هل آن الأوان لاستئصال الأسباب الكامنة وراء المجاعات؟

يتعرض الصومال اليوم لأكبر كارثة إنسانية واقتصادية وسياسية في تاريخه الحديث، ألآ وهي، كارثة القحط والمجاعة التي عرّضت حياة الملايين لخطر الفناء. وهذه الكارثة تضاف إلى سلسلة الكوارث المتراكمة التي حلّت بالصومال منذ انهيار النظام التسلّطي في عام 1990 ، من تفكك الدولة وتمزيق الوحدة الإقليمية للبلاد، وانتشار التشرذم القبلي، وشيوع الفرق الهدامة وعلى رأسها ” حركة الشباب” المزعومة التي ارتكبت من الجرائم والتخريب وتدمير كل مقومات والمصادر التي تعتمد عليها بقاء ووجود الشعب الصومالي ما لم يفعله أعدى أعداء الشعب الصومالي. وأخذت الأطراف الإقليمية التي كانت بالمرصاد للصومال منذ إعلان استقلاله تستثمر الفراغ الناشئ عن عدم وجود أيّ مظهر من مظاهر الدولة لترفع من أسهمها الإستراتيجية إقليميا وقاريا ودوليا على حساب الصومال، وتمارس الضغوط لاستمرارية الوضع الراهن والإمعان في إذلال البلاد بإقناع المجتمع الدولي لإنشاء كانتونات قبلية في ربوع الوطن كله، أطلق عليها من قبيل الدعابة والسخرية دولا فدرالية. ثم ، هناك مشكلة نهب الثروات البحرية والسمكية على الساحل الصومالي. وأخيرا، وليس آخرا، معضلة القرصنة البحرية التي فاقمت من المحنة الصومالية بتهديد حرية الملاحة مع الصومال، وتعطيل التجارة البحرية العالمية وانتشار الجريمة المنظمة على نطاق واسع.

إن المشاهد التليفزيونية المروعة للإنسان الصومالي، لا تهز الضمير الوطني فحسب، بل تدمي الضمير الإنساني أجمع، ومع ذلك، وفي خضم المعاناة والفاجعة، تلوح في الأفق بعض بشائر الأمل.

لقد كانت بادرة زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لمقدشوة بما يمثله من ثقل دولي ووزن سياسي واقتصادي لبلاده، فرصة نادرة لرد الاعتبار للشعب الصومالي، وللفت انتباه المجتمع الدولي إلى الوضع الصومالي برمته. وفعلا نجحت الزيارة في إثارة اهتمام المجتمع الدولي ولاسيما الإسلامي منه ، فتكررت الزيارات من دول إقليمية مهمة، من بينها زيارة وزير الخارجية الإيراني على أكبر صالحى وزيارة الأمير السعودي الوليد بن طلال، اللذين أصدرا وعودا سخية بالمساعدة وبالمساهمة في عملية التنمية. وجاء بعدهما وزير التنمية والتعاون الدولي الهولندي وكذلك نائبة وزير التعاون الدولي الأسباني. وقد سبقهم جميعا وزير الدولة للتنمية الدولية البريطاني ونائب وزير الخارجية الإيطالي، كما تعاقبت زيارات الوفود الدولية على أعلى المستويات.

ولا شك أنّ هذه الزيارات لا تنطلق من مبررات إنسانية، وإنما تعكس اهتماما سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا بالصومال. ولذلك، جاءت التعهدات بإقامة ممثليات دبلوماسية لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وتركيا وإيران.

هذا وقد لعبت منظمة التعاون الإسلامي بفضل القيادة الحكيمة لتركيا دورا محوريا في تعبئة الموارد والمساعدات على مستوى الدول الإسلامية للأخذ بيد الصومال من كارثة القحط والمجاعة، وتدفقت المعونات التي جمعت من الهيئات الشعبية بعد حملات التوعية عبر التليفزيونات في سائر الدول الإسلامية بلا حساب.

ولكن الكارثة الكبرى التي نواجهها أن البلاد لا تملك الهياكل التنظيمية والإدارية والمؤسساتية اللازمة للاستفادة من هذه المؤسسات وتوزيعها على من يستحقوها، وتحول دون الفساد والإنفاق على غرض غير الغرض الذي من أجله منحت هذه المساعدات. فليست هناك قوات مسلحة ولا قوات شرطة ولا بنيانا إداريا ولا مؤسسات لتقديم الخدمات وتتمتع بالمصداقية الداخلية والخارجية لتضمن حماية المتضررين واستمرارية المساعدات.

وأود أن أطرح بهذه المناسبة أنه لكي يمكن الاستفادة من النوايا الحسنة التي أبدتها الدول المختلفة والمنظمات الخيرية الدولية، يجب العمل على تخصيص نسبة كبيرة من هذه المساعدات لبناء الأسس والأسباب التي تحول دون تكرار مآسي القحط والمجاعات. وذلك بالقيام بالمشروعات التنموية البعيدة المدى وبناء الآبار الجديدة وترميم القديم منها.

وتجدر الإشارة إلى أن أم المشاكل في الصومال هي شحة المياه ، فهي السبب الرئيسي للفقر والنزوح والصراع القبلي والكوارث الطبيعية ودورات الجفاف والمجاعة التي تتكرر كل عامين. ويجب أن تكون في قمة أولويات التنمية حل مشكلة المياه.

ويحضرني بهذه المناسبة ، ما قرأته في كتاب ” الحديد والنار” والمقصود بهذا العنوان- الحرب الدامية التي خاضتهما بريطانيا وإيطاليا ضد حركة الدراويش بقيادة محمد عبد الله حسن- لمؤلفه الإيطالي كاروسيللي، الذي كان حاكما عاما للصومال الإيطالي في حقبة الثلاثينيات. ويروي الكاتب القصة المثيرة لتلك الحرب ومآثر وبطولات المجاهدين الصوماليين رغم معالجتها من منظور استعماري. يقول المؤلف أنه بعد اشتداد المعارك مع المقاومة، قررت الإدارة السعي لكسب مودة السكان واسترضائهم،فقررت حفر مائة وخمسون بئرا في مناطق متفرقة من البلاد. ورغم أنها لم تكمل خطتها لأسباب لم يذكرها، وإنما نجحت في إنشاء العشرات منها، ساعدت بدرجة كبيرة على تحسين مستوى المعيشة وتحقيق الإستقرار. والإستنتاج هنا أن الجفاف والفقر عامل رئيسي يدفع الإنسان إلى حمل السلاح لكسب قوت يومه.

كما أنني أتذكر أيضا ما قرأته لمؤلف إيطالي آخر نشر دراسة مستفيضة عن مؤسسة “سناي” في جوهر، الذي تكلّم أيضا عن العلاقة بين التنمية والماء ودور الآبار في حل مشكلة القحط وتوطين الرعاة وتحويلهم إلى مزارعين دائمين ونبذ الترحال وتحقيق الإستقرار. قال الكاتب، كانت جماعة من الرعاة الرحل تعيش في منطقة بورهكبة بإقليم باي، وكانت تتنقل عبر مسافات نائية بحثا عن الكلإ والماء، وهو الأمر الذي كان عرضة لأهواء الطبيعة وأهوالها وتقلباتها. ولما أنشئت لهم بئرا في موطنهم، استقر بهم الحال هناك لحصولهم على الماء بصفة دائمة، وتركوا الترحال والهجرة وحياة الرعي، وأصبحوا مزارعين دائمين. وتثبت هذه التجربة أنه إذا حلّت مشكلة المياه، فإنه يمكن القضاء على أساس الإنتاج الرعوي ( القبلي)، وإحلاله بنظام يعتمد على المعيشة في القرية أو المدينة والإستيطان الدائم، وبالتالي القضاء على القحط.

حبذا، لو قامت مجموعة من طليعة الشباب المستنيرين بإطلاق مشروع لتشييد ألف بئر في أكثر المناطق من الصومال احتياجا، ونظموا حملة توعية وتعبئة داخلية ودولية لإقناع المجتمع الدولي بالمساهمة في هذ ا المشروع العظيم سعيا وراء إنهاء أزمة القحط والمجاعة إلى الأبد.

لقد انبهرت بالكلمة المؤثرة التى ألقاها رئيس الوزراء التركي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس شيخ شريف في مقدشوة. فلقد جاءت في الوقت المناسب، وفي خضم المعاناة والضيق والعزلة المطبقة أن تأتي يد بمكانة تركيا لتقف معنا بكل قدراتها في المجال الإنساني والاقتصادي والسياسي لشيئ تاريخي وعظيم . أن تدخل تركيا بوصفها أهم دولة إسلامية في المعادلة الصومالية ليبشر بالخير والأمل، لاسيما وهى الدولة ذات التاريخ العريق في الحضارة الإسلامية والقوة الاقتصادية العتيدة، وبحكم ثقلها الإستراتيجي ووزنها السياسي على النطاق الأوربي وفي العالم الإسلامي وفي البلقان وفي البلدان القوقازية وذات الإستثمارات الإقتصادية الهائلة في إفريقيا ، فإنها لاعب دولي مهيب الجانب وشديد البأس.

أقول هذا لأنه تم الاستفراد بالصومال منذ عشرين عاما من قبل العالم الغربي وحليفتيه الإقليميتين، الذي أصبح مرتعا لاستنزاف البلاد وطنا وشعبا، إقتصادا ودولة لتحقيق أهدافه الإستراتيجية. وهذه حقائق يدركها كل ذي عينين. إن الدور الأمريكي المدمر في 1993 معروف. وعندما قررت الولايات المتحدة الإنسحاب أعطت الضوء الأخضر لإيثيوبيا لكي تنتهك السيادة الوطنية وتخترق قواتها المسلّحة لا في المناطق الحدودية ولكن في عمق الأرض الصومالية في بيدوة وفي بوساسو وفي كسمايو وفي غيرها من المدن لكي تدير وتوجه حسب أهوائها مااشتهر تسميته بالحرب الأهلية تحت تغطية أمريكية في المحافل الدولية وتعتيم إعلامي منظم. وحتى في مقدشوة وفي هرجيسة كانت المخابرات الإيثيوبية هي التي كانت تتحكم بقواعد اللعبة. ودور المخابرات الغربية ولاسيما الأمريكية منها في استمرارية الحرب الأهلية موثق في الأبحاث الرصينة والقيمة التي نشرته مركز الأزمات الدولية، وهو مركز أبحاث غربي في بروكسل وثيق الصلة بالمصالح الأمريكية. وأخير، وليس آخرا، عندما استطاعت القوى الوطنية هزيمة مليشيات أمراء الحرب المدعومة أمريكيا في عام 2006 ، وحررت البلاد ووحدتها بقيادة إتحاد المحاكم الإسلامية، ووقف الشعب الصومالي صفا واحدا مرصوصا وراء قيادته الجديدة، من جديد أصدرت الولايات المتحدة التعليمات إلى وكيلتها المدللة في إفريقيا لتغزو الصومال وتحتلّه مباشرة، وتهلك الحرث والنسل. ولم تقبل الولايات التخلي عن عبدالله يوسف واستبداله بالشيخ شريف شيخ أحمد، الرئيس السابق لاتحاد المحاكم الإسلامية إلاّ بعد أن قبل الأخير البرنامج المرسوم لأمراء الحرب، ألآ، وهو القبول بمهمة تقسيم الصومال تحت مسمّى تأسيس الكيانات الفدرالية.

إن النظر إلى الصومال لايزال هو هو، إنه بؤرة للإرهاب يجب تصفيتها، دون الإعتراف بحقه في تقرير المصير وفي السيادة الوطنية والوحدة الإقليمية والتنمية الإقتصادية والإجتماعية والكرامة المتساوية مع سائر الأسرة الدولية.

إذن، يجب الترحيب بالمبادرة التركية لأن تلعب دورا إيجابيا في حلبة الصراع في الصومال للخروج من القبضة الحديدية التي نحن معصورون فيها، وهي التي أبدت اهتماما واسعا ومضطردا في كل المجالات السياسية والإقتصادية، والبعيدة عن الفلك الغربي ، رغم علاقاتها المتينة معه، والتي تملك الإستقلالية في قرارها الدولي، كما أثبتت الأيام بوقوفها ضد الغزو الأمريكي للعراق، وصدها للصلف والعنجهية الإسرائيلية، ومساعدتها للدول الخاضعة للهيمنة الغربية لكي تقف على قدميها.

فلنوسع ولننوع في علاقتنا الدولية ليس مع تركيا فحسب، بل ومع العالم الجديد الصاعد ومن بينها إيران وماليزيا والهند والصين لفك الحصار المفروض علينا.

3 تعليقات

  1. كما جاء في المقال: “وشيوع الفرق الهدامة وعلى رأسها حركة الشباب” لقد تعاملت الحركة مع المجاعة بالشكل الذي أدى إلى تفاقم المجاعة، ليس فقط بطرد هيئات الإغاث وإعاقة توصيل المعونات إلى المحتاجين، ولكن بتدمير كل مصادر الثروة الضرورية لمواجهة خطر المجاعة، وذلك عن طريق إبتزازهم الأموال بتهديد السلاح من المسلمين بحجة “دعم الجهاد” وتحويل مجاري مياة الري عن المزارعين الذين لا يدعمون أعمالهم الإرهابية. وبالنظر إلى كل تصرفات حركة الشباب نحملهم المسؤولية الكبرى في تفاقم المجاعة، بما يشمل تجنيدهم للصبيان في العمل المسلح، الأمر الذي يحرم العديد من العائلات من العائل الذي يمكن أن تعتمد عليه العوائل كبديل بعد فقدان الزوج أو رب البيت في أعمال القتال.

  2. شكرا السيد السفير مقالك منتهى الاهميةونحن منتظرين منكم مزيدا من المقالات

  3. حقا إن عناصر حركة الشباب – ذراع “القاعدة” في الصومال – بجرائمهم وسطوتهم يخربون ويدمرون كل المقومات والمصادر التي يعتمد عليها وجود الشعب الصومالي. فهم الذين تسببوا في تفاقم خطر المجاعة الذي يهدد حياة إخواننا مسلمي الصومال. منذ زمن طويل وهم يمنعون وصول المساعدات إلى الصوماليين في أماكن سيطرتهم. وعندما تفاقمت المجاعة نفوا خبر المجاعة، ومنعوا المنظمات الدولية من مساعدة الصوماليين بعد أن سمحوا بذلك لفترة قصيرة. أيضا، تمنع حركة الشباب الصوماليين من الخروج من مناطقهم بحثا عن الغذاء. ولا يخفى على العالم كله تفشي الأمراض المعدية بين الصوماليين الذي تضاعف بسبب منع حركة الشباب لمجهودات التطعيم ضد تلك الأمراض حتى أصبح الصوماليون يموتون من الأمراض إلى جانب الجوع.

%d مدونون معجبون بهذه: