أخبار التراجم وسير الأعلام في التراث الإسلامي والصومالي (7)

اشتهر تاريخنا الإسلامي بأناس ترجموا لأنفسهم – كما أشرنا فيما سبق – ، وهو ما يكتبه الكاتب عن نفسه سردا للأحداث التي مرت به في حياته، ويسمى هذا النوع من الترجمة : بـ(الترجمة الذاتية).

كذلك فعل الإمام “جلال الدين السيوطي” حيث ترجم لنفسه في كتابه المشهور (حسن المحاضرة)، علماً أنه ليس أول من ترجم لنفسه وإنما كان قبله لفيف من العلماء والأدباء، وفي ذلك يقول السيوطي: ( وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي)، فقلّ أن ألف أحد منهم تاريخا إلا وذكر ترجمته فيه. وممن وقع له ذلك الإمام “عبد الغفار الفارسي” في (تاريخ نيسابور)، و”ياقوت الحموي” في (معجم الأدباء)، و”لسان الدين بن الخطيب” في (تاريخ غرناطة)، و”الحافظ تقي الدين الفاسي” في (تاريخ مكة)، و”الحافظ أبو الفضل بن حجر” في (قضاة مصر)، و”أبي شامة” في (الروضتين).

غير أن أقدم ما وصل إلينا من هذا النوع من التراجم، ترجمة الشاعر اليمني “نجم الدين عمارة بن أبي الحسن علي بن محمد بن زيدان الحكمي”، المشهور “بعمارة اليمني”، إذ ترجم وكتب عن نفسه ترجمة ذاتية في كتابه ( النكت العصرية في الوزراء المصرية).

ومن بين هؤلاء أيضاً الشيخ المؤرخ “لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب” في كتابه (نفاضة الجراب في علالة الإغتراب)، والعلامة ابن خلدون في كتابه (التعريف بابن خلدون)، ورحلاته شرقا وغربا.

وهذا النوع من التراجم قد وجدت في مختلف طبقات المجتمع الإسلامي ولم تكن مقتصرة على فئة معينة ، بل بل شملت أعلامًا في شتى العلوم والميادين والفنون فكان منهم الفقهاء والأدباء والأطباء والمؤرخون والشعراء، ويكفينا أن نشير إلى طبقة الأطباء الذين قاموا بالترجمة لحياتهم دون غيرهم كالطبيب المسلم “ابن سينا” ، مما يدلنا على أنّ هذا النوع من التراجم لم يقتصر على أؤلئك الكتاب والعلماء البارزين فقط ، وإنما شمل الأطباء المسلمين أيضا.

ومن المعاصرين الذين حدوا حدو الأوائل وترجموا لأنفسهم، الأديب “أحمد أمين” في كتابه (حياتي) ، وكذلك “طه حسين” في كتابه (الأيام) . و”إبراهيم عبد القادر المازني” في كتابه (قصة حياة)، و”عباس محمود العقاد” في كتابه (أنا) ، و”نجيب محفوظ” في كتابه (حياة طبيب)، و”مصطفى الديواني” في كتابه (قصة حياتي).

وهذا النوع من التراجم قد وجد في مختلف طبقات المجتمع الإسلامي ولم تكن مقتصرة على فئة معينة ، بل فكان منهم الفقهاء والأدباء والأطباء والمؤرخين.

المذكرات:

وفي الآونة الأخيرة أخذت التراجم وذكر سير الأشخاص أشكالاً أنيقةً وألقابا أخرى مغايرة لما كان من ذي قبل، وظهرت في الساحة الثقافية ما سمي بكتب المذكرات، وفي تلك المذكرات قام أصحابها بتدوين ما يتذكرون من حياتهم وأيامهم، مع ذكر الوقائع والأحداث التي عاصروها وتأثروا بها.

نماذج من المصادر والمراجع لسير الأعلام في التراث الإسلامي:

وكما هو واضح فإن هدفنا في هذا المبحث، هو أن نلقي نظرة سريعة، حول كتب التراجم والمواضيع التي ركزت عليها.

والحقيقة أن المصنفين المسلمين أخذوا طرقا متعددة في وضع تصانيف حول التراجم وسير الأعلام.

ومنهم من اعتنى بتراجم صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كمصنفات:

(الإستيعاب في معرفة الصحابة) لابن عبد البر النمري، و(الإصابة في تمييز الصحابة )لابن حجر العسقلاني.
وهناك من ركز فقط على مجموعات قليلة من الصحابة أو شخص معين مثل:

(الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الطبري) وكتاب (تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق) لعلي بن بلبان المقدسي أبو القاسم.

وكان منهم من احتفى بالجانب الفكري والعقدي بحيث ركز على تراجم الصوفية والأولياء الصالحين مثل مصنفات : (طبقات الصوفية) لأبي عبد الرحمن السلمي و (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني و(صفة الصفوة) لعبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج ، بل أنّ منهم من تناول شخصية واحدة معينة وترجم لها، معتبرا إياها علمًا من الأعلام و ولياً من أولياء الله الصالحين مثل كتاب (المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي).

ومن المصنفات ما كٌتِبَ حسب الترتيب الزمنى مثل (نظم العقيان في أعيان الأعيان) لجلال الدين السيوطي، و(الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) لابن حجر العسقلاني، و(سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) للمرادي.

ويلاحظ أنّ عناوين ومواضيع كتب التراجم وسير الأعلام، يغلب عليها طابع سجع لأن أغلب تلك المصنفات كتبت في العصر العباسي بحيث كان سمة السجع طاغية مجال التأليف عموما مثل كتب

(فرج المهوم في تاريخ علماء النجوم) لابن طاوس ، و(العبر في خبر من غبر) لشمس الدين الذهبي.
وكان منهم من وضع معاجم خاصة بسير الأعلام مثل :معاجم الشعراء والفقهاء والمفسرين و اللغويين والمحدثين والأدباء وغير ذلك، كـ(معجم الشعراء) للمرزباني.

وبعض المصنفات تناولت الأنساب مثل: (أنساب الأشراف) للبلاذري، و(نسب قريش) للمصعب الزبيري و(جمهرة أنساب العرب) لابن حزم الأندلسي، و(قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان) لأحمد بن علي القلقشندي ، غير أن بعضهم تناولوا قبيلة معنية أو مجموعة من القبائل بعينها مثل: (كتاب آل الجرباء في التاريخ والأدب) لابن عقيل الظاهري، و(تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي). كما أن بعض الكتب اتبعت طريقة مغايرة حيث التزمت حسب الطبقات كطبقات القراء ( غاية النهاية في طبقات القراء) الفقهاء (طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي، و(طبقات الشافعية )للسبكي ،والحنفية والمالكية والحنبلية مثل (كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية) للمؤلف “التقي الغزي” . وغير ذلك كـطبقات فقهاء الأمصار مثل كتاب (طبقات فقهاء اليمن) للعلامة الجعدي، و(طبقات النسابين) لبكر أبو زيد، و(طبقات المفسرين) لأحمد بن محمد الأدنروي، و(طبقات المفسرين) للسيوطي، و(طبقات الشعراء) لابن المعتز.

وبعض المصادر نهجت نحو الحديث عن الأمصار والأقطار الإسلامية ودخلت من هذا الباب في التراجم والأعلام والسير مثل الصنفات التالية: (مشاهير علماء الأمصار )لأبي حاتم البستي، بل منهم من ركز على فئة معينة من الأمصار كالقضاة والولاة والعلماء مثل (كتاب نزهة الأنظار في قضاة الأمصار) لابن الملقن ، وكتاب( جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس) للحميدي، وتاريخ (علماء الأندلس) لابن الفرضي

وهناك كتب أفردت اهتمامها لعلم رجال الحديث فقط، علما أن هذا النوع من التراجم كان في بدايات فن التراجم وسير الأعلام ، ويهتم هذا العلم بسلسلة الرجال والنساء الموصلة إلي الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى صحابته إذا كان الحديث موقوفا وما إلى ذلك. ومن هذا النوع من المصادر كتاب تاريخ أسماء الثقات ، والضعفاء والمتروكين والمجروحين كتاب (المجروحين من المحدثين) لمحمد ابن حبان. والإمام الذهبي وحده أخرج لنا عدة مصادر مثل (تذكرة الحفاظ) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ومن المصنفات أيضا :

( أسماء من يعرف بكنيته) لمحمد بن الحسين لأزدي الموصلي، و(إسعاف المبطأ برجال الموطأ) لجلال الدين السيوطي، و(الأسامي والكنى) لأحمد بن حنبل الشيباني، و(الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى)
لمعلي بن هبة الله بن أبي نصر بن ماكولا، وكتاب (الثقات) لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي و ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
ومن العجيب أننا نجد من كتب التراجم من اعتنى فقط بالوفيات ككتاب (الوافي بالوفيات) للصفدي .

وحركة التأليف والإبداع في فنّ التراجم وذكر سير الأعلام لا تتوقف بدليل استمرارية هذا العمل حتى عصرنا الحاضر، ويكفينا الإشارة إلى كتاب: (المعجم الجامع في تراجم العلماء و طلبة العلم المعاصرين) والذي أصدره أعضاء ملتقى أهل الحديث.

و(كتاب بحر الدم) يشير إلى أن هذا الفن بحر لا ليس نهاية ،ولكنه يحتاج إلى بدل الجهد والدم والعرق.

وأطلق ذلك الإسم عليه كونه يجري ولا يتوقف كما يجري الدم في عروق الإنسان والأحياء.

ومما تمتاز به كتب التراجم الأوائل أنها لم تهمل الترجمة للنساء وجمع المؤنث بحيث لا تجد كتابا يخلوا من تراجمهنّ والاعناية بسيرهن كما سبق وأوردنا في ما مر من حلقات، بل هناك مصادر خصصت لهنّ مثل:

(أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبى سفيان) لمؤلفه “العباس بن بكار الضبي”.

وقد بلغ حرص العلماء على تنقية التراجم حدًا أن عمد بعض منهم لتنقيح تلك التراجم في المصادر الأوَل مثل كتاب الأوهام الواقعة في أسماء العلماء والأعلام، وهذا النوع من المؤلفات كثير ووافر في مختلفة العصور الإسلامية .

وأما الحقلة القادمة فستكون عن أخبار التراجم وسير الأعلام في التراث الصومالي فقط ـ إن شاء الله ـ مع ذكر لمحة مختصرة حول الإنتاج الثقافي في التاريخ والحضارة لدى أهل الصومال ، وتحياتي وأشواقي إليكم.

2 تعليقان

  1. حسن حاج عبد الله حاج عثمان

    نطق القلم فطاوع يد الباحث فنفث درره وضوع بالمسك بين اسطر ففرحنا بأن بشرنا بالجليل القادم بشري سارة ومفأجاة فبورك لنا بالاخ الكاتب وها نحن نستعد أن نشبق من العيون الصافية للمعرفة من مورد عذب، فها هو وابل من المعلومات تقديمة لما سيأتي من بصيص خير أتي من خير غائب مقبل وشكرا وألي أمام يا دكتور

  2. تحية اجلال واكبار للدكتور. محمد حسين معلم اولا، واننى اذاتابع هذه السلسلة من المقالات من العيار الثقيل حول اخبارالتراجم استفدت منهاالكثير، وفعلا تعبر عن كاتبهاالموسوعى فى علم التاريخ، وفى انتظارماوعدت لنامن حلقة دسمة حول اخبار التراجم فى الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: