولى نيابة عنه وبناءً على أوامره قمع الشعب وإجباره على الإذعان.

    فعندما تندلع الثورة فإنها تستهدف أولاً رأس النظام الذي يملك السلطة، بينما يتغافل الثوار عن النخبة الفاسدة التي هي مصدر السلطة، ومن ثم عندما يسقط من يملك السلطة يبقى مصدر السلطة قائماً.

    وهنا يختلف سيناريو ما بعد سقوط رأس النظام من ثورة إلى أخرى، ويمكن ملاحظة 3 اتجاهات رئيسة:

    – يستخدم الثوار الشرعية الثورية التي تلغي تماماً أي سلطة للنخبة القديمة.

    – يكتفي الثوار بإزاحة رؤوس النخبة القديمة، بينما يبقى جسدها – المتغلغل في بنية النظام – تحت قيادة الصف الثاني.

    – يكتفي الثوار بإزاحة الديكتاتور، بينما تبقى النخبة القديمة متماسكة صلبة مسيطرة.

    في الحالة الأولى تتلاشى النخبة كمصدر للسلطة، وتعود الأمور إلى نصابها الأول، ليصبح الشعب مصدر السلطات.

    في الحالة الثانية تتمكَّن بقايا النخبة المسيطرة على مفاصل النظام من تجميع نفسها، لتتحول مع الوقت إلى مصدر جزئي للسلطة وَفق مفهوم الأمر الواقع.

    في الحالة الثالثة تبقى النخبة هي المصدر الرئيس للسلطة.

    إذن المسار الصحيح لأي ثورة لا بد أن يتركب من ثلاث مراحل لإتمام عملية التحول السياسي بصورة ناجحة:

    1 – مرحلة انهيار رؤوس النظام القديم.

    2 – المرحلة الانتقالية التي يتم فيها تطهير النظام من البقايا وإعادة بناء النظام وتطوير المجتمع.

    3 – مرحلة رسوخ النظام، وذلك عندما تكتمل عمليات التطهير، والبناء، والتغيير.

    الربيع المصري..

    عنوان المقال مقتبسٌ من التعريفات الفقهية للماء، فالماء الذي يجوز استخدامه إما أن يكون طاهراً أو طهوراً..

    فالماء الطاهر: طاهر في نفسه ليس مطهراً لغيره.

    والماء الطهور: طاهر في نفسه مطهر لغيره.

    لو أسقطنا هذا التعريف – مجازاً – على الثورات، يمكن القول إنها تنقسم إلى قسمين: ثورة طاهرة، وطهور.

    فالثورة الطاهرة: هي التي تعجز عن تطهير النظام السياسي من النخبة الفاسدة القديمة.

    الثورة الطهور: هي القادرة على تطهير النظام السياسي من النخبة الفاسدة القديمة.

    إذن، ماذا بشأن الثورة المصرية.. هل هي طاهرة أم طهور؟

    يمكن تقسيم مرحلة ما بعد ثورة يناير إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: يمتد من 11 فبراير 2011م إلى 23 يناير 2012م تاريخ عقد أول جلسة لمجلس الشعب.

    في هذه المرحلة تولى المجلس العسكري بصفة أساسية إدارة المشهد السياسي في ظل امتلاكه سلطات وصلاحيات مطلقة، وهنا اتبع العسكري السيناريو رقم 2، أي الاكتفاء بإزاحة بعض رؤوس النخبة مع الإبقاء التام على جسدها دون أي تغيير، بل يمكن القول إن هدف تمكين النخبة القديمة من مفاصل النظام كان واضحاً بشدة في قرارات العزل والتعيين الصادرة عن العسكري في تلك الفترة.

    القسم الثاني: يمتد من 23 يناير 2012م إلى 14 يونيو 2012م تاريخ حل مجلس الشعب.

    في هذه المرحلة كان متوقعاً أن يبدأ البرلمان دعم سياسة التطهير واتخاذ ما يلزم لهدم مراكز نفوذ النخبة القديمة، لكن ما حدث أن البرلمان اكتفى بإثارة هذه القضايا في بداية جلساته، ثم تراجع عن اتخاذ خطوات جدية مؤثرة، وحتى قانون العزل لرموز النظام القديم فقد صدر عن المجلس في سياق رد الفعل على إشكالات الترشح للرئاسة، ولذلك فقد صدر القانون دون إجماع حقيقي أو إحكام في صياغته، وهو ما ترتب عليه إصدار المحكمة الدستورية حكماً بعدم دستوريته.

    باءت جميع محاولات البرلمان لسحب الثقة من حكومة الجنزوري بالفشل التام.

    القسم الثالث: يمتد من 30 يونيو تاريخ تسلم الرئيس د. محمد مرسي مهام منصبه بصفة رسمية.

    لم ينقضِ على فترة الرئاسة حتى تاريخ كتابة هذا المقال إلا أيام قليلة، وهي غير كافية للحكم على مدى اتّباع الرئيس سياسات تطهير فاعلة في المرحلة القادمة، لكن المؤشرات التي رشحت عن تلك الفترة لا توحي بالاطمئنان، وعبَّر كثير من المراقبين عن قلقهم من إصرار الرئيس على استخدام خطاب المصالحة أكثر من اللازم، كذلك تكريمه في إجراء روتيني قضاة اعتبروا من رموز النظام السابق، مثل: عبد المعز إبراهيم رئيس لجنة انتخابات مجلس الشعب وعضو لجنة الانتخابات الرئاسية، وكذلك رئيسها المستشار فاروق سلطان، وهو أيضا رئيس المحكمة الدستورية، وكانت مناسبة التكريم بلوغهما سن التقاعد.

    أيضاً عبَّر الرئيس في لقاء له مع وزير الداخلية عن رفضه مصطلح «التطهير»، رغم اتفاق القوى الوطنية على أن وزارة الداخلية من أهم المؤسسات التي تفتقر إلى التطهير بالفعل، بل إن حزب الحرية والعدالة – وكان د. مرسي رئيسه – أعلن في بداية الدورة البرلمانية السابقة عن مشروع شامل لإعادة هيكلة وزارة الداخلية، لكنه لم يرَ النور.

    إذن يبقى الموقف من تفعيل سياسات التطهير غامضاً حتى الآن، خاصة في ظل الضغوط التي تمارسها النخب القديمة على الأصعدة كافة، الإعلامية والسياسية.

    التطهير عنوان المرحلة

    خلاصة ما يحدث في مصر حالياً أن هناك نخبة قديمة لا تريد أن تترك الحكم، ونخبة أخرى جديدة تسعى إلى استلام الحكم.

    يعني هو صراع بين التطهير والبقاء، هذا الصراع في حد ذاته مضمون عملية التحول السياسي التي هي في التعريف الاصطلاحي «عملية تغير بين النظم»، وهذا التغير يجب أن يشمل ثلاثة أبعاد رئيسية في النظام، هي: البُعد الثقافي، والبُعد الهيكلي، والسياسات.

    أي قصور في تنفيذ التغيّرات بأبعادها الثلاثة يعني قصوراً في التحول وبقاء النظام القديم على ما هو عليه، أو خروج نظام مشوَّه إلى العلن ممتلئ بالتناقضات، إذن هو مرة أخرى صراع بين التطهير والبقاء.

    ويمكن من خلال الملاحظة الدقيقة لأداء القوى الفلولية في الأسابيع الماضية بالتزامن مع انتخابات الرئاسة؛ تلمس 3 استراتيجيات متَّبعة لتحقيق هدف البقاء في منظومة الحكم، وهي:

    أولاً: الحرب الإعلامية الشاملة

    الجديد في هذه الحرب أنها أصبحت شاملة لكل المجالات، فهي موجهة للإخوان والسلفيين معاً، وهي تتعلق بالأداء السياسي والديني، وهي تشمل الفضائيات الخاصة والحكومية والصحف الورقية والمواقع الإخبارية، وهي من دون خطوط حمراء، فالرئيس نفسه يتعرض لأبشع الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة، مع قدرة هائلة على اختلاق الأكاذيب بدرجة غير مسبوقة، حتى في عهد مبارك، وهي كذلك شاملة من حيث تضافر جهات أمنية وإعلامية وسياسية على دعم هذه الحرب وإدارتها.

    ثانياً: اتهام الإخوان بالسعي للسيطرة على الدولة

    التناقض الواضح في المشهد هو أن الإخوان تقريباً دون صلاحيات، حتى الرئيس مرسي اضطر للاستقالة من رئاسة الحزب، بل يطالبه بعضهم بالاستقالة من عضويته أيضاً، وهو يشكو من تقلص صلاحياته كثيراً، كما أن البرلمان في حكم المنحل، ومجلس الشورى في طريقه، وقد تعهد حزب الحرية والعدالة بأنه لن يحصل على أغلبية في تشكيل الحكومة ولن يتولى رئاستها؛ ومع ذلك كله يُتهم الإخوان بالسعي إلى السيطرة أو كما يزعم بعضهم «أخونة الدولة».

    وقد تأثرت فئات كثيرة من الشعب بهذه الأكاذيب التي يلحّ عليها الإعلام بتكرار ممل، حتى أصبح الكثيرون يقرنون دون وعي بين كلمة «الإخوان» وكلمات مثل: «السيطرة»، «عودة الحزب الوطني»، «التكويش»، و«الأخونة»… إلخ.

    وهكذا أصبح الإخوان يتحركون سياسياً وكأنهم محاطون بسياج كهربائي من الجهات كافة، وهذا السياج ينكمش إلى الداخل مع مرور الوقت واشتداد الحملات الإعلامية، ومع الأسف تأثر بهذه الأفكار بعض الإسلاميين فأصبحوا يشاركون دون قصد في الترويج لها.

    ثالثاً: دعاوى استقلال المؤسسات

    هذا هو خط الدفاع الأخير للفلول، فقد بدأوا في الترويج لاستقلالية بعض المؤسسات ذات الطابع الخاص، مثل: الإعلام، القضاء، والأزهر.

    وهذه الفكرة تتماشى ظاهرياً مع مفاهيم الدولة الحديثة وتوزيع السلطة، لكنها تهدف باطنياً إلى إبقاء سيطرتهم على تلك المؤسسات بعيداً عن التطهير، ومن ثم فإن دعوة الاستقلال لا يمكن قبولها أو طرحها إلا بعد بلوغ مرحلة رسوخ النظام، وما زلنا بعيدين تماماً عن هذه المرحلة، لذلك لا مجال للحديث عن استقلال مؤسسي في ظل سيطرة الفلول.

    كيف يحدث التطهير؟

    يوجد طريقان لتنفيذ سياسة تطهير فاعلة، الطريق الأول: مباشر، سريع الأثر، لكن يصعب استخدامه على نطاق واسع.

    الطريق الثاني: بطيء نسبياً، لكن يمكن استخدامه على نطاق واسع.

    الطريق الأول: استخدام صلاحية العزل والتعيين

    وهي صلاحية مملوكة بالأساس لكل رئيس مؤسسة بدءاً من مؤسسة الرئاسة، فالرئيس يمكن أن يتخذ سلسلة قرارات عزل وتعيين يتخلص بها من أكبر عدد ممكن من رموز النظام القديم، مع استبدالهم بشخصيات وطنية مؤيدة للثورة.

    الميزة الأساسية لهذه الطريقة أنها تؤثر مباشرة بإبعاد قيادي فاسد، كما تؤثر بصورة غير مباشرة في أقرانه ممَّن تعذر استبعادهم، فيمتنعون عن ممارساتهم السابقة تخوفاً من العزل، وبذلك يتمدد نطاق تأثيرها ليشمل عدداً أكبر من الخاضعين للعزل.

    لكن يعيب هذه الطريقة العجز عن استخدامها ضد عدد كبير من القياديين، وذلك عندما تكون النخبة ممتدة ومتجذرة في بنية النظام، كما قد ينتج عنها ردود أفعال احتجاجية تتسبَّب في تعطل عمل المؤسسة وإثارة الرأي العام.

    الطريق الثاني: إعادة هيكلة مؤسسات الدولة

    التغيير الهيكلي يقصد به تنفيذ عملية إعادة تصميم وترتيب مؤسسات الدولة والعلاقات بينها، ونطاق صلاحياتها، وآلية اتخاذ القرارات، وكيفية تفويض السلطة داخل المؤسسة، ومستوى المركزية واللامركزية في اتخاذ القرار؛ على أن يتم كل ذلك بما يتوافق مع الرؤية الجديدة ويتضاد تماماً مع الرؤية السابقة التي تقوم على النزعة الشمولية وتحور مؤسسات الدولة لخدمة شخص الحاكم أو النخبة المحيطة به.

    هذا التغيير المؤسسي لا بد أن يشمل ثلاثة أنواع من المؤسسات: مؤسسات مستمرة من النظام القديم، ومؤسسات مستحدثة بالكامل، ومؤسسات معدَّلة.

    المؤسسات القديمة عادة ما تكون تلك المرتبطة بالإدارة اليومية لشؤون الدولة، وإن تغيَّرت بعض المضامين أو الأسماء المرتبطة بفلسفة عملها القديمة، مثل المؤسسة التعليمية.

    أما المؤسسات المعدَّلة، فهي مؤسسات موروثة من النظام القديم لكن تتعرض لتعديلات، إما من حيث الوظائف المنوطة بها أو حدودها، وإما من حيث عضويتها أو من حيث انتشارها، مثل مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، وهذه التعديلات من شأنها أن تقلص قدرة الفلول على التحكم والسيطرة، وتسمح للنظام الجديد بفرض إرادته.

    وهناك مؤسسات مستحدثة بالكامل، وهي التي ينشئها النظام الجديد بغرض تثبيت دعائم حكمه ونشر فلسفته التي يفترض أنها تدعم عملية التحول، مثل إنشاء هيئة لمكافحة الفساد.

    كما يمكن للنظام الجديد أن ينشئ مؤسسات موازية لمؤسسات قائمة، لكنها خارجة عن نطاق التطهير، مثل: إنشاء مؤسسة للرقابة الإدارية موازية للمؤسسات القديمة، أو مؤسسات صحفية جديدة تتبنى فكر النظام الجديد وتعادل تلك المؤسسات المستعصية على التغيير.

    من المعتاد في حالتي «المؤسسات القديمة، والمعدَّلة» أن تكون هناك صعوبات كثيرة في طريق التغيير، فمنظومة القيم التي تطرحها الثورة الباعثة على التحول تتعارض أو تتناقض جزئياً أو كلياً مع القيم وأساليب العمل التي تبنّاها النظام القديم، ومع احتمال تعرض قيادات هذه المؤسسات للملاحقة القضائية بسبب الفساد، فإن أداءهم يتسم عادة بالسعي لعرقلة عملية التحول، كما أنه في كثير من الأحيان تكون قدراتهم الثقافية والتعليمية ذات مستوى متواضع نتيجة عدم اعتماد النظام السابق مبدأ الكفاءة في اختيار شاغلي المناصب العليا في الدولة.

    الخلاصة..

    يمكن القول إن المكاسب السياسية التي تتحقق إثر النجاح الأولي للثورة، هي مكاسب معلقة، مؤقتة، لا يمكن لها أن تصبح ثابتة وراسخة إلا بعد إتمام عملية التطهير، فإذا تعرقل التطهير، أو تأخر، فإن الثورة تعود إلى الخلف، والمكاسب تتآكل، وتعود القوى الثورية إلى المربع الأول..

    لا يوجد حل وسط هنا، فهو صراع على القوة بين نظامين، قديم وجديد، والنظام الجديد يبدو الإسلاميون في قمته، وهذا يعني توفر أسباب إضافية لإبعاد الثورة وتقليص مكاسبها، وهذا يعني كذلك أنه لا بديل أمام الإسلاميين عن اتباع سياسة تطهير فاعلة للنخبة القديمة..

    إنه صراع صفري بامتياز، وفي هذا النوع من الصراعات لا يصلح الاستغراق في مواقف ملتبسة وقرارات غامضة، كما لا يصلح تشتيت الرأي العام بتصريحات وأقوال تخلط بين العدو والصديق، بين الخصم والرفيق..

    يجب أن يتحوّل الربيع المصري من كونه طاهراً في نفسه، إلى مطهر لغيره من بقايا النظام السابق.

    :: مجلة البيان العدد 301 رمضان 1433هـ، أغسطس 2012م.

    التعليقات

    أحمد

    08/09/33 03:44:51 م

    يجب أن يتحوّل الربيع المصري من كونه طاهراً في نفسه، إلى مطهر لغيره من بقايا النظام السابق.

    2

    عائض بن ناهض

  4. لافض فوق أخي الكاتب، وجزيت خيراً. قليلاً من يفكر بهذه النوعية الشامخة. وتمنيت ولله لو جعلت هذالمقال ورقة مفتوحة أوفيتها للكوادر المتشابكة وبالأخص الدكتور علي باشي الدي يبدو هو المتردد بين الاقدام والأحجام عسي أن يتعقل . اللهم اهد الاخوة.

  5. ارحب بتحقيق حل وسطي يرضي أطياف التيار الاخواني في الصومالي ككل وليس فئة بعينها، واقول إن حركة الاصلاح وجدت فرصة ثمينة غير مستغلة وارجو الا تفقد اليوم مثل هذه الفرصة التي يدعى فيها كل التيارات الاخوانية في البلد المحلية منها والدولية من أجل انقاذ الفكر الوسطي في الصومال وايجاد الشعب الصومالي المسلم الذي لا تنقذه اليوم الا الانتهاج بالوسطية.

  6. احترامى لكا تب المقال غير اني لا اتوع انهم قادرون لحل مشاكلهم لأن إختلافهم ليس إختلاف في الرؤية و المنهج وإنما اختلاف مصالح والمصلحة الشخصية ربما لا توافق مصلحة غيره، ليس لديهم هدف او غاية نبيلة يزهدون من دونها مصالحهم بل كل غاية وان كانت الدعوة الى الله مقدم الي مصلحتهم الشخصية، اما الشخصيات التى ذكرت إسمهم اليسوا هم الذين اوصلوا الحركتة الى هذه الدجة عندما فصلو معظم افرد الحركة من بينها ابرز قيادات والمأسسين أليس هذا يعتبر انتحارا او بعبارة اخرى انحلال الحركة والقضاء عليها اما اختلافهم في هذه المرة انما هو نتيجة عماجرى من قبل كما انها تكشف النقاب عن شخصية نور غريرى وقديما قالت العرب اذا إختلف اللصان فبانت السرقة

%d مدونون معجبون بهذه: