أخبار التراجم وسير الأعلام في التراث الإسلامي والصومالي (8)

وإذا نظرنا إلى الإنتاج العلمي والثقافي، الذي خلفه أهل “الصومال”، يتضح لنا بأنّ الأقلام الصومالية كان لها حظٌ في كتابة المناقب والتراجم التي نحن بصدد الحديث عنها، إذ أن فنّ الترجمة وكتابة السيرة لشخصيات لها وجاهتها عبر العصور المختلفة ـ عموماً ـ، كان أمراً معروفاً عند المسلمين في العالم الإسلامي، غير أنه ينبغي أن نعرف بأن أغلب تلك الأقلام في بلاد “الصومال”، انطلقت من منظور فكري عقدي، حيث أن جلّ الكتب وضعها علماء التصوف، الذين ترجموا لبعض مشائخهم وذكروا مناقبهم،كما أن بعضًا منها قد وضعها أشخاصٌ، كانوا ينتمون إلى تلك المدارس الفكرية والثقافية.

ومن هذه الكتب كتاب:(جلاء العينين في مناقب الشيخين) وهو كتاب وضعه الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ بن عمر العلي الأبغالي الورشيخي، وتناول تاريخ شيخين كريمين، وذكر فضلهما ومناقبهما، وهما الشيخ حاج أويس القادريّ،والشيخ عبدالرحمن الزيلعي- رحمهم الله جميعا-، وينبغى أن نعرف أن ّالشيخ عبدالرحمن بن عمر العلي الورشيخي جمع في هذا الكتاب رسالتين هما: ( أنس الأنيس في مناقب الشيخ أويس) وكتاب:(راحة القلب المتولع في مناقب الشيخ عبدالرحمن بن أحمد الزيلعي) والكتاب الأول ألفه الشيخ “قاسم بن محيي الدين البراوي”، ويقع في 58 صفحة، ويدور حول ذكر مناقب الشيخ” أويس بن محمد القادري الصومالي”. أمّا الكتاب الثاني فيطلق عليه: (راحة القلب المتولع في مناقب الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الزيلعيّ) وكتبه الشيخ “عبدالرحمن بن عمر” ثم جمع بين الكتابين وأطلق عليهما اسم: (جلاء العينين في مناقب الشيخين) والكتاب الأخير يتناول فقط مناقب الشيخ “عبدالرحمن الزيلعي”، وزيّنته بعض القصائد والنظم، يجلي فيها بعض كرامات الشيخ وتوسلاته.والكتاب يقع في 102 صفحة. ولماّ تم ذلك للمؤلف اختار إسماً يجمع الكتابين فكان (جلاء العينين في مناقب الشيخين).

ومن الكتب التي تناولت تراجم ومناقب العلماء كتاب: (تذكرة أهل اليقين في مناقب الشيخ محي الدين) وألف هذا الكتاب الشيخ “علي بن مومن الشافعي الصومالي”، وتحدث فيه عن مناقب الشيخ “محيي الدين بن الشيخ محمود” وبعض آثاره، ورتب كتابه هذا على مقدمة وبابين وخاتمة، وعموماً فالكتاب يتناول في البداية ترجمة مفصلة عن الشيخ، نسبه وأولاده وآثاره، ثم عمد المؤلف إلى ذكر بعض مناقب الشيخ “محي الدين” وكراماته، واختتم كتابه بسرد بعض قصائد ومنظومات في مدح الشيخ، كانت لبعض محبيه ومريديه. والكتاب لا يخلو من شطحات وخرافات يصعب تصديقها، ومع هذا فإن هذا الكتاب مشتمل على قدر كبير من المنفعة التاريخية وخاصة من حيث الترجمة للشيخ محي الدين، وأولاده، و تفصيلٍ للعصر الذي عاش فيه، وكذلك أحواله ومحيطه الديني[1].

ومن الكتب التي تناولت الترجمة وذكر المناقب كتاب: (سر الأسرار في مناقب الشيخ نور حسين) والكتاب رغم صغر حجمه حوى ترجمة وافية لحياة الشيخ “نور حسين بن معلم” وهو أحد علماء الصومال الذين، عاشوا في جنوب البلاد، وفي الكتاب ذكر لأخبار الشيخ من ولادته ونشأته ورحلاته العلميه، و على الرغم من أن هذا الكتاب يحوي بعض الخرافات ومايخالف عقيدة أهل الاسلام، فالكتاب مصدر للتاريخ الصومالي. في حين أن واضع هذا الكتاب لم يبيّن اسمه، إلاّ أن الظاهر أنّ المؤلف كان من ضمن طلبة الشيخ ومريديه ومحبيه، حيث كان ملازمًا للشيخ في أغلب الأوقات، في حله وترحاله، ليكون بتلك الإحاطة بحاله، أو أن يكون قد أخذ معلوماته من مصدر عالٍ، والكتاب يقع في 43 صفحة[2].

وقد وضع فضيلة الشيخ “أحمد بن عثمان الشاشي المقدشي” المشهور بـ”أحمد منير” رسالة ترجم فيها لشيخه وخاله الشيخ “محمد أحمد محمود” المشهور “بشيخ أبا” وسمّاها : “كشف السر المخبأ في ترجمة الشيخ أبا”. الجدير الذكر بأنني طلبتٌ من فضيلته – أي الشيخ أبا – أن يمليني ترجمته، وكان ذلك في منتصف التسعينات في القرن المنصرم، غير أن الشيخ أشار عليَّ بالاتصال بالشيخ أحمد وقال: “سوف تجد بغيتك عند الشيخ أحمد إن شاء الله” واعتذر أن يمليني ترجمته متعللاً بقول ربنا : [ ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى..]. وتلبية لمطلب شيخه – رحمه الله – وضع الشيخ “أحمد بن عثمان” هذه الرسالة المفيدة، علماً أن الشيخ أحمد،كان يرافق شيخه في حلّه وترحاله.

أما راوي التاريخ الصومال وأدبه الشيخ “جامع عمر عيسى” – حفظه الله – فقد وضع عدداً من المؤلفات لها علاقة بمجال الترجمة وسير الأعلام مثل: كتاب ترجم فيه لزعماء الحركة السياسية في الصومال، الذين أسسوا حزب وحدة الشباب الصومالي، وعددهم 13 شخصا، وسماه: “زعماء الحركة السياسية في الصومال”. وله أيضاً كتاب آخر تحدث فيه عن تاريخ السيد “محمد عبد الله حسن” وحركته التحررية. وللشيخ جامع رسالة صغيرة اقتصر فيها على ترجمة للجنرال “داود عبدالله حرسي”.

واستطاع الأخ “ياسين عبده سعيد القرطاوي” جمع بعض تراجم الأعلام الصومالية – وجلها علماء – في رسالة سماها:”ذخائر النخبة من تراجم علماء شرق إفريقية” وطبعت هذه الرسالة بصنعاء في اليمن.

كما ألف الأخ المجتهد الشيخ “حسن خيرة درر” كتابا سماه:”النجوم السّاطعة في تراجم العلماء الزّيالعة”. وقد قرأت الكتاب مخطوطا غير مطبوع في “هرجيسا” عام 2009م، واستطاع المؤلف جرد مادته العلمية من المصادر التاريخية القديمة التي لها صلة بالموضوع ولا أدري هل تمّت له بطباعة الكتاب أم لا.

ووضع الشيخ “عثمان بن عمر بن شيخ داود” المشهور بشيخ “عثمان حدغ” رسالة يترجم فيها لجده وهي رسالته: “الأمام الشيخ داوود علسو وجهوده في نشر العلم والدعوة إلى الله”.

ومن بين هذه الكتب كتاب “الغيث الهطال في تاريخ الصومال” للفقيه العلامة المؤرخ الفلكي الطبيب الشيخ “محمد بن أحمد محمود الشاشي المقدشي الصومالي” المعروف (بشيخ أبا)، ورغم أن هذا الكتاب لم أطلع عليه حتى الآن، إلا أن الشيخ ـ رحمه الله ـ أخبرني به قبل وفاته وفي عام 1995م، بأنه على وشك الانتهاء منه، ويحوى تراجم أغلب علماء الصومال وأعيانهم لاسيما طبقات الفقهاء وأهل التصوف، ويمتاز هذا الكتاب بأن مؤلفه نهج إلى وضع تراجم كل مائة سنة كطبقة خاصة، أي طبقة لكل قرن. وإذا ظهر هذا الكتاب إلى حيز الوجود فلا شك أنه سيكون مرجعًا مهمًا للباحثين في تاريخ “الصومال”، خصوصًا فيما يتعلق بالحياة العلمية و الثقافية.
وفي كتاب (الثقافة العربية وروّادها في الصومال) لمحمد حسين معلم نجد عددا كبيرا من تراجم علماء الصومال في العصور الوسطى حتى القرن 12 الهجري..

ويُعدٌّ كتاب” نيل الآمال في تراجم أعلام الصومال” للأخ “أنور أحمد ميو” من أحدث كتب التراجم وسير الأعلام، وقد تمّ طباعته قبل أيام قليلة. ويمتاز هذا الكتاب بأن الكاتب لم يحصر عمله على فئة معينة وكذا جنس معين، بل شمل عمله الذكور والإناث، و ضمّ أغلب شرائح المجتمع الصومالي من العلماء والساسة والمثقفين والعسكريين والفنانين والرياضيين وغير ذلك.

وكم كنت أتمنى أن يشمل هذا الإنجاز الثقافي لهؤلاء الأعلام الكرام من سلاطين سلطنة الجلدي وكذا المواهب الأفذاذ في منطقة ما بين النهرين كالشيخ “عبد الله البغدي” والأستاذ “عثمان محمد حسين”، والدبلوماسي الدكتور “عمر”، ومعالي “عبدي موسى ميو”، و الشيخ “قاسم البراوي”، والشيخ “علي ميي البكري”، والشيخ “عثمان المركي”، والشيخ “حسن برسني”، وفخامة الشيخ “مختار محمد حسين” ومعالي “شريف صالح محمد علي”، و”شريف محمود عبد الرحمن”، والدكتور “محمد حاج مختار” والشيخ “إبراهيم حاش محمود”،و”مصطفى حاج حسن” وغيرهم من الأعلام.ولعل أستاذ أنور زهد عن ذلك حتى لا يظن بأنه ينحاز إلى منطقته وإلى بني عمومته رغم أنها غنية بالمواهب والشخصيات المرموقة، وكيف لا، ومنطقة ما بين النهرين كانت – وما تزال – تتمتع بحضارة متميزة عريقة، بحيث أنها استقطبت عناصر مختلفة وألوان ثقافات متعددة، أو أن المؤلف لعله شعر بأهمية الموضوع وأراد أن يشمّر ساعده ليفرد كتابا آخر.

أَخْذ فنّ التراجم بعْداً آخر:

أَخَذَ فنّ التراجم مستوىً آخر حتى تجاوز حدود المنطقة، وذلك عندما استطاع البعض الترجمة لبعض الأعلام غير الصوماليين، مما يدل على اهتمامهم وولوعهم هذا الفنّ، كما فعل الشيخ “عثمان بن عمر شيخ داود حدغ” حيث ترجم لكل من شيخ الإسلام “أحمد إبن حجر الهيثمي” في كتاب، وللسيد “أحمد بن إدريس” في كتيب سماه: (أنيس الجليس في ترجمة سيدي أحمد بن إدريس). كما أنجز “محمد حسين معلم “كتاباً تتبع فيه حياة العلامة الفقيه “أحمد بن عبد ربه الأندلسي” صاحب كتاب (العقد الفريد)، مما يدل على أن حركة التراجم وأخبار الأعلام، لم تقتصر فقط على أعلام من أهل المنطقة، إنّما أخذت بٌعدا علميا وحضاريا آخر.

ومن المعروف أنّ عدداً من الباحثين قاموا بترجمة أعلام بسبب ظروف البحث العلمي، لأن أي باحث يقوم في عملية التحقيق والتخريج يضطر إلى الترجمة لأصحاب الكتب والتراث المعني بها.

وللحديث بقية وتحياتي وأشواقي إليكم.

---------------- هوامش -----------------------
  1. طبع هذا الكتاب بمطبعة مصطفي البابي الحلبي، بالقاهرة في 22 ذي الحجة سنة 1407هـ، الموافق 22 يولية سنة 1987م. []
  2. رغم أنّ هذا الكتاب لم يتضح اسم مؤلفه وتاريخ طبعه وكذلك المطبعة، إلا أنّني علمت أنه طبع بمطابع حكومة بمقدشو في الصومال . []
%d مدونون معجبون بهذه: