قضية نوفمبر (٢٠١١): الحرَْبُ الكِيْنِيَّةُ العُدْوَانِيَّةُ عَلَى الصُّوْمَالِ

[download id=”31″]

لماذا الآن؟

مرة أخرى، بعد حروب متعددة تشن على الصومال، حينا تحت شعار إعادة الأمل من قبل الإمبراطورية الأمريكية قي عام 1993، ثم تخلي الأخيرة الساحة تحت رعايتها لإثيوبيا كي تعيث فسادا في الأرض بحجة محاربة الإرهاب، منتهكة السيادة الإقليمية للبلاد، إلى أن استقر لها المقام في بيدوة، عاصمة إقليم باي لتحمي حكومة عبدالله يوسف. وفي ديسمبر 2006، تعطي الولايات المتحدة الضوء الأخضر وبالمشاركة الفعلية وبالدعم اللوجستي والإستخباري والعون المالي والاقتصادي من قبلها لإثيوبيا كي تحتل الصومال كله من أقصاه إلى أقصاه إلى أن دحرت من قبل الشعب الصومالي المقاوم.

وهاهي كينيا تدخل الحلبة في آخر الزمان لتنافس حليفتها التاريخية إثيوبيا التي تربطها بها معاهدة دفاع مشترك ضد الصومال منذ 1963، لتجرب حظها في معركة ما تبقى من استنزاف الوطن الجريح.

اضغط على الصورة لتنزيل التقرير

في 15 أكتوبر من هذا العام أعلنت كينيا الحرب على الصومال، فاخترقت قواتها البرية والجوية والبحرية الحدود الدولية للصومال حتى وصلت إلى مشارف مدينة أفمدو في عمق الأراضي الصومالية التي تبعد 200 كيلومتر عن الحدود الكينية، واحتلّت قواتها البحرية الجزر الصومالية الإستراتيجية القريبة من الحدود، وقصفت مطار كسمايو وشنت غارّات جوية على المخيمات المنصوبة للمتضررين من المجاعة، فقتلت وجرحت وشردت المئات منهم بشهادة منظمات الإغاثة الدولية. وأعلنت كينيا فرض حصار جوي وبحري على إقليم جوبا السفلى برمته. ثم هددت بالقصف الجوي عشر مدن صومالية من بينها مدينة بيدوة ومركة وكسمايو وأفجوي وجلب وبراوة، وأنذرت السكان باخلائها.

ثم، تم ضرب ثلاثة أهداف في مدينة أفجوي وفي كيلو 50 وفي مدينة مركة بصواريخ أطلقت من بوارج في البحر، وقامت كلّ من كينيا والولايات المتحدة وفرنسا بالتنصل منه. إلاّ أن الأرجح أنه من فعل القوات البحرية الفرنسية، لأن فرنسا أعلنت تأييدها للغزو الكيني للصومال على لسان وزير خارجيتها ألان جوبية، ولأسباب اقتصادية أخرى سيأتى ذكرها فيما بعد.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل سافر رئيس وزراء كينيا رايلا أودينجا على عجل إلى إسرائيل حيث تلقى وعودا مغلظة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتينياهو،كما أبرم معاهدة مع إسرائيل لتقديم كل وسائل الدعم الممكنة من بينها التدريب والاستخبارات والتسليح في الحملة العسكرية الكينية على الصومال.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، لماذا الآن؟ حيث يواجه الصومال أكبر كارثة مجاعة يعانيه العالم منذ الستين عاما الأخيرة، وحيث حشد العالم جهوده لمساعدة الصومال على التغلب على هذه المحنة بقيادة رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان الذي زار الصومال ليلفت انتباه المجتمع الدولي إلى هذه الكارثة، ثمّ كرر نفس المهمة من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولقد نجح بفطنته وحكمته أن يجمع دول منظمة التعاون الإسلامي على تخصيص مبلغ خمسمائة مليون دولار لمساعدة المنكوبين الذين يصل عددهم في الصومال وحده إلى 3 ملايين نسمة، وللمساهمة في عملية التنمية لقطع دابر الفقر الذي هو أساس عدم الاستقرار في الصومال. ويجب الاّ ننسى بهذه المناسبة انّ المجاعة وهذه الكوارث الطبيعية والبيئية التي نواجهها هي نتيجة مباشرة لحروب الاستنزاف التي تشن علينا مرارا وتكرارا التي أدت إلى كل هذه المآسي من الشتات والنزوح واللجوء والهجرة وتدمير المدن.

ثمّ، إنّ هذا الغزو الكيني يأتي مباشرة في أعقاب دحر حركة الشباب وتصفيتها في مقديشو، الأمر الذي يحصل لأول مرة بعد كل الدمار والفظائع والمجازر التي ارتكبتها هذه الفئة الآثمة. وبدلا من أن يترك الشعب ليتذوق حلاوة النصر ويلتقط أنفاسه للتفكير في الخطوة القادمة. وفي الوقت الذي بدأت فيه الحياة تدب في مقديشو، وبدأ النازحون والمهاجرون يرجعون والتجارة والتعمير تعود إلى مجراها الطبيعي، هاهم يغرقون البلاد في أتون حرب جديدة. إذاً، لماذا الآن؟

هذه محاولة منا للإجابة على هذا السؤال

إن ظهور دور منظمة التعاون الإسلامي ممثلا في الزعامة التركية، الذي استطاع أن يرفع القضية الصومالية سواء في جانبه الإنساني أو السياسي أو التنموي إلى بؤرة الاهتمام الدولي، ثم الاهتمام الشخصي للرئيس التركي بهذه القضية والذي دفعه إلى أن يقنع المجموعة الإسلامية بتخصيص مبلغ خمسمائة مليون دولار، وكذلك 280 مليون دولار أخرى مساهمة من الشعب التركي، لمساعدة الصومال لا لمحاربة المجاعة والقحط فحسب، بل لاجتثاث جذورها واستئصال الأسباب التي تكمن وراءها آلا وهي شح المياه وعدم انتظام دورات هطول الأمطار. لذلك تقرر بناء ستمائة بئر في مناطق الصومال الأكثر احتياجا إليها لمواجهة هذه الكارثة مرة كل عامين.

مغزى هذا الدعم الإنساني والسياسي والاقتصادي والتنموي من قبل دول ذات وزن عالمي كتركيا وماليزيا ومجموعة دول الخليج العربي وإيران، كفيل بأن يحدث تغييرا جوهريا في موازين القوى في القرن الإفريقي، ويضع الأسس لإعادة بناء الدولة وهياكلها الإدارية ومرافقها العامة وبنيتها التحتية، ويعود الصومال ليحتل المكان اللاّئق به بين مجموعة الأمم.

وكذلك فإن هزيمة حركة الشباب وتصفيتها من مقديشو، خلقت لأول مرة قوة دفع لاستتباب الاستقرار والأمن لا في العاصمة فحسب، وإنما في الصومال كله. فالعاصمة مقديشو هى الروح والقلب النابض للبلاد، يسكن فيها غالبية الشعب الصومالي وبها مؤسساتها الإدارية ومركز نشاطها التجاري والثقافي والتعليمي. وبؤرة ثقلها السياسي، ما يحدث في مقديشو ينعكس مباشرة على سائر القطر.

حدوث هذين العاملين الإيجابيين أربكا مخططات الحليفتين التوأم كينيا وإثيوبيا، لقد أخذتا على حين غرة، فانطلقت كينيا بعصبية ودون تدبر تعلن حربا شاملة برّا وجوا وبحرا لكي تقطع الطريق على الصومال حتى لا يخرج من دوامة الحرب. وتغير الأولويات، وتشغل البلاد في حرب جديدة، وتبعد العالم عن مساعدتها لمحاربة المجاعة والقحط ، وإغلاق مخيمات اللاجئين والنازحين في داداب التي تؤوي نصف مليون متضرر من المجاعة وطردهم إلى حدود الجمهورية الصومالية وتمنع الدول الصديقة من المشاركة في جهود إعادة بناء الصومال.

أهداف هذه الحرب

إنّ الهدف المعلن لهذه الحرب هو احتلال إقليم جوبا السفلى الذي عاصمته مدينة كسمايو بحجة مطاردة عناصر حركة الشباب المتهمة باختطاف السياح والأجانب من كينيا. واقتطاع هذا الإقليم هدف استراتيجي لكينيا كرد فعل وكهجوم مضاد للسعي لوحدة الأجزاء الخمسة من الصومال منذ عهد قديم. ثمّ أنّ هذا الإقليم يعتبر الأكثر ثراء من كل أقاليم الصومال من حيث الموارد الطبيعية الزراعية والحيوانية والحياة البرية والموارد البحرية والبترولية والثروة السمكية والسياحية والمعدنية. وبهذا الإقليم يوجد نهر جوبا الذي أنشئ في مصبه سد فانولي لإنتاج الطاقة الكهربايئة لتغذية التنمية الصناعية. هذا الإقليم يعتبر جوهرة الإقتصاد الوطني، وبدونه لن يقوم للصومال قائمة إذا استطاعت كينيا انتزاعها من الصومال.

وقد ركزت كينيا تدخلها في الصومال في هذا الإقليم منذ أوائل التسعينيات، في تنافس شديد مع إثيوبيا التي كانت تسبقها أحيانا في دفع زبانيتها إلى مراكز السيطرة في كسمايو، وكانت كينيا تسلّح المليشيات المتواطئة معها لنشر الفوضى في هذا الإقليم وزعزة الإستقرار فيه . وقد وصف الرئيس الكيني السابق «أراب موي» في محاضرة له بالولايات المتحدة الاستراتيجية الكينية في الصومال قائلا « ليس صحيحا، إن الصوماليين لا يستطيعون التصالح فيما بينهم، ولكننا لا نسمح لهم بذلك، لأننا نرى في وحدتهم خطرا على مصالحنا»
وقد قامت كينيا بمحاولات متعددة منذ إنشاء الحكومة الفدرالية لتوريطها – مستغلة ضعفها وعدم خبرتها- لتوقيع معاهدة بموجبها يقوم الصومال بالتنازل عن السيادة على مياهه الإقليمية في الساحل المطل على إقليم جوبا السفلى، وذلك بوساطة وتشجيع من النرويج التي كانت تريد استغلال الثروات البترولية في الحدود الكينية الصومالية التي جذورها تمتد في العمق البحري الصومالي، ولما فشلت هذه المحاولة أعادت الكرّة مرة أخرى بالتحايل واستغلال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المكلّف بشئون الصومال لإدراج موضوع تحديد المياه الإقليمية للصومال في جدول أعمال «خريطة الطريق» الخاص بإنهاء مؤسسات الحكم الانتقالي، أملا في استدراج الصومال للإذعان بأن تكون مياهه الإقليمية محدودة باثنتى عشرة كيلومترا، رغم وجود قانون صومالي يحدد المياه الإقليمية بخمسين كيلو مترا والمنطقة الإقتصادية الحصرية بمأتين وخمسين كيلو مترا. لكن هذا المسعى قوبل برفض قاطع وباحتقار من كل القوى الوطنية الحية.

هذا، وتؤكد مصادر مطلعة وموثوق بها بأن شركة توتال (TOTAL) البترولية التي اكتشفت مخزونات هائلة من الغاز الطبيعي في جزء من الساحل الصومالي المطلّ على إقليم جوبا السفلى، أطلقت عليه المنطقة (5L)، ثلثان منها تقع على الجانب الصومالي من الحدود البحرية، وثلث منها فقط يقع في الجانب الكيني. وهذه الشركة هي التي دفعت الحكومة الفرنسية إلي تأييد الغزو العدواني الكيني على الصومال، إذ صرح وزير خارجيتها ألان جوبيه بأن فرنسا تؤيد الحملة العسكرية على الصومال. كما تتباهى فرنسا بأنها تقدم الدعم العسكري لكينيا، وقد أعلن متحدث عسكري كيني بأن فرنسا ساهمت في القصف الجوي على مدينة كسمايو. ويجري التكهن بأن الصواريخ التي أطلقت من البحر التي استهدفت مواقع للشباب في مواقع متفرقة من الصومال انطلقت من البوارج الفرنسية في البحر.

ويرى بعض المحللين أن من دوافع هذا الغزو أن كينيا ستقوم بتوسيع مدينة «لامو» التي تبعد ستين كيلومترا عن الحدود الصومالية وجعلها مدينة صناعية، وستقوم ببناء ميناء ضخم فيها لخدمة أوغندا وجنوب السودان وإثيوبيا، وبصفة خاصة لتصدير البترول الأوغندي والجنوب السوداني منه، الأمر الذي سيتطلب ربط هذه المدينة بهذه الدول بشبكة طرق وخطوط سكك حديد وأنابيب البترول. ويتكلف هذا المشروع 40 بليون دولار الذي تعهد بتمويله كل من اليابان والصين وعدد لا بأس به من الدول الغربية والعربية، وفي نظر هؤلاء المحللين فإن كينيا في حاجة إلى مزيد من الأراضي لتحقيق هذا المشروع.

وتنظر كينيا بإعجاب وانبهار وغيرة إلى إنجازات إثيوبيا بسياساتها العدوانية نحو الصومال التي أدت إلى فصل صوماليلاند عن الجمهورية الصومالية، وكذلك تحقيق استقلال ذاتي في بونتلاند، وهيمنتها التامة عليهما من خلال التحكم على قوات الأمن فيهما عن طريق دفع نفقات ورواتب قادتها. ولا تزال إثيوبيا تواصل سياسة تفتيت الصومال بتمويل وتسليح المليشيات القبلية في حدودها الغربية مع الصومال في مناطق باي وبكول وهيران وجلجدود، وعلى رأس هذه المليشيات «تنظيم أهل السنه والجماعة». وتعمل إثيوبيا بشدة لتكرار تجربة صوماليلاند وبونتلاند في الأقاليم الأخرى تحت مسميات هيران لاند وباي لاند وجلجدود لاند، وأن السعي لتنفيذ هذا المشروع يتم بالتنسيق والتزامن مع التقدم في تحقيق المشروع الكيني في جوبا لاند.

وأثناء إعدادي لهذا الموضوع تحدثت الأنباء عن اختراق القوات المسلحة الإثيوبية للصومال وزحفها داخل الأراضي الصومالية إلى عمق 50 كيومترا.

وقد نشرت مقالات في جريدة »ديلي نيشن» الكينية، دعت الحكومة الكينية إلى التعاون مع إثيوبيا لكي تضم الأولى إقليم جوبا السفلى، مقابل أن تضم الثانية إقليم بونتلاند، لكن الأحلام الإثيوبية تمتد إلى أبعد من ذلك، فهي ترنو إلى احتلال الصومال كله، وستنازع كينيا في أطماعها في إقليم جوبا السفلى.

طريقة معالجة الحكومة لهذا العدوان

لا شك أنّ الحكومة الكينية قد خططت لهذه الحرب منذ مدة طويلة، إذ شجعت حكومة الشيخ شريف بمجرد إبرام اتفاقية جيبوتي على أن تقوم كينيا بتدريب مليشيات قبلية من أصول صومالية من حاملي الجنسية الكينية، تتولّى كينيا تسليحها وتحمل نفقاتها ورواتب عناصرها لمساعدتها على التصدي لحركة الشباب. وهدف كينيا من ذلك هو استعمال هذه المليشيات كحصان طراودة لتحقيق ما تسميه خلق منطقة عازلة في جنوب الصومال، وهو وصف معسول لهدف استراتيجي هو فصل منطقة جوبا السفلى برمتها عن الصومال وإلحاقها بكينيا.
ولمّا تأزمت الأمور في مقديشو، وضيقت حركة التمرد الخناق على الحكومة وضاقت بها السبل، استنجد الشيخ شريف بالحكومة الكينية علّها ترسل إليه هذه المليشيات لتفك عنه الحصار الذي كان يعانيه. فما كان من الحكومة الكينية إلاّ أن رفضت طلبه باشمئزاز قائلة أنها لن تمتثل لمساعيه، وإنما ستقوم بإرسال هذه الكتائب إلى المنطقة التي تريدها لخدمة مصالحها فقط، ملمحة بأنها لن تعمل إلاّ في منطقة جوبا السفلى لتحقيق الكيان الفدرالي في هذا الإقليم وأنّ هذا الإقليم سيكون منطقة عازلة بينها وبين الصومال، وهذا معناه انتزاع هذا الإقليم وضمه إلى كينيا.

هذه المليشيات هي الواجهة السياسية لمشروع الاحتلال الكيني، التي ستقوم بمهمة الشرطي لإخضاع السكان بعد إنهاء العمليات العسكرية.

وقد اتسم رد فعل الحكومة الصومالية للعدوان الكيني بالجبن والإرتباك والشلل، فبعد إعلان الحكومة الكينية عدوانها على الصومال، وتوغل قواتها إلى عمق البلاد وقصف طائراتها مدينة كسمايو واحتلال قواتها الجزر الصومالية، أرسلت وفدا برئاسة وزير خارجيتها ووزير دفاعها إلى مقديشو للحصول على موافقة ومباركة منها، إيمانا منها بضعف حيلة حكومة الشيخ شريف وقابليتها للتأثير عليها بممارسة الضغوط. وقد صدر عن مقديشو بيان في أعقاب هذه الزيارة لم يتعرض للعدوان الكيني، بل حاول في يأس إنكاره، في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام العالمية تبث بالتفصيل العملية العسكرية الكينية. وبعد أسبوع تكلّم الشيخ شريف شيخ أحمد، وقال جملة يتيمة، لم تتكرر بعدها، أنه لا يمكن أن يقبل انتهاك سيادة البلاد والمس بوحدتها الإقليمية. ثم سافر رئيس وزرائه إلى نيروبي، ووقع فيها علي بيان مع رئيس الوزراء الكيني مرحبا فيه ليس بالغزو فحسب، بل أعطاه الشرعية بادعاء أن العملية العسكرية الكينية حملة مشتركة مع الحكومة الفدرالية، وأن قواتها تعمل جنبا إلى جنب مع القوات الكينية لمحاربة «حركة الشباب»، وهذه فرية وبهتان بين يعرفه القاصي والداني، وتغطية رخيصة لأفظع جريمة في القانون الدولي، الآ وهي الحرب العدوانية غير المشروعة.

وقد فعلت هذه الحكومة نفس الشيئ مع إثيوبيا، عندما سمحت لها بتدريب مليشيات قبلية لخدمة أطماعها التوسعية بحجة تحضيرها للدخول في عمليات عسكرية ضد حركة الشباب، آملة بهذا السلوك الخانع أن تكسب ودها وتأمن شرّها، وهي الآن تدفع ثمن هذه الرعونة بزحف الجارين الجشعين، أحدهما من الجنوب والآخر من الغرب للإجهاض على الصومال.

هذا ويدرك المجتمع الدولي كلّه المشكلة الصومالية، ويعلم أن سببها الرئيسي هو زعزعة الاستقرار التي تمارسها هاتين الدولتين إزاء الصومال سرّا وعلانية، بالدبلوماسية وبإثارة الشقاق والصراعات الداخلية والتدخل العسكري وحشد التأييد الدولي لاستراتيجيتهما، ولذلك، فإنّ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المتعلقة بالحالة الصومالية تنص على احترام سيادة الصومال وحدوده الإقليمية، وتقضي بمنع مشاركة الدول المجاورة في القوات الإقليمية أو الدولية التي تعمل في الصومال لعلمه الدقيق بنوايا هاتين الدولتين، وأثر ذلك على الأمن الإقليمي والدولي.

ثم، أنّه حتى هذه الساعة لم تعلن الحكومة الحقائق على الشعب، ولم تعرض الموضوع للنقاش في البرلمان، رغم أنّ الوطن يتعرض لغزو من دولتين ولاحتلال حقيقي، وهذا يمثل إخلالا خطيرا بالمسئولية، وعدم أمانة في أداء الواجب الوطني. إنّه موقف يعكس عدم الكفاءة واللاّمسئولية والعجز.

وفي هذا الصدد، أستشهد بما كتبه الخبير الأمريكي المحيط علما بشئون القرن الإفريقي الدكتور مايكل أ. وينشتن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوردو في شيكاغو، في مقال له بتاريخ 14 نوفمبر الجاري، عن مغزى العدوان الكيني على الصومال حيث يقول «إنّ العملية العسكرية الكينية في الصومال تعتبر علامة إنذار للشعب الصومالي عن المستقبل المحتمل الذي سيواجهونه: الذي هو تقسيم أقاليم الصومال فيما بعد الإستقلال إلى إدارات ضعيفة تكون تابعة للدول المجاورة ( إثيوبيا وكينيا)، اللتين تعملان لتحقيق مصالحهما الخاصة وبالوكالة لحساب القوى الأجنبية الكبرى (الولايات المتحدة، والدول الأوربية الغربية وبشكل متزايد الصين). ولأول مرة منذ انهيار نظام زياد بري، ثمة احتمال كبير في أنّ الصومال الذي ظلّ في تيه سياسي لمدة عشرين عاما، وأنّ القرارات المتعلقة بمصير نظامه السياسي لم تبت بعد، فإنّ الأمر سينتهي بحلّ سياسي أكثر تحديدا، هذا الحل سيفرض عليه من قوى خارجية التي ستمارس تكتيكات «فرق تسد» لخلق دول تابعة عميلة، تستند بشكل واه على القبائل المسيطرة التي تقطن الأقاليم الصومالية. ومن الواضح، انّه لوتمّ تحقيق هذا السيناريو، فإن هذا سيعني نهاية ايّ احتمال في إمكانية أن يستعيد الشعب الصومالي حقه في تقرير المصير، والقدرة على الدفاع عن مصالحه في المسرح العالمي.

ثمّ يستطرد الدكتور مايكل أ. وينشتن، إنّ الصومال سيفقد ببساطة الكيان (الدولة) الذي من خلاله يعبر ويدافع عن حقوقه ومصالحه. وهذا بالطبع سيضعه في موقف ضعيف في عالم قائم على التنافس في العلاقات الدولية. وسيكون هذ التقسيم نوعا من الاستعمار الجديد. وهذا سيعني أن الشعب الصومالي سيكون دائما في موقف أسوأ، ولن يكون هو الذي سيتخذ القرارات التي تحدد مصيره، إن فقدان حق تقرير المصير ليس موتا، ولكنه التبعية.

الخلاصة

إنّ العدوان الكيني الإثيوبي على الصومال بمثابة رد فعل عفوي بسبب التشنج والذهول الذي أصاب صناع القرار في البلدين، الذين بهتوا من مدى التضامن الدولي لانتشال الصومال من كارثة المجاعة والقحط، الذي تجسد بزيارة رئيس الوزراء التركي لمقديشو، ورفعه القضية الصومالية ببعدها الإنساني والسياسي إلى المسرح الدولي عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقيادته لدول منظمة التعاون الإسلامي لتخصيص مبلغ خمسمائة مليون دولار، علاوة على المساهمة التركية المقدرة بمائتين وثمانين مليون دولارا لرفع المعاناة عن الشعب الصومالي والنهوض بعملية التنمية الاقتصادية، الأمر الذي سيخلق الأرضية للقضاء على المجاعة، ويمهد الطريق لعودة الاستقرار وتحقيق السلام في البلاد.

ثمّ أن تصفية حركة الشباب من العاصمة التي تمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي والسكاني للجمهورية الصومالية قد بعث الأمل في الشعب، وبدأ الناس يتدفقون على مقديشو للإقامة والعمل والبناء، نظرا لأن مقديشو هي التي تقرر مصير البلاد.

لم تكن هاتين الواقعتين في الحسبان في نظر الدولتين، إذ أنهما تريدان أن يتقاتل الصوماليون فيما بينهم إلى الأبد، ويدمروا بلادهم وتخور قواهم وتنكسر شوكتهم ولاتقوم لهم قائمة، لكي تصبح بلادهم لقمة سائغة. ومع اكتشافهما أن البساط سحب من تحت أقدامهما، وأن الصومال بدأ يقف على قدميه، وأن أنصارا جددا نزلوا في الميدان لمساعدته لا يرهنون مستقبل الصومال بمصالح إثيوبيا وكينيا، هنا أصابهم الهلع، وجن جنونهم، وفقدوا أعصابهم. فخرجت الجحافل مهووسة تقصف وتدمر وتعلن فرض الحصار جوا وبحرا وبرّا لتفرض واقعا جديدا للحيلولة دون استمرار عمليات الإغاثة وطرد المنكوبين من مخيمات اللأجئين، وتغيير الأولويات، والعودة إلى المربع الأول. إن الهدف هو أن ينشغل الصومال في حرب مستمرة مع نفسه ومع الآخرين. إنهم اعتبروا أن الفرصة ستضيع منهم، وهذا هو سبب هذه الحرب الخاطفة أمام اندهاش واستغراب وذهول العالم وعدم اقتناعه.

8 تعليقات

  1. اعجنى هذا المقال, شكرا للكاتب. يا ريت لو كان ساسة وعقلاء الصومال يقرئونه. من السهل تشخيص مشكلة الصومال. ارجو من الكاتب ان يكتب عن الحلول وكيف ننقد هذا الوطن التى تتداعت عليه الامم والأحزاب

  2. شكراً للكاتب شريف على هذا الملخص المفيد والذي لا يخفى عن الصوماليين الشرفاء منهم والذين لم يسمحوه بهذا ولمن يقف ورائه

    بدل ان يكون حامي حمى الوطن اصبح …. شريف احمد سبق وحاول بيع المياة وفشل بعد ان ثارة الامة عليه واليوم ها هي كينيا تحاول ان تعيد حساباتها من جديد ولكن بشكل مختلف عن السابق ولا اعتقد انها سوف تنج بهذا المشروع بل قذ تزداد الازمة ويتسع الخلاف وتخرج كينيا من الصومال كما خرجت اثيوبيا منها سابقاً الارض للامة الصومالية وليس الكينية والشعارات التي ترفع من اجل الغزو شعارات فاشلة لا اساس لها من الصحة حتى اصبح الامر وكأنه بعبع للاستخدام من قبلهم. لا متى سوف يظل الساسة الصوماليين يتلاعبون بالامة بتنسيق مع دول الجوار واهذار الدم الصومالي ويدفع الابرياء ثمن الغباء المستشري فيهم بلا نهاية.

  3. كل الشكر والتقدير لسعادة السفير على وقته وجهده. لطالما تساءلت عن سر الأزمة الصومالية وما اذا كانت العوامل الخارجية ام العوامل الداخلية الخاصة بالصوماليين هي سبب في كل ما جرى ويجري فلم اجد اجابة حاسمة واغلب الظن ان الشعب الصومالي يحمل كل عوامل الضعف والتفرقة بسبب خصوصية بنيته الاجتماعية ونمط حياته المعتمد منذ القدم على الحل والترجال والتصارع على الموارد المحدودة لشبه الجزيرة الصومالية.

    مطامع الدول الاخرى وخاصة الاوروبية والغربية في الصومال في الماضي والحاضر هو امر منطقي ومفهوم للأهمية الكبيرة لموقع الصومال او الصومال الكبير والاستراتيجي ولكن ما سهل مهمة تلك الدول في السابق واليوم هو ان المنطقة مأهولة بقبائل متناحرة متنافرة (تماما كما كانت شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام) لم يشفع لها العوامل التي تجمعها في لم صفوفها. من السهل إالقاء اللوم على المؤامرات الخارجية ولكن الحقيقة المرة هي ان كرهنا لبعضنا وأنانيتنا والعصبية القبلية هي التي مهدت لتلك المؤمرات. يجب ان لا يفاجأنا عدم وجود دولة في الصومال لان السؤال هو هل كنا موحدين قبل مجئ الاوروبيين في القرن 19 وهل كانت لدينا كيانات سياسية او ما شابه. كنا مجرد عشائر مبعثرة في طول وعرض القرن الافريقي كل همها البقاء على قيد الحياة. حتى لفظة الأمة الصومالية غير دقيقة ولا وجود لها على ارض الواقع. عن اي مؤامرات نتحدث ونحن نكره بعضنا ونحسد بعضنا ونتآمر ضد بعضنا اليعض.

    دمرنا دولتنا بأنفسنا فماذا نريد او ننتظر من العالم. نحن أضعف من بيت العنكبوت ثم نقول انتهت سيادتنا واستباحت ارضنا!! بلاش العالم تضحك علينا فنحن ننظر بعيدا ولا نرى الذي أمامنا.

  4. تحية لك السيد السفير
    مقالك مرجع للاستراتجيات مستقبل الصومال ارجوا ان تستفيد الساسة الصوماليون شكر لك

  5. Thanks ambassador sharif,you have really displayed and declared justifications on ground. your report which is rare to be met tells us what thousands of somali educators believe who are anxiously love and defend the interest of their nation. but i ask my self why our leaders are affected by political misslead?! is it really caused by less experience or they aimed to partiate the country in to small pieces which is under the control of the enemy? please do not stop let us go ahead to defend the land and recorrect the political turmoil of our country

    Best regards.

  6. ثم، أنّه حتى هذه الساعة لم تعلن الحكومة الحقائق على الشعب، ولم تعرض الموضوع للنقاش في البرلمان، رغم أنّ الوطن يتعرض لغزو من دولتين ولاحتلال حقيقي، وهذا يمثل إخلالا خطيرا بالمسئولية، وعدم أمانة في أداء الواجب الوطني. إنّه موقف يعكس عدم الكفاءة واللاّمسئولية والعجز.شكرا لك هذا البيان السحرى,ايا سعادة السفير هذه ليست حكومة منتخبة من قبل الشعب الصومالى انما صنيعة دول الجوار وخلفها امريكا هؤلاء شلة من المنتفعين والانتهازين والفاسدين لايراعون الالمصالحهم الضيقة, رئس كرزي متحالف مع اوغندى وينفذ مخططها الاجمرامى والتوسعى ورئيس البرلمان متحالف مع اثيوبيا ويروج افكارها,رئيس الوزراء اصبح بيد كينيا يشاطر بغزوها هذا هو حال بيت العنكبوت المتهالك المشرع قوانين المحتلين ويزخف للا بسطاء وعامة الشعب,شكرا لضميرك متيقظ

  7. عبدالله عيسي آدم

    من عاش في الصومال ورافق فكر الأمة في أي مرحلة يدرك أن لامستقبل لهذا البلد لأسباب عديدة

    أولها:
    أن الشعب جمهورية الموز مغرور بالدجل المستفحل، والضلال السرمدى، وكذلك الأوهام الخادعة – بحيث لايمكن إنتشاله من بؤر الفساد، وبوتقتة الإنحراف التي تتوسع يوما بعد يوم بنذر التفسخ والإنحلال! شعب ميكافيلي منافق يجيد المراءاة إلى أبعد الحدود، لايتواني عن إستخدام الدين وديمومة الدولة ودم الأبرياء لمصلحة شخصية أو عشائرية. شعب ليس له مبدأ، مستقبل أو مرام، ويعتبر بحق، أسوأ من قوم عاد وثمود، وقوم تبع وأصحاب الإيكة وقوم فرعون.

    قيل للبغل: “من أبوك” قال “الفرس خالي!

    ثانيها:
    المسألة كلها دناءة – ومحض حقارة ملئت النفوس…فأغتالت الإستقامة في قلوب الأمة.

    ثالثها:
    حقا لاأحد يريد إحترم الصومال، فهم لايحترمون بين بعضهم البعض.

    رابعها:
    ولا أحد يمانع إنقراض الصومال لأن 96% ميتة وبذلك أقرب إلى الفناء.

    خامسها:
    لا أحد يرغب في أن يجادل بلد مستقبله مرهون بعشائر بالكاد تعرف الجهات الأصلية.
    أما الصراخ والعويل، جزء أصيل من لعبة الإسترزاق التي تشمل بيع التبرعات، وأعضاء الأطفال، وحرق الأشجار، وإستضافة الأعداء (كينيا وإثيوبيا.)

  8. محمد حسين معلم علي

    شكرا جزيلا يا سيدي شريف محمد شريف محمود، فهمنا هذه المرارة العصيبة وما تتعرض بلادنا من الأخطار سواء من الداخل أو الخارج. لا أحد يستطيع أن ينكر ما ذكرته إلا أصحاب الهواء الذين دائما يدافعون عن أصنام العصر المتنوعة والمختلفة. ليتك يا سيدي مزجت مقالك الرائع بعض الاقتراحات والحلول المناسبة في سبيل الخروج عن هذه المحنة والأزمة المفتعلة. حفظكم الله في حلكم وترحالكم ودمتم دائما بالخير والبركة. تحياتي وأشواقي إليكم

%d مدونون معجبون بهذه: