بين حلقات المساجد والمدارس النظامية في الصومال

من أعظم نعم الله علينا – نحن الصوماليين- أن نكون في الصفوف الأوائل في مسابقات حفظ القرآن الكريم،وفي بعض الدول ماإن ذكرت أنك من الصومال حتى يبادرك بالسؤال عن حفظك للقرآن،وكم مرة ختمتها، وهذه نعمة خصّنا الله بها من بين الأمم، حيث تربينا في أمة تقدر القرآن، فما إن بلغ الصبي مرحلة التمييز حتى يسجل في إحدى خلوات التحفيظ ، وقد جرت العادة أن يختم الطالب القرآن مرتين على الأقلّ، وبعد أن يختمها يُعطى المعلم مكافأة مالية تقديرية، مع الاعتراف على أنها ليست مقابل تعليم القرآن، فتلك مالايزعمه أحد غيرالرب جل في علاه.

وبعد ذلك يحال الطالب إلى إحدى حلقات طلب العلم الشرعي، فيحفظ مايقرر له الشيخ من مبادئ العلوم من عقيدة وفقه ونحو وصرف وتفسير وحديث ثم يرتقي في سُلَّم العلوم حتى يبلغ منها شأواً عالياً، ومنزلة رفيعة، عندها يُجِيز له الشيخ أن يؤسس لنفسه حلقة مستقلة، ولاتنقطع صلة الطالب بالعلم، حتى يوارى بالتراب.

هكذا كان الأمر قبل سيل المدارس النظامية التي أضعفت درجة العلم الشرعي، ورفعت بدورها شأن العلوم المادية، وكان الشخص يُقدر ويحترم بمقدار علمه، والإحترام مبثوث بين الأستاذ والتلميذ. أما اليوم فانقلبت الموازين، وصار العلم يطلب لأجل المال، وصار الرجل يقدر بمايحمله من شهادات دون النظر في صدق مخبرها ومضامينها،ودون النظر في أهلية حامليها بمايدَّعون من درجات عالية، فصار الجاهل المتعالم يُقدَّم على العالم النِّحرير، نظرا لمايحمله الأول من شهادات أكثرها تستحق أن توصف بـ “بشهادات زور” كمانُقِل عن المفسر الأصولي محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله أنَّ طالبا في السنة الرابعة من المرحلة الجامعية سأله عن شهادة الزور، فقال- على البديهة- : هي التي ستأخذها بعدشهر، حيث إنك في هذه المرحلة ولاتعرف شهادة الزور.

ويقول الشاعر العراقي:

أيها المصلح من أخلاقنا * أيها المصلح الداء هنـــــــــا

فتنة الناس وقينا الفتنا * باطل الحمد ومكذوب الثنا

هذه هي الحقيقة المُرَّة في أكثر بلاد العالم الإسلامي – إن لم نقل كلها- انكباب على العلوم المادية كأنها فروض أعيان، من تركها لايستحق العيش على هذه البسيطة، وفي المقابل استهانة في طلب العلوم الشرعية، حتى في درجة الواجب العيني التي كان الحقُّ أن لايُضَيِّعها أحدٌ، وأن يُلَقَّن الطلاب الصغار في المرحل الابتدائية،ترى الكبار لايعرفون أسماء بعض شعائر الدين فضلا عن معرفة حقائقها، وإن نسيت فلاأنسى تلك الواقعة التي وقعت لي يوم أن كنت في “بكين” فالتقيت بفتاة صينية قالت لي إنها مسلمة في فندق أقمت فيه مدةشهر، وكانت هي من العاملات فيه، فسألتها: ماأوّل أركان الإسلام؟ فلم تعرف، فبدأت أنطق جزءاً من الشهادة وقلت لها: كمِّلي، فقالت بلُغَتها: (وَوْ بُو دَونْغْ) بمعنى: لاأفهم ولاأعرف، فالله أعلم هل كانت كاذبة في زعمها، أم هي صادقة ولكن لغلبة الجهل لم تعرف!

والحقيقة أن هذه حالة كثيرين ممن ينتسبون إلى الإسلام لايعرفون نطق الشهادة، فضلا عن معرفة معناها – وهي التي لايقبل عمل دون تحقيقها- وهم مع ذلك إذا سُئِلواعن أمر من أمور الدين لايتورعون أن يجيبوا عنه ببساطة، كأن جبرئيل ينفث في روعهم، سبحانك اللهم سلِّم سلِّمِ.

وإنني لاأقلل شأن العلوم المادية، فلاشك أننا بحاجة إلى الطبيب المسلم، والطيار المسلم،والمهندس المسلم، والكهربائي المسلم، لكني مافائدة كل أولئك إذا لم يكن عندهم من الإسلام إلا الاسم.

نريد طبيبا يعلق القلوب بالرب، نريد صحة العقيدة قبل صحة الأجسام، لانريد مستشفى مستقلاعن المسجد، فَلَإن كان في المستشفى طب الأبدان، ففي المسجد كلّ ما يتعلق بطب القلوب والأديان، وفيه قسط لابأس به من طب الأبدان.

وأخيراً: الذي أرى أنَّه من الواجب الأكيد اليوم أن تقوم طائفة طلبة العلم في القيام بالدعوة إلى الله أكثر من ذي قبل، لماذكرته من أسباب، ولكن قبل ذلك لابد من التضلُّع بالعلوم الشرعية التي تتطلَّبها المقامات التي يواجهونها، وأيضا ينبغي التكاتف والتعاضد في سبيل نشرالدعوة فأكثر الدعاة يشتكون من قلة المعين، وهذا وإن كان شيئاً طبيعيا بالنسبة لداعية الحقِّ، أن يعاديه الأكثرون- أوالكل- كمايفهم من حديث ” يأتي النبي وليس معه أحد” وحديث ” لم يأت رجل بمثل ماجئت به إلاعودي”

ومن كلمة الإمام الجزائري عبدالحميد ابن باديس الذي نقلها عنه الشيخ عبد المالك رمضاني في مقدِّمة “مدارك النظر”

إلاأنه مع ذلك ينبغي لطلاب العلم أن يتزاوروا ويتشاوروا، ويتفقد بعضهم حال بعض، وإلافسيكون الجفاء، ثم إذا لم يرزق الله تلك الداعية بعزيمة وصبر، فسيهجر من تلك المنطقة حين أعوزته الضرورة، فالله الله في التعاون على البر والتقوى.

وبعد كتابتي هذه الكلمة رأيت كلمةً للمصلح الجزائري عبدالحميد ابن باديس بعنوان : صلاح التعليم أساس الإصلاح، فأدعوكم إلى قراءتها في موقع الشيخ محمد علي فركوس.

وإلى لقاء آخر ، ونحن نرفع راية الإصلاح معاً إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

5 تعليقات

  1. محمود مختار عمر

    جزاك الله خيرا علي هذالمقال الرائع
    ومما يؤكد ماذهبت اليه من إنكباب المسلمين علي العلوم المادية البحتة وإهمالهم للعلوم الشرعية التي تنفع في الدنيا والآخرة ماحدث لي شخصيا يوم كنت إماما في إحدي الدول العربية ولا أزال إذ جائني رجل بعد صلاة العصر وقد صلي معنا فقال لي يا فلان إنني قد أخذت القيلولة في المسجد واحتلمت ثم توضيت بعد الاستنجاء وصليت معكم فهل في ذالك شئ ؟ !
    ولقد قدرت عمر هذا الرجل مابين الثلاثين الي الخامسة والثلاثين وهو يجهل أبسط امور دينه ومما أثار استغرابي ودهشتي أن الرجل سألني هذا السؤال من باب الإطمئنان علي فعله الذي كان يراه صوابا
    واري ان تعليقي جاء متأخرا وهذا يعود الي أن بداية متابعاتي للشاهد وما ينشر فيها كانت قبل اسابيع ومعذرة

  2. جزاك الله خيرا يا أخي عمر معلم حسين وبارك فيك وكثر من أمثالك في الأمة وأرجو أن تكتب للقراء مقالات كهذه إذاكان يسمح بذلك وقتك لأننا وجدنا من يكتب مقالات لاتوجد فيها فائدة بل في بعض الأحيان تكون مسمومة ومؤذية كماأسأله أن يثبتنا وإياك والمسلمين علي الحق حتي الممات

  3. وإيّاك أخي العزيز، نحن بحاجة إلى إبداعاتكم ونصائحكم،

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزى الله -الطالب النجيب والزميل الحنوح على ماكتب وأبدع من تشجيع على العلم الشريع وعلى مانصح من تزاور بين الدعاة إلى الله -خير الجزا،
    و

%d مدونون معجبون بهذه: