مفارقات الاجتياح الإثيوبي في الصومال .. بين الأمس واليوم

القوات الأثيوبية في مدينة بيدوة ترفع العلم الإثيوبي

مرّ أكثر من عقدين من الزمن، والأزمة الصومالية لاتزال تحل ضيفاَ ثقيلاَ على عدد من عواصم الدول الإقليمية والعربية والغربية ضمن مبادرات لحل الأزمة، آخرها المؤتمر البريطاني بشأن الصومال، وفي ظل استمرار الجهود الدولية السياسية والإغاثية تجاه المنطقة، لاتنفك الادارة الاثيوبية تمارس توغلاتها العسكرية في الشأن الداخلي، وخاصة تلك المدن والأقاليم المحاذية للشريط الحدودي بين البلدين، تحت تبريرات تتعلق بقضايا الأمن القومي الاثيوبي ومحاربة مايسمى بـ”الإرهاب” وقطع أوصال العلاقات بين حركات التحرر في الصومال الغربي.

ففي مطلع يناير الماضي احتلت القوات الاثيوبية ترافقها وحدات من مليشيات قبلية قيل إنها تمثل قوات صومالية مدينة “بلدوينى”ـ المدينة الاستراتيجية في الإقليم الأوسط من البلادـ وخاضت حرباً شرسة مع عناصر من حركة الشباب، الذين لم يصمدوا سوى بضع ساعات أمام الآلة العسكرية الاثيوبية، وفرض الاحتلال الاثيوبي حظر تجوال دام لأسابيع عدة على المدينة، وقتل من قتل وزج بعشرات من الشباب الصوماليين في السجون بتهم التورط في تنفيذ تفجيرات و الانتماء لـ”الشباب المجاهدين”.

ومع اشتداد الوضع العسكري بين حركة الشباب والحكومة الانتقالية استنجدت الاخيرة بالقوات الاثيوبية التى كانت توّاقة إلى فرض سيطرتها على بقية المدن الصومالية التى تقع على الخط الفاصل الحدودي بين البلدين، فتوغلت قوات اثيوبية في الـ 22 من فبراير الماضي مدينة بيدوا (عاصمة إقليم باي)، وحلت محل حركة الشباب دون معارك عسكرية.

لكن الاحتلال الاثيوبي يواصل زحفه العسكري تجاه المدن الجنوبية التى تقع تحت سيطرة حركة الشباب، وخاصة مدينة “حُدر” في اقليم بكول، ومدينة جربهاري في إقليم “جدو”، وفي حال سقوط تلك المدن في يد القوات الاثيوبية، فإن نفوذ حركة الشباب سينحصر فقط في مدينة “كسمايو” في اقليم “جوبا السفلى”، والتى هي على شفا الوقوع في القبضة الاثيوبية أو الكينية في الأشهر المقبلة.

ما أشبه الليلة بالبارحة

“ما أشبه الليلة بالبارحة” مثلٌ تتداوله الألسنة حول إشكاليات التدخل العسكري الاثيوبي في الصومال بين عام 2006م لازاحة المحاكم الإسلامية بقيادة شريف أحمد من المشهد السياسي في البلاد، و في الوضع الراهن الذي وصل فيه زعيم تلك المحاكم التى كانت تقف في وجه السياسة الاثيوبية بقيادة الرجل نفسه إلى سدة الحكم، فهل الرؤية الصومالية وعلى الأخص قيادة الحكومة الانتقالية تغيرت بشأن التدخلات العسكرية الاثيوبية؟ أم أن السياسة الاثيوبية تجاه القرن الأفريقي خرجت من بوتقة النار والحديد التى تمارسها بحق أهل الصومال في الجنوب والغرب.

اللافت للنظر أن الوجود الاثيوبي في البلاد خلال حكومة عبدالله يوسف مابين عام 2004 ـ 2009، جوبه بشعارات وطنية تحمل رايات الحرية والنضال ضد اثيوبيا والخيانة واللعنة هي اللغة الوحيدة التى استخدمها المناوئون لحكومة يوسف والذين وصلوا إلى الحكم بعد ذلك بفضل هذه الرايات، كما أنها كانت بريقاً لامعاً لاستجلاب واستمالة الشعب الصومالي فضلاً عن إلهام مشاعره ودفعه إلى ساحات الوغى لخوض حروب التحرير ضد القوات الاثيوبية. لكن تلك اللغة تجاه الوجود الاثيوبي لا تلقى نفس الرواج حالياً بل ليس لها محل من الإعراب في المشهد السياسي في البلاد ما عدا لغة “حركة الشباب المجاهدين”، فالحكومة الصومالية تضع القوات الاثيوبية في خانة الاشقاء، وترى معارضيها خصماً لدوداً لن يتعقل إلا بلغة الرصاص وحدها، وتقول إن أنصارها قدموا من دول أوربية وعربية أخرى، وهي نفس التهم التي كانت توصم بها المقاومة التي واجهت إثيوبيا من قبل حكومة عبدالله يوسف في محاولاتها لاخماد ثورة الشعب الصومالي ضد الاحتلال الأثيوبي… إذا فما الفرق بين الحكومتين ياترى؟، وأيهما سقط في فخ أثيوبياً عسكرياً وسياسياً؟!.

الخطاب السياسي الذي تتبناه الحكومة الانتقالية حالياً في استجداء القوات الاثيوبية يصيب العاقل بالذهول، فبالأمس القريب كانت تنادي وتسعى لتحرير كامل التراب الصومالي من براثن الاحتلال الإثيوبي، واليوم تستنجد وتلهث وراء أديس ابابا في حربها ضد حركة الشباب! حقا، “عش رجبا تر ى عجبا”.

أسباب الاستجداء

الحكومة الانتقالية تواجه قوة عسكرية غير هينة من قبل حركة الشباب، وفي سبيل التغلب عليها تتعاون مع القوات الأفريقية في حربهاً ضد “الشباب المجاهدين” في مقديشو، حيث المواجهات الأخيرة تدور في تخوم المدينة بين القوات الأفريقية والصومالية من جهة ومقاتلي الشباب من جهة ثانية، بعد أن استطاعت الحكومة طرد الشباب بشكل شبه نهائى من العاصمة.

أما خارج مقديشو فالقوات الاثيوبية هي الأعين التى تبصر بها القوات الحكومية والأيدي التى تتحرك بها، حيث القوات الأثيوبية مزودة بأعتى آلات الحرب العسكرية التى تجعل الحرب غير متكافئة، وتجبر الظرف الآخر على الانسحاب تكتيكياً أو عشوائياً من ساحات القتال.

إذاً، يمكننا حصر أسباب الاستعانة الحكومية بالقوات الاثيوبية في المحاور الآتية:

  • الضعف العسكري الحكومي الذي تعانيه في الترسانة الحربية، حيث الحكومة الانتقالية غير قادرة على دفع تكاليف باهظة في المجال العسكري، مما يدفعها بين الحين والآخر إلى مطالبة الأمم المتحدة برفع الحظر عن الأسلحة للصومال.
  • عدم قدرة القوات الأفريقية على توسيع رقعة نطاقها العسكري خارج مقديشو، مما يجعل حركة الشباب قادرة على ترتيب صفوفهاً من جديد.
  • القوات الصومالية لاترغب في أن تواجه عسكرياً بشكل مباشر دون الاستعانة بقوات دول الجوار الإقليمي لقوة حركة الشباب.
  • غياب جيش صومالي قوى متماسك يتمتع بالانضباط وتجيد استخدام تقتنيات الحرب وأنماط الأسلحة، مما لايخرج الحكومة الانتقالية من نفق الأزمة العسكرية التى تواجهها حالياً.

عملية مؤقتة

وعلى الرغم من التدخل العسكري الإثيوبي الذي أصبح جاثماً على صدور الصوماليين، إلا أن ادارة أديس أبابا تقول إن وجودها العسكري في الصومال لن يطول ولن يستغرق سوى أيام أو أسابيع لحسم الحرب التى تندلع في الأقاليم الجنوبية، ولتأمين حدودها من تسلل الإسلاميين الموصوفين بـ”الإرهاب”، لمنع حدوث تفجيرات أو أعمال إرهابية أخرى.

وأكد ميلس زيناوي رئيس الوزراء الاثيوبي أن مهمة القوات الاثيوبية في الصومال مؤقتة، وأن تلك القوات ستنسحب من المدن الصومالية التى تسيطر عليها حالياً، في حال وصول القوات الأفريقية المقرر إرسالها إلى تلك المدن الصومالية، غير أنه لايستبعد إمكانية بقاء قواته في الصومال في حال عدم وصول تلك القوات الأفريقية.
وأوضح أن الغاية الرئيسية للقوات الأفريقية هي الحفاظ على الأمن والتوسع إلى المناطق الصومالية الأخرى، مشيراً إلى أن القوات الأفريقية غير قادرة على تجاوز ضواحي مقديشو، فإذا أراد المجتمع الدولي تحقيق انتصار عسكري في وجه حركة الشباب ينبغي عليه تفويض قواتنا البقاء داخل الصومال وتوجيه التمويل إلينا… مايعكس الرغبة الاثيوبية على البقاء ولكن على حساب الآخرين داخل الصومال.

وكما يرى مراقبون فإن القوات الأفريقية لن تجر أقدامها إلى حرب عسكرية أخرى خارج مقديشو، نظراً لقوتها العسكرية التى لاتصل إلى مستوى القوة العسكرية الاثيوبية، إلى جانب عدم رغبتها في النزول إلى الأراضي الصومالية التى لاتجيد تضاريس سهولها وهضابها، على عكس القوات الاثيوبية التى كانت تتوغل طيلة عشرين عاماً في المدن الصومالية وخاصة الجنوبية، والحال هذا، يتيح للقوات الاثيوبية فرصة التواجد عسكرياً في تلك المدن التى تئن تحت وطأة الاحتلال الاثيوبي مدة أطول.

وعلى الجانب الآخر، فإن حركة الشباب تستخدم تكتيكاتها العسكرية في سبيل استعادة المدن التى انتزعتها الآلة الاثيوبية من يدها، فتارة تنّفذ تفجيرات بواسطة سيارات مفخخة تستهدف مراكز وجود القوات الاثيوبية والصومالية، وتارة أخرى تستهدف الشخصيات التى تتهم بتعاملها مع تلك القوات، أو شن هجمات متقطعة على معاقل القوات الصومالية ودورياتها، وهي الأساليب العسكرية نفسها التى لجأت إليها المقاومة الصومالية في دحر نفوذ القوات الصومالية إبان حكومة عبدالله يوسف.

ورقة رابحة

الوجود الاثيوبي في الصومال يشكل ورقة رابحة للادارة الاثيوبية، التى تلوحه بها للدول الأوربية من أجل الحصول على دعم لوجيستي ومادي مقابل إنهاء وجود حركة الشباب، كما أنه يمثل ورقة ضغط عسكرية تستخدمها اثيوبيا في وجه الحكومة الانتقالية بقيادة شريف أحمد، فخطر وجود حركة الشباب يهدد بقاء الحكومة الانتقالية، فلتبديد هذا الخطر الذي يداهمها تدفع الحكومة ثمناً غالياً مقابل الغزو العسكري الاثيوبي في الصومال.

كما أن القيادة الصومالية لاترى في الغزو الاثيوبي خطرا يعرقل وجودها الشكلي في المشهد السياسي، بقدر ماتعتقد أن “الشباب المجاهدين” تشكل حجر عثرة على مستقبلها. وفضلاً عن كل هذا لاتزال الحكومة تنادي وتجاهد لتحرير جنوب البلاد من جماعة الشباب سواء بأيديها أو بأيدي الآخرين.

وقال ميلس زيناوي إن مؤتمر لندن تزامن في ظل انتصار القوات الاثيوبية على حركة الشباب، وفي وقت باتت قواته تسيطر على مدينتي “بيدوا” و”بلدوينى” وخرجتا من يد حركة الشباب، مشيراً إلى أن التأييد الذي يكنه الشعب الصومالي لحركة الشباب قد حل محله استعداء شعبي لها.

كما أن الادارة الاثيوبية تلفت انتباه القوى الاقليمية والدولية بأن تدخلها في الأمس القريب كان نابعاً من قلقها من تنامي التشدد الإسلامي في القرن الأفريقي، وهو نفسه التهديد المستمر في الوضع الراهن، وهو بمثابة تلميعٍ واضح لاجتياحها العسكري إبان فترة المحاكم الإسلامية. وبينما هو في الحالتين لايستند إلى شرعية دولية إلا أنه قوبل في السابق بنظرة استنكارية بينما تحظى اليوم بدعم إقليمي ودولي حول تدخلها العسكري في الشأن الصومالي الداخلي.

إذا، لا يوجد فرق جوهري في التوغل الاثيوبي بين الأمس واليوم ويبقى أنه من المسببات الرئيسة في الأزمة الصومالية، كما أن النزاع الجغرافي بين الصومال واثيوبيا الذي يتمثل في الصومال الغربي من أسباب جذور الأزمة الراهنة.. ووحدها التوغلات الاثيوبية في الشأن الصومالي تطغى على المشهد وتترجم عن السياسة الاثيوبية تجاه القرن الأفريقي.

%d مدونون معجبون بهذه: