عبد الرزاق حاج حسين رئيس وزراء الصومال ١٩٦٤ – ١٩٦٧م

“هذه انطباعات شخصية عن سيرة رجل لعب دورا مهما فى المسرح السياسى الصومالى فى حقبة مهمة من تاريخ الصومال الحديث، لقد ملأ الدنيا وشغل الناس، وكان شخصية خلافية بامتياز، وكان خصومه كثيرين وبلا حساب، إما بسبب تجمع المصالح الضيقة الأفق والأطماع الشخصية التى تكالبت عليه، أو بسبب عدم فهمه لأنه كان يسبق عصره. لقد مضى كالشهاب محاولا دفع مسيرة التحول نحو الدولة، لكنه اصطدم بصخرة الواقع المرير، وخبت الشعلة التى حملها فى سرعة البرق.
وإنني في هذه العجالة أحاول أن ألقى الضوء على رجل دولة حاول أن يفعل الكثير لبلده، وعانى من أجله الكثير، ولم يفهمه إلاّ قليلون.”

عبد الرزاق حاج حسين يعين رئيسا للوزراء

إثر الانتخابات البرلمانية لعام 1964 –1967، قدم السيد عبد الرشيد على شرمأركى رئيس الوزراء حينئذ استقالته طبقا للتقاليد الدستورية إلى رئيس الجمهورية آدم عبد الله عثمان، الذى كان يملك الصلاحية إما لتجديد ولايته أو لتكليف غيره بهذه المهمة. وكانت التوقعات أن الرئيس سيقوم بإعادة تعيين رئيس الوزراء السابق لتقلد هذا المنصب لأسباب متعددة من بينها شعبيته الواسعة، والضغوط التى كانت تمارسها أطراف متعددة من داخل البرلمان وخارجه ومن بين صفوف حزب وحدة الشباب الصومالي وممثلى كافة القوى السياسية والاجتماعية فى البلاد، إلاّ أن الرئيس آدم عثمان بسبب خلافات مستعصية مع عبد الرشيد لم تكن مكشوفة للعيان حينئذ، آثرأن يتجاهل كل هذه المساعى ويكلف عبد الرزاق لتأليف الوزارة على عكس كل التوقعات، ورغم الصداقة الحميمة التى كانت تربطه بعبد الرشيد.

كان عبد الرزاق خلال فترة رئاسة عبد الرشيد لمجلس الوزراء اليد اليمنى له، وقد تقلد خلالها منصبى وزير الداخلية ووزير الأشغال العامة على التولى، وقد اشتهر بالحزم وبالتمتع بروح القيادة وبامتلاك ملكة الإدارة والتوجيه وبالجرأة فى مواجهة المواقف الصعبة والتصدى للتحديات، وكان التعاون بينهما كاملا لم تشبه شائبة، إلاّ تعيينه ليشغل منصب سلفه، الأمر الذى أدى إلى القطيعة النهائية بينهما. وقد كان حتى آخرلحظة من أشد المؤيدين لإعادة تعيين عبد الرشيد رئيسا للوزراء.

ولما لم يكن هناك أي منافس لعبد الرشيد، فإنه كان لاختيار عبد الرزاق لهذه المهمة وقع الصدمة فى نفوس الجماهير، بل لم يكن عبد الرزاق نفسه يفكر فى هذا الموضوع، ولكن عندما تبين له أن قرار الرئيس آدم عبدالله فى هذا الصدد بات ولا رجعة فيه قبل التحدى، ووافق على التكليف بتأليف الوزارة.

تأثر عبد الرشيد من إزاحته من موقعه كرئيس للوزراء، وآثر العزلة والإبتعاد عن الممارسة النشطة للحياة السياسية ولو إلى حين رغم عضويته البرلمانية، حتى تتوفرله الفرصة للأخذ بالثأر. وقد فعل فعلا حين أزفت لحظة الانتخاب لرئاسة الجمهورية. وكانت له هذه المرة الغلبة.

كان عبد الرزاق يتمتع بمواهب متعددة، من بينها قدرته الهائلة على العمل المتواصل، واستيعابه السريع للتقارير المطولة عن كل شئون الحكم بدون استثناء وفى متابعة كل أعمال الوزارات المختلفة والتدقيق فى التفاصيل فى كل صغيرة وكبيرة، كما كان يجمع إلى ذلك المشاركة فى الاجتماعات المهمة للبرلمان أثناء عرض القوانين والموافقة على الموازنة العامة، علاوة على المساهمة فى اجتماعات اللجنة المركزية للحزب، ناهيك، عن تواصله التام مع الجماهير بإلقائه خطبا فى مناسبات مهمة يقوم خلالها بشرح الخطوط العامة لسياساته من على شرفة مبنى البرلمان.

وكان بليغا جدا فى خطبه التى كانت تستغرق ساعات وساعات، ولما كانت اللغة الصومالية غير مكتوبة حينئذ، ولم تكن المصطلحات الفنية قد دخلت إليها بعد، فإنه كان يقوم بصك هذه المصطلحات باللغة الصومالية مع الإشارة إلى مرادفاتها باللغات الإيطالية والإنجليزية والعربية بسبب تعدد اللغات الرسمية، التى كان يتقنها بدرجة معقولة.

ومن المناسب الإشارة إلى التشابه والانسجام والتوافق التام بين شخصيتى عبدالرزاق حاج حسين وآدم عبدالله عثمان لا فى الرؤية السياسية فحسب، وإنما فى السلوك والنشأة والممارسة السياسية وفى أدق التفاصيل.

ومن المناسب الإشارة إلى التشابه والانسجام والتوافق التام بين شخصيتى عبدالرزاق حاج حسين وآدم عبدالله عثمان لا فى الرؤية السياسية فحسب، وإنما فى السلوك والنشأة والممارسة السياسية وفى أدق التفاصيل. لقد فقدا أبويهما فى وقت مبكر، وترعرعا فى ظروف قاسية بدون ولي أمر مقتدر. لقد كانا عصاميين، وتعلما فى مدرسة الحياة بدءا بأعمال متواضعة، وبالسعى لاكتساب المعرفة بالجهد الجهيد وبالتصميم المتواصل مستفيدين من الفرص التعليمية الضئيلة المتاحة فى ذلك العهد، كما يتصفان بثقتهما المطلقة بالنفس، وبأنهما يملكان رسالة، وبقوة الإرادة، وبفوة الشخصية، وبالذكاء الحاد وبفهم مشترك للأهداف المرحلية لتلك الفترة التاريخية من حيث النضال من أجل تحقيق تطلع القومية الصومالية فى الاستقلال والوحدة والدولة والتنمية والرقي الاجتماعى والثقافى. ولذلك أستطيع أن أقول إن عهدهما الذى استمر لمدة ثلاث سنوات تميز بالمقارنة مع العهود الأخرى، (دون الانتقاص من مساهمات الآخرين ولاسيما عبد الرشيد على شرماأركى خلال توليه رئاسة الوزراء)، بفهم لمتطلبات المرحلة لبناء الدولة وإنشاء دولة القانون والمواطنة وغرس روح النزاهة ومحاربة الفساد وتوطيد قواعد المؤسسات العامة وتشييد أسس الاقتصاد الوطنى وشيوع الأمن والاستقرار والطمأنينة وازدهار مشاعر الانتماء الوطنى والثقة بالمستقبل.

ولقد بدأ عبد الرزاق حكمه بتطهيرالإدارة بإصدار قانون الكسب غير المشروع، وبإعداد كشوف لحصر ممتلكات كبار الموظفين ، وبإعداد قوائم لمن ثبت عليهم التلوث بجرائم الفساد، وأخيرا وليس آخرا، أصدر قرارا بالفصل عن العمل ستين من كبار موظفى الدرجة الأولى من الإدارة العامة ممن كانت سمعتهم السيئة تزكم الأنوف، وثبت بالأدلة من سلطات الأمن عدم جدارتهم بتولى مسئولية الوظيفة العمومية.

كان هذا القرار ثوريا بكل معنى الكلمة، فقد كان سمة النظام منذ تدشين الحكم الذاتى فى عام 1956، وربما بتشجيع من الإدارة الإيطالية لأسباب سياسية، التسيب، ووضع اليد على المال العام دون رقيب أو حسيب وفى وضح النار. وشكل المستفيدون من الفساد طبقة من أصحاب المصالح الاقتصادية والنفوذ والسطوة لايجرؤ أحد على المساس بهم، ولذلك فإن التصدى لهذه الفئة كان محفوفا بالمخاطر والأهوال بحكم علاقاتهم السرطانية بكل مراكز القوى. وقد دفع عبد الرزاق ثمنا باهظا من وراء قراره، إذ أن هذه الفئة لم تترك سانحة إلاّ وانتهزتها للانتقام منه، وعندما أتيحت لها الفرصة، انقضت عليه بكل ثقلها فى المعركة الانتخابية للولاية الثانية لرئاسة الجمهورية التى تمخضت عن انتهاء حكمه.

كان عبد الرزاق يدرك أن بناء الدولة يبدأ من وجود جهاز إدارى متعلم، ومدرب، كفؤ، نزيه ومحترف، يعمل من أجل المصلحة العامة، ولا يتأثر بتغير الحكومات والأهواء والتقلبات السياسية. ولتحقيق هذا الغرض أنشأ وبمساعدة من الأمم المتحدة “مدرسة الإدارة العامة” التى تعنى بتدريب الموظفين وإعادة تأهيلهم، وخلق كوادر جديدة.

كان عبد الرزاق يدرك أن بناء الدولة يبدأ من وجود جهاز إدارى متعلم، ومدرب، كفؤ، نزيه ومحترف، يعمل من أجل المصلحة العامة، ولا يتأثر بتغير الحكومات والأهواء والتقلبات السياسية. ولتحقيق هذا الغرض أنشأ وبمساعدة من الأمم المتحدة “مدرسة الإدارة العامة” التى تعنى بتدريب الموظفين وإعادة تأهيلهم، وخلق كوادر جديدة، وإرسالهم للخارج للحصول على مؤهلات عالية. وكان من بين أهداف هذه المدرسة تكوين بنية أساسية من الخبراء والدراسات والأبحاث تشكل أساسا للتنمية الإدارية لتلبى حاجات الدولة المستقبلية. وكانت المدرسة مدعمة بما تحتاجها من الخبراء الدوليين المتمتعين بكفاءة عالية وبمكتبة، إلاّ أن هذه المدرسة التى كان يعلق عليها الآمال العريضة فى وضع بنيان الإدارة العامة سرعان ما فقدت روحها وضلت طريقها بعد انتهاء ولاية عبدالرزاق بسبب عدم فهم من خلفه فلسفة هذه المدرسة وعدم التمتع بالإدراك النظرى والسياسى لأصول الحكم والإدارة، واصطفاء المصالح الآنية الضيقة الأفق على المصالح الاستراتيجية للبلاد، واستخدام الإدارة لتحقيق الأطماع السياسية والشخصية للحكام.

وقد أولى عبد الرزاق اهتماما واسعا بالنهوض بالاقتصاد القومى، ولاحظ أن المشروعات التنموية المتعددة، وما أكثرها الممولة من الاتحاد السوفيتى فى القطاع الزراعى والصناعى، نذكر منها على سبيل المثال مشروع “توغ جالى” الزراعى فى الشمال ومصنع السمك فى “لاسقورى” ومصنع اللحوم فى كسمايو ومصنع الألبان فى مقدشو، وغيرها من المنشآت الحيوية المنشأة بمساعدات سوفيتية لتأسيس قاعدة للاقتصاد الوطنى كانت عاطلة أو لم تكن عاملة بالكفاءة المتوقعة، الأمر الذى كان يشكل عبئا ثقيلا وخسارة كبيرة. وكلّف لجانا لدراسة الحالة. وكانت خلاصة التقارير التى قدمت إليه، أن هذه المشلريع عاطلة بسبب فقدان الكوادر الوطنية المؤهلة إداريا وفنيا ونقص في العمالة الماهرة. وعلى الفور تولّى معالجة الموضوع بنفسه، فكتب مباشرة إلى القيادة السوفيتية التى استجابت بإرسال وفد كبير يضم كل التخصصات ذات العلاقة بالمصانع موضوع البحث. وقد طرح الموضوع على الوفد السوفيتى، قائلا ” إن المساعدات والمشروعات التنموية المقدمة من الاتحاد السوفيتى عاطلة أولا تعمل بالكفاءة اللازمة ، وهذه خسارة كبيرة لنا ولكم، والسبب يعود إلى أننا لا نمتلك الكفاءات الإدارية والفنية لتشغيلها، ولذلك، أرجو منكم التكرم بمساعدتنا على تحمل مسئولية إدارة هذه المشاريع برمتها وبدون استثناء. وقد رد عليه الوفد السوفيتى ببيوقراطية “إن مساعدة الاتحاد السوفيتى التنموية للدول الصديقة تفتصر على بناء المشاريع وتركيب المعدات ولا تشمل الإدارة المباشرة لها”.

لقد عرف عبد الرزاق ببصيرته موطن الداء، وبذل جهدا مستميتا لعلاجه، لكن لم تكن فى اليد حيلة. فلم تكن للحكومة الموارد اللازمة لشراء الخبرة من الخارج ومن مصادر بديلة، كما أن الدول الرأسمالية لم تكن على استعداد لتشغيل وإنجاح مشاريع ممولة من الاتحاد السوفيتى، بل كانت الدوائر الغربية تتربص بهذه المشاريع لإفشالها، وتشن حملة شعواء من الأراجيف والإشاعات عليها وتتهمها بأنها رموز للنفوذ الشيوعى فى الصومال.

ويكتشف الإنسان مدى عبقرية عبد الرزاق إذا قارنا موقفه بموقف آخر حدث بعد ثلاث أعوام فقط من هذه الواقعة بعد قيام الانقلاب العسكري. قام النظام الجديد بتأميم المرافق العامة والشركات الإيطالية وإبعاد الخبراء الأجانب من المؤسسات المملوكة للدولة

ويكتشف الإنسان مدى عبقرية عبد الرزاق إذا قارنا موقفه بموقف آخر حدث بعد ثلاث أعوام فقط من هذه الواقعة بعد قيام الانقلاب العسكري. قام النظام الجديد بتأميم المرافق العامة والشركات الإيطالية وإبعاد الخبراء الأجانب من المؤسسات المملوكة للدولة، ومن بين تلك المؤسسات المحورية البنك المركزى ومؤسسة صناعة السكر ذات التخصصات المتعددة فى مدينة جوهر. وهى أكبر مشروع زراعى صناعى فى إفريقيا عند تشييده فى عام 1930 الذى كان الممول الأكبر لخزينة الدولة من العوائد والضرائب، حيث كانت مساهمتها فى موازنة الحكومة أكثر من 50%، علاوة على تشغيل 5000 عامل. ولم يقتصر الإجراء على التأميم فقط، بل شمل تصفية الإداريين والمهندسين والمحاسبين والفنيين الأجانب، وكل الذين على كاهلهم كان يعتمد تسيير المشروع. ولم يكن غريبا أن ينهار المشروع تماما بعد ثلاث سنوات، الذى أصبح أثرا بعد عين، وتخسر الدولة بذلك لا الإنتاج ولا الآلاف المؤلفة من اليد العاملة فحسب، ولكن الدخل الرئيسى للخزينة العامة.

والشيء بالشيء يذكر، أنه عندما علم السفير السوفيتى بأن الحكومة كانت على وشك أن تتخذ قرارا بتأميم القطاع الحديث المنتج من الاقتصاد الوطنى، قابل السفير السوفيتى الرئيس سياد برى على عجل، واستفسره عن صحة ما سمعه من أن النية مبيتة لصوملة المؤسسات المملوكة للدولة وتأميم القطاع الخاص الأجنبى. ورد عليه الرئيس بالإيجاب. ثم سأله عن السبب، فقال له الرئيس: إننا نؤمم، لأننا نؤمن بالعقيدة الاشتراكية. وهنا انتفض السفير محتجا، لا! لا!، نحن على سبيل المثال، تجاوزنا الاشتراكية، بل شيوعيون. وكل شيئ فى الاتحاد السوفيتى ملك للدولة، حتى أصغرالأشياء كالتاكسى مثلا ملك للدولة لكنكم تمرون بمرحلة تاريخية مختلفة وفى سياق من التقدم الاجتماعى مغاير. أنتم لا تملكون الكوادر المؤهلة والخبرات الفنية والعلمية لتسيير هذه المشروعات المعقدة. إن هذه المشروعات مصدر رئيسى للدخل القومى وللحكومة، فإذا أممتموها فإنكم ستخسرون المورد الوحيد للحكومة، مع العلم أن القطاعات الاقتصادية الأخرى بدائية ولا تدر دخلا للدولة. وسؤالى من سيعوضكم عما تخسرونه من دخل حيوى. نحن لا نستطيع أن نضيف سنتا واحدا على ما نقدمه لكم من مساعدات. وكفانا أننا ندعم الجيش بالسلاح والمعدات والتدريب، ونوفر لكم البترول بالمجان، علاوة على المساعدات الأخرى فى المجال الصناعي والزراعى والتعليمى. إننى أنصحك ألاّ تقدم على هذا القرار غير الحكيم. لكن الرئيس تحداه زاعما بأنه أهل لإدارة وإنجاح هذه المشروعات وقادر على تطبيق الاشتراكية.

وكنت قد سمعت هذه القصة من مجموعة زملاء يساريين، حينها، الذين كانوا على صلة حميمة برئاسة الجيش بحكم عضويتهم فى مكتب العلاقات العامة الذى كان يمارس صلاحيات الحزب قبل تأسيس الحزب الاشتراكى الصومالى.

وفى مثل هذه القرارات الطائشة التى تفتقر إلى العلم والحكمة والخبرة تكمن انهيار الدولة الصومالية التى اصبحت فيما بعد، تعتمد على الصدقات والهبات من المجتمع الدولى، بسبب انهيار الاقتصاد الوطنى.

سردت هذه القصة لأبين الفرق بين موقف عبد الرزاق المتبصر الثاقب النظر فى معالجة المشروعات الاقتصادية غير الناجحة بموقف آخر بعده رفع معاول الهدم للمشروعات الاقتصادية الناجحة، ذات الأهمية القصوى لوجود ومصير الشعب الصومالى، بحجة تطبيق الاشتراكية.

وللتاريخ أود أن أسجل أن السوفيت لم يكونوا يوما ما يقرون بأن النظام الصومالى اشتراكى، بل كانوا يعتبرون الوضع الإجتماعى رعويا ولايمت بصلة لا إلى النظام الإقطاعى أو الرأسمالى، دع عنك أن يكون اشتراكيا، وكانوا يفضلون مجاملة أن يطلقوا عليه اسم النظام الذى يسعى إلى التحول غير الرأسمالي.

وأذكر أننى كنت مرة أستمع إلى محاضرة عامة فى الجامعة الوطنية فى مقدشو، كان يلقيها بروفسورسوفيتى الذى كان يقدمه الزميل أحمد عبدى حاشى (حشرة)، وكان حينئذ مديرا عاما لوزارة الثقافة والتعليم العالى. وقد قال البروفسور بالحرف الواحد فى وصف النظام، (أمّا هذا العبث الذى تمارسونه وتطلقون عليه زورا وبهتانا بأنه نظام اشتراكى، فإنه لايمت إلى النظام الاشتراكى بصلة. إن للنظام الاشتراكى معايير وشروطا يجب توافرها لإطلاق صفة الاشتراكية عليه. ثم إن هناك مسئولية أخلاقية لاستعمال الاسم. إن ما تفعلونه يسيئ إلى صورة وسمعة الاشتراكية على النطاق العالمى، ويحرج موقفنا، إنكم تكونون قد فعلتم خيرا للإنسانية وللاشتراكية لو تجنبتم هذا التهريج والتخبط العشوائى، ونبذتم إطلاق صفة الاشتراكية على نظامكم).

كان عبد الرزاق مصنفا بأنه يميل إلى الغرب، ولا أعرف أنه زار ولو مرة الاتحاد السوفيتى أو الصين الشعبية أو أي بلد آخر اشتراكى، بل سافر إلى الغرب مرارا وتكرارا لمهمات رسمية وغير رسمية، ولم تعرف عنه ميول يسارية، ومع ذلك فإنه اتخذ قرارات حاسمة لمصلحة البلاد وإن كانت تعتبر مناوئة للغرب. على سبيل المثال: طلب الجانب الصومالى من السوفيت تغطية المكون المحلى من التمويل للمشاريع السوفيتية، وقد رحب المفاوض السوفيتى بهذا الطلب مقترحا تزويد الصومال بالبترول السوفيتى بأسعار مخفضة أقرب إلى أن تكون مجانية، لاستعمال دخله فى تمويل المشاريع السوفيتية، وكذلك لخلق موارد جديدة لموازنة الدولة ولتوفير العملة الصعبة للحاجات الضرورية. وقد أعرب عبد الرزاق عن ارتياحه لهذا العرض السوفيتى السخى. ولم يكن ذلك بالأمر الهين، فقد كانت شركة أيجيب الإيطالية تحتكر توريد البترول إلى الصومال، والاستغناء عنها يمثل ضربة وتحديا للمصالح الإيطلية، الأمر الذى أثار حفيظة وغضب إيطاليا. ويعتبر هذا القرار إجراء جريئا بكل المعايير لاعتماد الصومال على المساعدات الإيطالية الهائلة ليس أقلها تغطية العجز الميزانى. ولا يقل هذا القرار فى رمزيته ومغزاه السياسى عن صفقة الاسلحة السوفبتية التى أبرمها عبد الرشيد شرماأركى قبله، إنه يعنى الاستقلالية وإيثار المصلحة الوطنية على أي مصلحة أخرى، والحياد الإيجابى فى الصراع بين الشرق والغرب.

مساهمة عبد الرزاق فى السياسة الخارجية

وفى مجال السياسة الخارجية أولى عبد الرزاق اهتماما خاصا لتحرير الأجزاء الصومالية المحتلة، وتحرك فى كل الاتجاهات، بالمساعى الدولية وفى الؤتمرات الدولية والإقليمية ولدى الدول المعنية ذات العلاقة كفرنسا وإيثيوبيا وكينيا.

وفى مجال السياسة الخارجية أولى عبد الرزاق اهتماما خاصا لتحرير الأجزاء الصومالية المحتلة، وتحرك فى كل الاتجاهات، بالمساعى الدولية وفى الؤتمرات الدولية والإقليمية ولدى الدول المعنية ذات العلاقة كفرنسا وإيثيوبيا وكينيا. وقد استطاعت – إيثيوبيا المتحالفة مع كينيا والتى كانت تساندهما فرنسا ومن ورائهما الغرب كله، علاوة على التأييد الإفريقى بحكم رعاية إثيوبيا لمنظمة الوحدة الإفريقية التى توجد مقرها قى عاصمتها أديس أبابا، وحساسية الموضوع أمام كثير من الدول الإفريقية التى كانت تنفر من الدولة القومية بسبب التشتيت الإستعمارى لقوميات مختلفة فى كيانات دول متعددة – أن تعزل الصومال.

لكنه ركز بصفة خاصة على ساحل الصومال الفرنسى (جيبوتى حاليا) بحكم خضوعه لاستعمار أوربي تقليدى، ووجد تأييدا واسعا لدى المحافل الدولية المعنية، كما أن مساعدة مقدشو لحركة المقاومة الوطنية فيه أضعفت الموقف الفرنسى أكثر فأكثر وزادت عزلتها، نظرا لأن جيبوتى هى المستعمرة الوحيدة فى إفريقيا التى لم تتحرر بعد حتى تلك اللحظة. لقد كانت العقبة أمام هذا الإستقلال أن جيبوتى كانت قاعدة حربية مهمة للمعسكر الغربى فى صراعها مع الشرق، لاسيما وأنها تطل على باب المندب وعلى مدخل البحر الأحمر الاستراتيجيين، كما أن إيثيوبيا كانت تمارس ضغوطا كبيرة على فرنسا حتى لا تمنح جيبوتى الاستقلال بأى شكل من الأشكال ولو فى إطار التحالف مع فرنسا، نظرا لاعتماد إيثيوبيا على مينائها وعلى سكة حديدها وخوفا من الانعكاسات الإيجابية لهذا الاستقلال التى قد تشكل قوة دفع لحركة التحرر الوطنى الصومالى.

وحاولت فرنسا خلط الأوراق، بتغيير اسم البلاد وجعلها “الساحل الفرنسى لعفر وعيسى”، لنفي الهوية الصومالية عنه، وهى الصفة التى كانت تحرجها أمام الرأى العام الدولى، وادعت أن عفر يشكلون غالبية السكان، وغيرت النظام القانونى للإقليم ليتلاءم والمخطط الجديد لتصفية الوجود الديمغرافى للعنصر الصومالى، فى محاولة يائسة لوأد الطموح القومي إلى التحرر.

وكان رأس الأفعى فى هذه المؤامرة اإيثيوبيا التى كانت تحوك مع فرنسا كل هذه الأحابيل وتسوقها على النطاق الإفريقى. ورأى عبد الرزاق أن يغير الاستراتيجية، وبدلا من المطالبة بالانضمام إلى جمهورية الصومال التى كانت السياسة السائدة، دعا إلى منح جيبوتى الإستقلال الناجز الكامل طبقا لقرارت الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية المتعلقة بحق تقرير المصير. وطرح الموضوع على منظمة الوحدة الإفريقية وعلى ايثيوبيا وعلى فرنسا. وكان من أشد المعارضين لهذه الفكرة إيثيوبيا. وكنت قد اطلعت على نصوص المراسلات التى دارت بينه وبين رئيس الوزراء الإيثيوبى حينئذ فى أرشيف وزارة الخارجية، والتى كانت مصاغة بلغة دبلوماسية عالية المستوى.

كتب عبد الرزاق إلى رئيس الوزراء الإيثيوبى يعرض عليه تسوية الخلاف الصومالى الإيثيوبى بشأن ساحل الصومال الفرنسى بتمكين هذا البلد من الحصول على استقلاله الوطنى، وأن الصومال على استعداد لضمان هذا الاستقلال. وقد رد عليه نظيره الإيثيوبى ساخرا بأنه لا يثق فى نواياه الحسنة، وأنه لا يوافق على اقتراحه، ويشترط عليه قبل مناقشة هذا الموضوع إعلان التنازل عن أي ادعاء إزاء الصومال الغربى أو أنفدى.

فى جلسة المفاوضات طرح رئيس الوفد الصومالى على الوزير الأمريكى حاجة الصومال إلى المساعدات الاقتصادية والمالية. ورد عليه “دين راسك”: وما رأيكم فى الإعتراف بإسرائيل!؟ تجنب عبد الرزاق الإجابة عن السؤال، وأعاد تكرار طلبه مرة أخرى بتعبيرات مختلفة.

وتعطلت هذه المبادرة أمام صخرة العناد والصلف الإيثيوبى، لكنها أصبحت استراتيجية وطنية ثابتة، وواصل الصومال متابعة هذا الموضوع فى كل المنتديات الدولية فى الأمم المتحدة وفى حركة عدم الانحياز وفى الجامعة العربية وفى المؤتمرالإسلامى مطالبا بالاستقلال الكامل لجيبوتي طبقا لمقررات الشرعية الدولية، حتى أصبحت فرنسا معزولة أمام الرأى العام الدولى

وبعد عشرة أعوام تحققت هذه الرؤية بعد التقلبات العاصفة التى أطاحت بنظام هيلاسلاسى وفقدت إيثيوبيا وزنها الاستراتيجى للغرب، وبعد مفاوضات مضنية بين الصومال وفرنسا تكللت بالنجاح على يد الرئيس محمد زياد برى الذى كان أول المهنئين لأول رئيس جمهورية جيبوتى حسن جوليد بعد إعلان الاستقلال مباشرة.

وقد قام عبد الرزاق بزيارة رسمية للولايات المتحدة كرئيس للوزراء أعتقد أنها الأولى والأخيرة للتباحث مع الجانب الأمريكى حول القضايا والمصالح المشتركة بين البلدين. وقد تفاوض معه نيابة عن البلد المضيف “دين راسك” وزير الخارجية الأمريكي.

وفى جلسة المفاوضات طرح رئيس الوفد الصومالى على الوزير الأمريكى حاجة الصومال إلى المساعدات الاقتصادية والمالية. ورد عليه “دين راسك”: وما رأيكم فى الإعتراف بإسرائيل !؟ تجنب عبد الرزاق الإجابة عن السؤال، وأعاد تكرار طلبه مرة أخرى بتعبيرات مختلفة. وكان رد الفعل الأمريكى هو إعادة توجيه نفس السؤال مرة أخرى. واستمر الجدال بينهما لثلاث مرات دون أن يلين أحدهما أمام الآخر. وعندما انقطع حبل الحديث بينهما، أنهى رئيس الوزراء النقاش بشكر مضيفه على حسن الاستقبال.

قرأت محضر هذا الاجتماع فى أرشيف وزارة الخارجية منذ أكثر من ثلاثين عاما، ولازال الموضوع عالقا فى ذهنى حتى هذه اللحظة لانبهاري بكبريائه وشموخه وتشدده فى التمسك بالثوابت الوطنية وصرامته حتى فى عدم قبول مبدأ فتح هذا الموضوع للنقاش، أعنى الاعتراف يإسرائيل . وكان راضيا للتضحية بأي مصلحة أخرى مع الولايات المتحدة رغم الظروف الاقتصادية القاسية التى كانت تمر بها البلاد. وفعلا فشلت الزيارة فشلا ذريعا. إنه لم يكن مستعدا لدفع الثمن المطلوب للحصول على المساعدات الأمريكية. وكان بإمكانه أن يراوغ أو يناور أو يخلق الأعذار أو يماطل، ولكنه لم يفعل، وقفل الباب نهائيا. وخيرا فعل.

موقفه من قضية التعليم والثقافة

وكان له رأى وموقف فى القضايا الكبرى التى تهم بلاده، ومن بينها قضية التعليم والثقافة. وقد سمعته مرة فى اجتماع مع الرئيس محمد زياد برى بحضور عدد من كبار موظفى وزارة الخارجية، وكان عبد الرزاق حينئذ رئيسا للوفد الصومالى للأمم المتحدة. وقد وجه إليه الرئيس سؤالا بحكم خبرته كرئيس وزراء سابق عن الثروات القومية الرئيسية التى يمكن استثمارها بسرعة. وبدلا من الرد المباشر، اختار أن يلقى محاضرة طويلة لمدة ساعة، لا أذكر تفاصيلها الآن بالدقة اللاّزمة، ولكن فحواها باختصار، أن الصومال (الإيطالى سابقا) منذ الاحتلال الإيطالي فى القرن التاسع عشر، لم يعرف نظاما تعليميا إطلاقا، وأن الكنيسة الكاثوليكية فقط كانت تقدم منهجا ابتدائيا لتعليم اللغة الإيطالية للخاصة لإعدادهم لأعمال الكتبة والترجمة والعمالة غير الماهرة للعمل كوسطاء بين الإدارة والأهالى. وفى عام 1923، عندما استولى الفاشست على نظام الحكم فى إيطاليا، صدر قانون بحرمان توفير التعليم لكل المستعمرات الإيطالية. واستمر الوضع على هذا المنوال، إلى أن هزمت إيطاليا فى الحرب العالمية الثانية. وقد صدمت الإدارة العسكرية البريطانية المؤقتة التى حلّت بالبلاد فى أعقاب الانسحاب الإيطالى من الوضع التعليمى المأساوى. وأنشأت لأول مرة “إدارة التعليم” للنهوض بالتعليم الابتدائى، وأسست معهدا هو مدرسة تدريب المعلمين فى “حمر جب جب” لمدة ثلاث سنوات لتخريج الكوادر لتحمل عبء التدريس الابتدائى الذى بدأت الإدارة الجديدة تشجع على تعميمه فى مختلف أنحاء البلاد.

وفى عام 1950 عادت إيطاليا من جديد إلى الصومال كدولة وصية بناء على معاهدة مع الأمم المتحدة لتأهيل البلاد للإستقلال. وحاولت إيطاليا هذه المرة تدارك الأمر بإنشاء نظام تعليمى، ولكن الوقت كان متأخرا، ونال الصومال استقلاله ونسبة الأمية فيه 90%، وخلص إلى القول إلى أن الصومال الذى لم يعرف أي نظام تعليمى طيلة العهد الإستعمارى هوالأسوأ حاليا فى إفريقيا من حيث المستوى التعليمى. ودعا إلى إعطاء الأولوية المطلقة للنهوض بالتعليم فى جميع مراحله وعلى كافة الأصعدة وفى جميع التخصصات.

كان عبد الرزاق يريد أن يقول أن الثروة الحقيقة للبلاد هى فى إعداد المؤهلات التى ستتكفل باستثمار موارد الدولة. كنت مبهورا لعمق فهمه للقضايا الرئيسية فى التنمية، وقدرته على تذكر التفاصيل الدقيقة للقضايا الفنية المتعلقة بالإدارة، رغم أنه ترك كرسى الحكم منذ مدة طويلة. وكان شعورى بالإحباط كبيرا لأنه لم يكن أحد من الحاضرين متجاوبا لما يقول. كانوا يريدون أن يعرفوا فقط، هل لديه معلومات خاصة عن ثروات بترولية كان يعرفها عندما كان رئيسا للوزراء بسبب انتشار شركات تنقيب البترول الغربية فى أجزاء متعددة من البلاد، والتى انسحبت بعد الانقلاب العسكرى مباشرة. وكنت أتذكر الخطوط العريضة لمداخلته لمدة طويلة، وأرويها لأصدقائى ومعارفى فى مناسبات مختلفة، إلاّ أنه بمرور الزمن اندثرت التفاصيل من الذاكرة.

لقد بذل عبد الرزاق خلال ولايته من الجهد لكتابة اللغة الصومالية ما لم يبذله غيره. فلقد أدرك أنه لتوثيق عرى الوحدة الوطنية ومحو الأمية وتقوية التواصل بين الشعب والحكومة وإشراك الجماهير فى العملية السياسية ورفع وعيها السياسي ومحاربة البطالة وزيادة العمالة الماهرة والخروج من فوضى تعدد اللغات الرسمية فى الإدارة يتطلب كتابة اللغة الأم. ولم يكن ذلك بالأمر اليسير. فقد كانت مقاومة القيادات الدينية شرسة. وكانت تنظم المظاهرات والاحتجاجات والمواعظ فى المساجد تندد وتكفر أي محاولة لكتابة اللغة الصومالية. وأن انتشار الأمية حرم النسبة الكبرى من الشعب فى المساهمة فى هذا النقاش، وبالتالي فى تسهيل اتخاذ القرار.

وأوعز إلى وسائل الإعلام الرسمية بفتح باب النقاش في الموضوع، وذاعت الأغانى الناجحة التى كانت تروج لرد الاعتبار للغة الصومالية، وكان بنفسه يشرف على حملات التوعية، ويتابع الموضوع أولا بأول. وكانت الحملة المضادة مستعرة التى لم تدخر وسعا فى دمغ مشروعه بكل أنواع التهم والتشنيع.

ولقد شاءت الحظوظ أن تنتهى ولايته قبل أن يحقق أمنيته فى الحصول على إجماع وطنى فى هذا الصدد.

وفى حديث جانبى معه بعد مرور أعوام طويلة على صدور قرار اعتبار الصومالية لغة رسمية وحيدة للدولة، سألنى عن والدى الشريف محمود عبد الرحمن، رئيس الرابطة الإسلامية، الذى لم يلتق به إطلاقا بعد أن اعتقله بأوامر شخصية منه خلال رئاسته لمجلس الوزراء، لاسيما وأنه كان رهين المنزل بسبب الرقابة البوليسية وبحكم السن، وكان يتزعم الاتجاه المضاد له. قلت له : إنه بخير، ثمّ أضاف، “ربما كان والدك أبعد نظرا”، فى تلميح إلى التجاوزات والسياسات الهوجاء التى رافقت القوانين المتعلقة بالنظام التعليمى عند اتخاذ قرارتبنى اللغة الصومالية كلغة رسمية.

ولقد راعنى فيه رحابة صدره، وسعة أفقه، وعدم ادعائه احتكار الحقيقة، وقدرته على فهم الموضوع فى شموله وحتى من منظور خصومه.

دار هذا الحديث بينى وبينه فى نيويورك، ونقلت هذه الملحوظة عنه إلى والدى الذى ارتاحت نفسه لها. ثم، قص لى مآثره الوطنية، التى من بينها تبرعه للعمل كمستشار للسفير كمال الدين صلاح، المندوب المصرى فى المجلس الاستشارى التابع للأمم المتحدة، المعنى بالإشراف والرقابة على أعمال الإدارة الإيطالية. وكان دوره متابعة الإنتهاكات التى ترتكبها الإخيرة لإتفاقية الوصاية، وشكاوى وتذمرات الأحزاب والهيئات الوطنية. وكان هذا العمل يتطلب شجاعة نادرة ، إذا أخذنا بعين الاعتبار، أن السفير المصرى نفسه تعرض للاغتيال بسبب استياء السلطات الإيطالية منه.

كان عبد الرزاق عاشقا للغة الصومالية، يتفنن فى التحدث والخطابة بها، وكان يحاول بجهوده الذاتية أن يجد مرادفا لكل كلمة أجنبية دخيلة فيها. وكان ينحت كلمات جديدة لحاجات جديدة غير معهودة فى اللغة الصومالية. وعندما أصبحت اللغة الصومالية رسمية، كان يكتب تقارير سياسية وإدارية بلغة أدبية عالية المستوى من حيث جمال الأسلوب ودقة التعبير والمعنى والقدرة على العرض والوصف والتحليل، كان يذكرنى بكبار الروائيين الذين كتبوا أجمل الأعمال الأدبية.

علاقتى الشخصية به

عملت مع عبد الرزاق الذى كان رئيسا للوفد الدائم للصومال فى الأمم المتحدة بدرجة سفير مناوب لفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. وقد كان ودودا، دمث الأخلاق وإن كان فى بعض الأحيان خشنا، وقد قدم لى خدمات جليلة لتسهيل الاستقرار والإقامة لى فى مهمتى الجديدة.

ولاحظت أنه منظم ويتمتع بمهارات إدارية عالية وقارئ ممتاز ومحدث لبق وسريع البديهة. وكانت عنده علاقات ممتازة مع معظم رؤساء الوفود الذين كانوا يكنون له التقدير والاحترام، لا لإجادته آداب المجاملات الدبلوماسية فحسب ولا لروحه المرحة وعلاقاته الاجتماعية الواسعة، ولكن أيضا لما كان يتمتع به من هيبة وجاذبية وسمعة ماضيه كرئيس لوزراء بلاده التى كانت تضفى عليه هالة وسحرا خاصا. وكان أيضا أنيقا فى ملبسه ووسيما جدّا.

ومن الطريف أن أشير إلى أننى كنت فى منزله فى عشاء خاص معه، ورايت صورة جميلة له معلقة على الجدار، وعلقت على وسامتها، فابتسم، وقال هل تصدق أن شركة إعلانية التى شاهدت هذه الصورة، طلبت منى استغلالها لأغراض الترويج التجارى مقابل مبلغ مالى كبير. ثم أردف، أنه رفض هذا العرض. ولما سألته عن السبب، أجاب قائلا، إن ذلك لا يتناسب وكرامته كممثل لبلاده. وحاولت أن أقنعه بأن ذلك لا يخدش شرفه التمثيلى لبلاده ، وأن هذه الهبة التى منحها الله له نوع من الملكية الأدبية التى لها قيمة ما لية مصونة من قبل القانون. تشبث بصواب موقفه بصلابة.

وكان يحظى بعلاقات صداقة خاصة مع بعض الشخصيات الأمريكية، ومنهم بعض أعضاء الكونجرس، ولما كانت العلاقات الأمريكية الصومالية متوترة إلى حد القطيعة بسبب علاقات التحالف مع السوفيت بموجب معاهدة الصداقة والتعاون المبرمة بينهما، فإنه لعب دورا مهما كقناة اتصال مع المسئولين الأمريكيين لتقريب وجهات النظر بين الطرفين وتسهيل التواصل بينهما. وعندما نشبت الحرب الصومالية الإثيوبية فى 1976 بذل جهودا حثيثة مع الإدارة الأمريكية للحصول على تأييدها لوجهة النظر الصومالية.

وكان على علاقة وثيقة مع الجالية الصومالية فى نيويورك التى كانت تتألف من بحارة سابقين من الإقليم الشمالى التى كانت تحيط الممثلية الدائمة للصومال برعايتها وعنايتها، هذه العلاقة التى بدأت منذ عام 1947 عندما استضافت السكرتير العام لحزب وحدة الشباب الصومالي عبد الله عيسى فى مطالبته باستقلال البلاد عند تقرير مصير المستعمرات الإيطالية. وكان يقيم معهم مناسبات دورية يشرح لهم فيها الوضع العام فى البلاد.

وكان من كبار معاونيه فى عمله السيدة الفاضلة زوجة السفير عبد الرحيم فارح عابى، السكرتير العام للأمم المتحدة المساعد، رحمها الله، وكانت موظفة غير متفرعة للممثلية. وكانت قدراتها وكفاءتها المهنية عالية جدا. وكانت خبيرة فى إعداد التقارير والكلمات الرسمية التى كانت تلقى فى اللجان المتعددة للجمعية العامة، وهى مهمة ليست باليسيرة لتطلبها مهارة تخصصية رفيعة ومتابعة دقيقة لكافة القضايا العالمية.

أمّا الشخص الآخر الذى كان يده اليمنى فهو السفير عبدالرحيم عابى الذى كان أمينا عاما مساعدا في الأمم المتحدة حينئذ، الذى شغل منصب رئيس الوفد الدائم للصومال فى الأمم المتحدة لمدة تنيف على عشر سنوات. وكان يتمتع بكفاءة  مهنية عالية، وبثقافة عريضة، وبفهم عميق وشامل لكل القضايا المطروحة، لاسيما القضية الفلسطينية وقضايا التحرر الوطنى الإفريقى. وكان يتمتع بشعبية واحترام شديدين بسبب مواهبه الثقافية والسياسية وإتقانه لآلية (ميكانيزم) العمل فى منظمة الأمم المتحدة.

ومن المهمات المرموقة التى تولاّها ممثلا لبلاده رئاسة مجلس الأمن عند النظر فى النزاع المسلح بين الهند والباكستان الذى تمخض عن انفصال بنجلداش عن الباكستان. ونظرا لمواهبه المتعددة التى من بينها امتلاك ناصية اللغة الإنجليزية والبراعة فى الخطابة والإحاطة بكل جوانب وأبعاد القضية القضية الفلسطينية، فإنه كان يقود معركة الدفاع عنها بحنكة واقتدار، لم يضارعه فيها أحد، بز فيها رؤساء الوفود العربية. وبسبب قوة تأثيره بلغ عداء الصهاينة له أن تعرض للتهديد البدنى. ولقد جلب لبلده من الاحترام والتقديرما كان محل اعتراف الجميع.أمّا فى منصبه كأمين عام مساعد للأمم المتحدة للشئون الإفريقية ، فإنه كان من اختصاصاته الإشراف على عملية تصفية الإستعماروالأبارتهايد فى البلدان الإفريقية التى كانت لا تزال تخوض النضال من أجل الإستقلال والتحرر.، وقد أبلى فى هذه المهمة بلاء حسنا.

وكان عبد الرحيم الذى كانت تربطه بعبد الرزاق صداقة حميمة كرس كل طاقاته ومعارفه وعلاقاته ومكانته الرفيعة فى خدمة عبد الرزاق وبعثة الوفد الدائم، الأمر الذى جعل من كفاءة البعثة وإنتاجيتها عالية. وكانت التقارير الصادرة من البعثة إلى مقدشوة على مستوى عال من المهارة المهنية والفائدة.

وكان يساعده أيضا فى الأعمال الإدارية عدد آخر من الموظفين المحليين، الذين كانوا خير عون له فى أدائه لمهمته.

وكان من الصعب على ان استقر فى عملى الجديد بهدوء بسبب التوتر الذى كان قائما بين المركز فى مقدشوة وبين عبدالرزاق، والذى كان يحول بينى وبين التركيز وبذل الجهد للتمكن من مهمتى التى كانت تتطلب السيطرة على تحديات كثيرة.

ويعود مصدر هذا التوتر إلى الشكوك التى كانت تراود القيادة عن ولائه لها، وماكان يزيد من مخاوفها مهاراته السياسية وصلاته بالأوساط الصومالية، وكان عدد من أعضاء البعثة الصوماليين ينفخون فى فتيل هذا التوتر باختلاق الإشاعات والأراجيف تزلفا وإرضاء للسلطة. وكان يشعر بالجو الخانق الذى يحيط به. وبدأت التعليمات تتوالى للقدوم إلى مقدشوة. وأخذ يتعلل بأن صحته لا تسمح له بذلك. وكان عنده علم اليقين بما وراء هذا الإلحاح للإستدعاء، لاسيما وأنه قد استوعب الدرس من إغراء محمد إبراهيم عقال، رئيس وزراء سابق، وسفير فى الهند، للذهاب إلى مقدشوة للتشاور. وبمجرد أن وطأت قدماه البلاد، زج به فى غياهب السجن. ولما فقدت القيادة الأمل فى عودته إلى مقدشوة. صدر الأمر بعزله، وتسليم البعثة إلى من ينوبه. وكنت أنا ذلك المكلّف بتسلمها.

مرات كثيرة بث إلى عبد الرزاق همومه الشخصية، وطرح أمامى أفكاره السياسية التى من وجهة نظرى جديرة بالاحترام، وليست منها ما يعتبر مناوئا للنظام، ولكنها تدخل فى إطار القلق والإهتمام بالمصلحة العامة الذى يعتبر فى أى مجتمع ديمقراطى جزء من حرية الضميروالتفكير. أنا شخصيا لم ألاحظ منه إطلاقا ما يمكن وصفه بأنه عمل عدائى ضد النظام. ولكنها السلطة كانت مهووسة بهاجس الأمن والشك والخوف.
أنا شخصيا كنت على المستوى الشخصى متأثرا بقرار العزل من منطلق إنساني ومن منطلق وطنى، فالرجل له دين على بلاده بعطائه السخى أثناء معركة التحرير، وبمساهمته فى مرحلة بناء الدولة. وكم كان قاسيا أن يكون التنفيذ فوريا بحرمانه من حقوقه المالية والعينية وهو رب عائلة كبيرة دون أن يكون له مورد رزق معروف. بالنسبة لى كانت معاناة نفسية قاسية، لكنه تحمل الموقف بصبر وشجاعة وعزة نفس وبدون أن يأسف على شيء.

لقد كان انطباعى عنه باستمرار مهما كانت وجهات نظرى فى مواقفه السياسية، أنه رجل جاد وصادق ومخلص ورجل دولة ومفكر.

لم أمكث كثيرا فى نيويورك، إذ بعد أقل من ثلاثة أشهر من هذا القرار نقلت إلى باريس. وبعدئذ لم أره بتاتا، لكننى تابعت تعليقاته السياسية على الأحداث الكبرى التى حلت بالبلاد، فكانت عين الحكمة والصواب من حيث التشخيص والتحليل والاستنتاج ووضوح الرؤية والتطلع بثقة إلى مستقبل مشرق لبلاده.

مهنيته وأخلاقياته الإدارية

كان عبد الرزاق محل انتقاد شديد بسبب ما اعتبر انحيازا لصالح الشماليين. فلقد قرب كثيرا منهم فى وظائف الدرجة الأولى. ولم يكن ذلك صحيحا، بل كان حريصا على تحقيق المصلحة العامة دون الإعتداد بالمساواة الشكلية كتوزيع المناصب على المحاصصة أو ترجيح فئة على أخرى بناء على حسابات سياسية، بل كان يسعى إلى ضمان الكفاءة والمؤهلات العلمية المتطلبة لشغل الوظيفة. وانطلاقا من فلسفته هذه أطلق شعاراته المدوية مثل “الرجل المناسب فى المكان المناسب” التى وجدت صدى واسعا وترحيبا كبيرا. ولما كان الشماليون الذين قدموا لا من الصومال (البريطانى) فحسب، بل من مستعمرة عدن أيضا يملكون خبرات مهنية مهمة، ومستويات علمية مشهودة، علاوة على تمكنهم من اللغة الإنجليزية التى أصبحت لغة الإدارة الأولى، ولغة التعامل مع المجتمع الدولى والأمم المتحدة، قد منحتهم ميزة على حساب أقرانهم من الجنوبيين.

وأذكر أننى عندما كنت رئيسا لشركة الخطوط الجوية الصومالية، لاحظت أن جميع الطيارين كانوا من الشماليين باستثناء نفر قليل منهم كانوا من الجنوبيين، الذين كانوا يتقاضون رواتب ضخمة مقارنة بمستوى المعيشة فى البلاد. ويرجع ذلك إلى أنه عند تأسيس هذه الشركة، طلب عبد الرزاق بوصفه وزيرا للأشغال العامة من الحكومة الألمانية توفير منح دراسية لتأهيل الطيارين الصوماليين، واشترطت الأخيرة أن يكون الطلبة من الدارسين باللغة الإنجليزية، لاسيما وأنها اللغة الرسمية للطيران على المستوى العالمي. ولم يتردد فى الترحيب بهذا العرض، رغم أن ذلك يمثل تمييزا ضد أولئك الذين يعرفون اللغة الإيطالية فقط، لان الجنوبيين لم تكن تتوفر فيهم شرط معرفة اللغة الإنجليزية. كما كان أغلب العاملين فى القسم الفنى وفى القسم التجارى من الشركة من الشماليين الذين كانوا يعملون فى الخطوط الجوية العدنية التى كانت فرعا للخطوط الجوية البريطانية، ولما تمت تصفيتها انتقلت العمالة الماهرة الصومالية لخدمة شركة الطيران الوطنية الصومالية.

ولابد أن أشير هنا إلى قصة رمزية حكى لى رفيق الدراسة فى حينه هو الزميل سعيد نور درر، وكان يمت بصلة قرابة إلى عبد الرزاق. بموجب القانون الذى أصدره الخاص بوضع قواعد صارمة للتعيين فى الوظيفة العمومية لضمان الحيدة والنزاهة وللحيلولة دون المحسوبية، أعلنت إدارة الموظفين عن امتحان مسابقة لتعيين الخريجين الجامعيين. وكان من بين المدعويين للمشاركة فى الإمتحان موسى إسلام الذى كان خريجا حديثا من جامعة القاهرة، والذى ترقى فيما بعد فى السلم الوظيفى حتى أصبح سفيرا فى الكويت. ذهب الأخير إلى عبد الرزاق الذى كانت تربطه قرابة، وطرح عليه مشكلته” إننى موظف محلى فى السفارة الصومالية فى القاهرة، ولست طالبا لوظيفة جديدة وإنما مجرد النقل من فئة الموظفين المحليين إلى فئة الموظفين الرسميين. ولذلك أرجو إعفائى من الامتحان. ورفض عبد الرزاق الانصياع لطلبه. ولما اشتد فى الإلحاح عليه، رد عليه عبد الرزاق غاضبا “يا موسى يجب أن تدخل كغيرك من الموظفين، ولن أعفيك من الإمتحان، وليكن فى علمك أننى رئيس وزراء الصومال، ولست رئيس وزراء عشيرة، وإذا سقطت في الامتحان فلكل حادث حديث”. ودخل موسى الامتحان ونجح.

طباعه ونوعية معدنه

قرأت السيرة الذاتية الرائعة التى كتبها الأخوان الأستاذان عبدى وأحمد إسماعيل سمنتر عن عبد الرزاق حاج حسين فى المجلة الدورية التى يصدرانها (Bildhaan) عدد 2 لعام 2002 ، وفيها يستخلص الإنسان الخصائص المميزة لنوعية معدنه، التى تجلت منذ نعومة أظفاره، من صلابة عوده، وروح الإقدام، والإعتماد على الذات، وروح القتال، والتصدى للتحديات والصعوبات التى كانت تحدد معالم شخصيته حتى قبل أن ينضج وعيه السياسي. وأقتبس هنا بعض الأمثلة التى تعكس قوة شكيمته، والاستعداد للتضحية إلى حد التهور.

فى بيدوة عند عودة الإدارة الإيطالية الوصية لاحظت الأخيرة الدور القيادى الذى كان يلعبه عبد الرزاق فى صفوف حزب وحدة الشباب الصومالي، وجرأته في مواجهة الإدارة الجديدة بالمطالب السياسية وبرفع الشكاوى للتقيد بأحكام اتفاقية الوصاية الدولية، واستغلاله لمنصبه كرئيس لإدارة اللاسلكى والتلغراف فى المدينة لتنسيق المواقف السياسية بين المركز وبين المدينة التى كانت تغلى بالمواجهة الساخنة بين الحزب من جهة والإدارة الإيطالية من جهة أخرى، تمخضت فى نهاية المطاف عن إراقة الدماء بين صفوف أعضاء الحزب. وفى هذا الصدد، اتهمته الإدارة الإيطالية بعد تلفيق مسرحية رخيصة بحيازته لأسلحة ومتفجرات، ثم أودعته السجن حيث تعرض فيه للتعذيب الجسدي، مما أدى إلى إصابته بقذف الدم وبمرض عضال كان ينوء بحمل عبئه، ومن جرائه خضع لعملية جراحية خطيرة فى الولايات المتحدة لاستئصال الجزء المصاب من رئته. وقضى فى السجن المركزى فى مقدشوة الذى نقل إليه فيما بعد، تسعة أشهر، أطلق سراحه فيما بعد صدور عفو عام لجميع المعتقلين السياسيين، لكنه حرم من العودة إلى عمله.

وصمم بعدئذ أن يغتال الحاكم الإدارى الإيطالى بيرنارديللى، المسئول الأول فى الشئون الداخلية والمخطط الرئيسى لإرهاب وتصفية حزب وحدة الشباب الصومالي، ودوره فى شد أزر العناصر المساندة لتمديد فترة الوصاية لثلاثين سنة. وحاز مسدسا من أحد أقربائه لتحقيق هذا الغرض. وحاول الحصول على ميعاد لمقابلة المسئول الإيطالى، ولكنه لم يتمكن من تحقيقه لعدم اقتناع حراس الحاكم الإدارى من تبريراته، ولما أعيته الحيل، ولسفر غريمه لقضاء الإجازة فى بلاده، ومع مرور الوقت خبت روح الثأر فى نفسه، وانطفأ حماسه لمواصلة مشروعه.

ولقد تصدى فى باكورة حياته وقبل أن ينضج وعيه السياسي أثناء الحكم العسكرى البريطانى فى آواخر الأربعينيات لكل المظاهر التى تنم عن الإهانة والخنوع، منها على سبيل المثال إجبار الناس على خلع الأحذية لدى الدخول فى المكاتب الحكومية بالاحتجاج وبالفعل. وفى مرة من المرات لم يتحمل استفزاز الضابط البريطاني” فيتزباتياك” الذى رفس بحذائه الكرسى الذى كان يجلس عليه، فما كان منه الاّ أن تشابك معه ومسكه بخناقه وألقى به أرضا. ثم زج به فى السجن. وفى فترة الاعتقال هذه فكر فئ التخلص منه، واشترى خنجرا لهذا الغرض. وعندما قدمه نفس رئيسه الضابط للمحاكمة، احتج على أن يكون نفس الحكم قاضيا، منذرا بأنه لن يعتد بحكمه، وإنما سيستأنفه. وأنزل عليه عدوه اللدود عقوبة صارمة تتمثل فى الحكم عليه بالسجن لمدة اثنتى عشرة سنة. وفى النظر بالاستئناف الذى عقد فى نيروبى، قضت المحكمة بإلغاء الحكم لتجاوز العقوبة التناسب والمعقولية، وإطلاق سراحه. وٌقد مكث فى السجن ثمانية أشهر.

هذه الحدة، والمواجهةالساخنة،والإقدام في التصدي لأية قضية والصدام المباشر مع كل ما يعترض رؤيته وطريقه، كانت السمة المميزة لسلوكه على مدى حياته السياسية والتى خلقت له أعدادا من الخصوم لا حصر لهم.

فترة ما بعد السلطة

عندما آلت السلطة إلى عبد الرشيد شرماأركى- محمد إبراهيم عقال ، وفقد منصبه كرئيس للوزراء، بدأ النظام الجديد يغير قواعد اللعبة السياسية. بدأت عملية الاحتكام إلى صناديق الانتخابات والتناوب فى السلطة غير مستساغة. وبدأ يضيق الخناق على عبد الرزاق بحرمانه من ممارسة دوره فى داخل الحزب كزعيم لجناح منافس. وأخذ يعزل ويبعد كل أنصار عبد الرزاق تمهيدا للتخلص منهم. واعتمدت استراتيجية العهد الجديد على حرمانه هو وأنصاره طوعا أو كراهية من العودة إلى صفوف البرلمان بإسقاطه وإفشالهم فى أول معركة انتخابية قادمة، ومن ثم سد أي ثغرة متاحة يمكن من خلالها التسلل من جديد إلى السلطة.

أمام هذا الطريق المسدود، كان لابد له أن يعلن العصيان وتتفجر روح العصيان والتمرد فيه. وقرر الانسحاب من حزب الوحدة، وتأليف حزب جديد أطلق عليه حزب (دبكا) ومعناه “النار”، وهو يرمز بذلك إلى النار التى ستحرق وتدمر النظام الجديد، الأمر الذى يعكس روح الغضب والرغبة فى الأخذ بالثأر.

أصبح البرلمان فى ظل حكومة محمد إبراهيم عقال من لون واحد، وانعدم النقاش الجاد فيه وانتقلت المعارضة إلى خارج البرلمان .

كان عبدالرزاق فى محاضراته الأسبوعية فى الحزب الذى كان يرأسه يتطرق فيها بالتحليل الشامل والتعليق على كل القضايا الساخنة موضع اهتمام الرأى العام. وكان مقر الحزب فى هذه المناسبة محل جذب واستقطاب جماهير غفيرة لا من أعضاء الحزب فقط، ولكن من كل المتابعين للشأن العام ومن عشاق الثرثرة والمتعة السياسية. وكسب كثيرا من المعجبين الذين لم يكونوا مبهورين ببلاغته فحسب، بل فى ظرفه وخفة دمه، وسخرياته ونوادره على أعمال وتصرفات العهد الجديد.

وكانت الصورة الكاريكاتورية والهزلية التى كان يرسمها عن الوضع الجديد موضع استحسان وارتياح الجماهير التى ساهمت بدرجة كبيرة فى تشويه صورته وإفقاده الشرعية، لاسيما وأن العامة كانت تردد نوادره اللاذعة فى عرض البلاد وطولها.

ثم دخلت حكومة إبراهيم عقال بمؤازرة من رئيس الجمهورية عبد الرشيد شرماأركى فى المحظور، ألا وهو العمل على احتكار السلطة ومنع عبد الرزاق وأنصاره من المشاركة فى العملية الانتخابية.
وطلبت الحكومة من الجنرال محمد أبشر قائد قوات الشرطة وضع جهاز الأمن الداخلى تحت تصرف الحكومة لخدمة هدفها الانتخابى، ومساعدة أنصارها فقط، لا بالتزييف فحسب، بل بالقوة المسلحة لو اقتضت الضرورة وبكل وسيلة ممكنة.

وقد كان هذا الموصوع محل شد وجذب بين الحكومة وقائد الشرطة، انتهت بمساجلات علنية على صفحات الجريدة الرسمية. وقد تمسك الجنرال محمد أبشر بشدة بأنه بموجب أحكام الدستور ليس من صلاحيات الشرطة التدخل والانحياز فى الصراع الحزبى السياسى ، وأن دورها مهنى ومحايد ومهمتها هى المحافظة على الأمن والنظام العام، وأن ضميره الوطنى والمهنى لن يسمح له بالإمتثال لمثل هذه التعليمات.

أمام هذا الموقف قررت الحكومة إقالة الجنرال محمد أبشر من مركزه كقائد عام لقوات الشرطة.

أما الجنرال محمد زياد برى، قائد القوات المسلحة، فإنه عرض خدماته على الحكومة لمساعدتها على تنفيذ سياساتها حرفيا فى المعركة الانتخابية التى رحبت بها الحكومة أيما ترحيب.
استعد عبد الرزاق للمعركة الانتخابية بإعداد قوائم حزبه فى معظم الدوائر الانتخابية، ، لكن الحكومة كانت له بالمرصاد، إما بخلق الأعذار الوهمية لرفض الترشيح، أو للتصدى بالقوة وبالتزييف لمنع أنصاره من الفوز فى الانتخابات. وأبلغ مثل على ذلك ما حدث للأمين العام لحزب “دبكا”، وزير المالية السابق والرجل الثانى فى الحزب عبد القادر محمد آدن (زوبى) والزعيم الأكثر لمعانا لمقاطعة جوبا العليا (بكول وباى حاليا)، الذى رشح نفسه فى دائرتين انتخابيين.

أما فى الدائرة الأولى، فإن الحاكم المسئول عن الدائرة رفض استلام أوراق الترشيح، وفى الدائرة الثانية تكرر نفس الشيء. وعندما قرر قاضى الاستئناف قبول أوراق الترشيح، تعرض للملاحقة والاضطهاد والاتهام بالارتشاء، وعلى كل حال، فإن الحكومة تعقبته بالمطاردة وبالحصار وبالتزييف، وأخيرا منعته من الفوز باستعمال القوة المسلحة. أما باقى أنصاره فقد منعوا جميعا بكل الوسائل من بينها التهديد والوعيد والعنف من الوصول إلى صناديق التصويت.

كان عبد الرزاق الوحيد من بين أعضاء حزبه الذى نجح فى دائرته الانتخابية. ولذلك قصة، أولا : لأن المدينة موطن رأسه، ثانيا: أن معظم سكان المدينة كانوا متضامنين معه على وجه الإطلاق لدرجة الاستعداد للدفاع عنه بالسلاح. وأخيرا كان حاكم المدينة يداهن الحكومة التى وعدها بالامتثال لتعليماتها، وفى نفس الوقت كانت تربطه مودة وصداقة بعبد الرزاق لم تكن الحكومة على علم بها. وكل ما فعله لمعرفته الدقيقة بشعبيته الواسعة، وتأكده من نجاحه التلقائى، لم يضع العراقيل أمامه، ولم يستخدم القوة للحيلولة دون ذلك.

كان عبد الرزاق الوحيد من بين أعضاء حزبه الذى دخل البرلمان، الأمر الذى سبب حرجا كبيرا للحكومة لم يكن فى الحسبان.

لم تمض ستة أشهر على هذه الانتخابات المشئومة التى مورس فيها العنف والتزوير المؤسسى التى قال عنها الكاتب البريطانى “درايسدل” المتخصص فى الشئون الصومالية فى مقال نشره فى جريدة تايمز اللندنية فى حينه “ما فعله النظام فى هذه الانتخابات بالخروج عن كل مألوف وعرف وتراض وتقاليد معهودة لحفظ السلام الاجتماعى باستخدام العنف المفرط، لاشك أنه ينذر بشيء مشئوم، ماهو هذا الشيئ المشئوم؟ لا أعرفه بالضبط. وبعد ستة أشهر من هذه النبوءة : وقعت الواقعة، ألآ وهو الانقلاب العسكرى فى أكتوبر 1969.

ولاشك، أن الدور الذى لعبه الجيش فى العملية الانتخابية، كان بمثابة مناورة عسكرية تجريبيه واختبارا حيا لللانقلاب الذى قاده الجنرال محمد زياد برى فيما بعد الذى كانت تداعبه أحلام السيطرة على السلطة منذ عهد بعيد.

وكنت أعرف ذلك عندما كنت محررا فى جريدة “اتحاد الشعب” لسان حال حزب صوماليا الكبرى، التى كان يرأس تحريرها الزميل يوسف عثمان سمنتر (بردعد). وكان ذلك فى عهد حكومة عبد الرزاق. وكان زياد برى يرسل الوسطاء لتشجيع الحزب على خط التشدد والتمرد وزعزعة الاستقرار. وقدم تهانى خاصة إلى رئيس التحرير، عندما نشرت الجريدة مقالة عنوانها “دور الجيش فى العالم الثالث” بقلم كاتبها رفيق الشباب صالح ناصر، التى كانت تحريضية، وفحواها، أن حل مشاكل العالم الثالث يكمن فى استيلاء الجيش على السلطة، كما كان سخيا في مكافأة الجريدة على التهييج والإثارة.

كان قرار عبد الرشيد – إبراهيم عقال تسييس قوات الشرطة والجيش بإرهاب الأولى وإغراء الثانية، والاعتماد عليهما فى البقاء فى السلطة خطيئة كبرى، فمن ناحية يظهر ذلك مدى ضعف النظام وعدم ثقته بالنفس وعزلته وخوفه من القطاع الأكبر من الشعب، ثم أنه أعطى الإحساس للجيش بأنه هو القوة المهيمنة التى بدونها لا يمكن أن يستقر الحكم. وأخيرا، فإن العنف الذى استخدمه الجيش خلق رد فعل من النقمة لدى الرأي العام ما شكل الأرضية النفسية والسياسية المناسبة التى استغلها الجيش للقيام بالانقلاب، وجعل الترحيب به شعبيا ممكنا.

وأذكر فى هذا الصدد قصة رواها جمال عبد الناصر فى كتابه “فلسفة الثورة”. قال الرئيس المصرى – والاستشهاد من الذاكرة- “عندما كنت ضابطا صغيرا فى الجيش المصري، وكان ذلك تقريبا فى عام 1936 ، وكان رئيس الوزراء المصري حينئذ محمد محمود باشا. استعانت الحكومة بالجيش المصري لمساعدتها فى قمع وترويع وتزييف الانتخابات لضمان فوز الحزب الحاكم. وخطر لى استفهام أمعنت النظر فيه مليا، لماذا تستنجد الحكومة بالجيش المصري قي هذه المهمة؟ وكان الاستنتاج الذى توصلت إليه، أن السلطة الحقيقية تقع فى يد القوات المسلحة. ومنذئذ بدأت أفكر فى الانقلاب العسكرى” وهو نفس الشعور الذى انتاب قائد الجيش الصومالى فى إنقاذه للحكومة من خصومها فى المعركة الانتخابية.

عندما شعر عبدالرزاق بالحصار وأن الأبواب موصدة أمامه لممارسة دوره التنافسي بالوسائل المشروعة، وأن مصيره محتوم، انطلق كالأسد الجريح على منبر حزبه فى أحاديثه الأسبوعية يصدر حمما من براكين الغضب من تحليلات سياسية نارية وفاضحة للنظام، كانت تتردد أصداؤها فى كل مكان، ليس ذلك فحسب، بل وكان يلمح إلى التمرد والعصيان. ولما كانت إمكانية قيام ثورة شعبية غير متاحة، فإن الرسالة موجهة إلى طرف واحد فقط الذى يملك القدرة على التحرك، وهو الجيش. ولقد ارتاح الأخير فى صمت على الدور التهييجى الذى كان يلعبه عبد الرزاق فى الشارع. ولاشك أن هذه الخطب الأسبوعية المثيرة ساهمت فى زعزعة الاستقرار وعزل النظام، الأمر الذى خلق المناخ الملائم للترحيب بأي تغيير فى النظام السياسي، وبذلك يمكن القول بأن محاربة عبد الرزاق للنظام كان عنصرا مساعدا فى انتفاضة الجيش فى 1969.

ثم اعتقلته السلطة الجديدة مع غيره من أقطاب ووزراء حكومة إبراهيم عقال، رغم أنه لم يكن طرفا فى النظام الذى أطيح به لمدة ثلاث سنوات، ربما خوفا وشعورا بأنه لا يمكن احتواؤه أو السيطرة عليه.
وقد روى لى السيد عبد القادر محمد آدن (زوبى)، الأمين العام لحزب “دبكا” المشار إليه آنفا، أنه بعد المعركة الانتخابية، حيث كانت المشاعر ملتهبة بسبب العنف المفرط، خرج في نزهة مع عبد الرزاق، وصعدا إلى سقف البرلمان، وطرح عليه مشروعا انتقاميا للثأر من النظام الذى حكم عليهما بالإعدام السياسي. وأضاف “زوبى” بأنه ذهل لغرابة ما سمعه. وعلى الفور وبصرامة قلت له: يا عبد الرزاق إننى لا أوافق على مشروعك، وأرجوك أن ترجع عنه. وإذا أصررت على المضى فيه، فإننى سأبلغ عنك السلطة، وأنت تعرف مقدما عواقب ذلك. وبعدئذ أخذ بالحسبان موقف “زوبى”، وتخلى عن مشروعه تماما.

كلمة أخيرة وإذا عدنا إلى الوراء اثنين وأربعين عاما منذ أن اعتزل عبد الرزاق السلطة عن طيب خاطر امتثالا لقواعد اللعبة الديمقراطية ، وأخذنا بعين الاعتبار الحقبة المروعة من الحديد والنار والدم والدماء والدموع التى غشيت البلاد، بعد تركه الحكم، يستطيع الإنسان أن يتحسر على عهده وإنجازاته وعلى الوئام والسلام الذى كان سائدا حينئذ. ومن الذكريات العطرة فى عهده أن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء كانا يتنزهان فى الأماكن العامة والمنتديات ويرتادان دور السينما دون حراسة، الأمر الذى يرمز إلى الثقة التى كانت قائمة فى العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

لم يكن عبد الرزاق من ذلك النوع من الزعماء الذين يعبدون السلطة فى حد ذاتها، ويعشقون ذواتهم، ويريدون أن يفرضوا أنفسهم على الناس بأي ثمن، وبكل وسيلة ممكنة، بالحيلة والخداع والتضليل والبطش، ولم يحاول أن يكسب الشعبية أو يتودد إلى الناس، وإنما كان قائدا جسورا، يملك رؤية يريد تحقيقها، وإيمانا راسخا بقدرته على تنفيذها، وثقة بالنفس غير مكترث بأية عقبة، مؤمنا بقواعد اللعبة السياسية القائمة على التراضى والإجماع التى كانت من تقاليد حزب وحدة الشباب الصومالى، ومن المبادئ الديمقراطية المؤسسة على دستور 1960. ولو شاء أن يظل فى الحكم بكل وسيلة ممكنة كما هو العرف فى بلدان العالم الثالث فإنه كان يملك من الكفاءة والشجاعة والروح القتالية والقدرات القيادية والسلطة والمال ما كان يجعل تحقيق هذا الهدف سهل المنال، ولكنه آثر أن يترك الحكم عن اقتناع ورضا.

أما سلوكه السياسي المتسم بالتشدد والغضب وقلب الموائد على الجميع بعد تركه الحكم وتأسيسه حزبه السياسي، فما ذلك إلا لأنه شعر بأنه محبوس فى قفص محكم الأسوار، لا يستطيع الفكاك منه إطلاقا، بحكم الإجراءات الصارمة التى اتخذت فى مواجهته لمنعه من المشاركة فى العملية السياسية، والبادئ بالظلم أظلم.

أمد الله فى عمره، وأرجو أن يساهم آخرون من الباحثين والكتاب فى دراسة وتقييم هذه المرحلة من تاريخ الصومال الحديث كله، ويعطوا كل ذى حق حقه، ويستخلصوا العبر والدروس للأجيال القادمة

5 تعليقات

  1. اشكر فخامتكم على الجهود التي تقدمهافي هذا المجال واود ان تقدم مقالات كثيرة نحو القضية الصومالية ومن اهم
    هذه القضايا عن الحرب الصومالية الاثيوبية في عام 1977 وخاصة اسباب الهزيمة

  2. محمد إسماعيل يوسف

    يا لها من دروس وعبر، كم كانت القيادة الصومالية ذكية وأبية ومحترمة لذاتاها ولبلادها، اقراؤا معي هذه الفقرة ” وفي جلسة المفاوضات طرح رئيس الوفد الصومالي على الوزير الأمريكي حاجة الصومال إلي المساعدات الإقتصادية والمالية. ورد عليه “دين راسك” : وما رأيكم بالاعتراف باسرائيل؟!تجنب عبد الرزاق الاجابة عن السؤال، وأعاد تكرار طلبه مرة أخرى بتعبيرات مختلفة. وكان رد الفعل الأمريكي هو اعادة توجيه نفس السؤال مرة أخرى . واستمر الجدال بينهما لثلاث مرات دون أن يلين أحدهما أمام الآخر. وعندما انقطع حبل الحديث بينهما ، أنهى رئيس الوزراء النقاش بشكر مضيفه على حسن الاستقبال”. لا شك أن البون شاسع بين القيادة الحالية وبين تلك المواقف النبيلة لجيل الاستقلال، ترى هل سيعيد التاريخ نفسه وهل سيسمح لنا التاريخ برؤية مثل تلك القادة؟

  3. جهد مشكور وعمل تاريخي رائع، يا حبذا لو اقتفى المثقفون المخضرمون على أثر السفير محمد شريف ويسجلو على شهاداتهم على العصر. لا شك أن هذا العمل سيسد جانبا من النقص الحاد الذي تعانيه مكاتبناز
    وشكرا للسفير ولشبكة الشاهدز

  4. لأقد انقطعت الصلة بين ماضي المجتمع الصومالي وحاضره، وهذه الاضاءة التي تقومون بها يا سعادة السفير هي اضافة حقيقية لمشروع تدوين التريخ الصومالي. كم أنا فرح وسعيد بهذا المعاومات التي قيمة التي توصلت إليها من خلال قرآتي لهذا التاري الناصع. أرجو منكم سعادة السفير مواصلة هذا العمل الجليل لتكون نبراساً للأجيال الصاعدة وذكرى لكم لدى القادمين من بعدكم كما هي ذخر لكم في ميزان حسناتكم.
    بورك فيكم

  5. سعادة السفير محمد شريف محمود لساني يعجز عن شكرك على هذا الجهد الذي تبذله في سبيل تسليط الضوء على حقبه
    تاريخيه كانت تعتبر الفتره الذهبيه للدوله الصوماليه
    أتمنى منك ياسعادة السفير بأن تمنحنا مزيدا من وقتك خصوصا وأنت من المعاصرين لتلك الحقبه الجميله
    وأشكر شبكة الشاهد وأتمنى من القائمين عليها دوام الخير والتقدم

%d مدونون معجبون بهذه: