الصوفية الصومالية..تراث أمة وتاريخ مشرّف (٢/٢)

المدرسة هي النقطة الأساسية لترسيخ نور الإسلام وتحفيظ الطالب القرآن الكريم بأكمله، وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم في الصومال تسمي “الدكسي” ويعني المكان الآمن والدافئ الذي يحتمي به الإنسان.

وتعد هذه الخلاوي أهـمّ أكاديمية يتعلم فيها الأطفال الصوماليون منذ زمن بعيد، وهناك نظام وآداب توارثها الصوماليون جيلاً بعد جيل والفضل في ذلك يرجع إلي علماء الصوفية الذين كانوا يأخذون بأيدي طلبتهم إلى الأمام، ويربطون بين أبناء الشعب الواحد برابط الحلقة والعلم والقرآن.

ومن التكافل الاجتماعي الملحوظ في المدارس القرأنية في الصومال:

  • أن أهل القرية يصنعون من بعض الأشجار اللوح الذي يستخدمه الطالب في التحفيظ لأن قراءة القران من المصحف غير مسموح به في الخلاوي الصوفية تشجيعاً للحفظ.
  • من التكافل الاجتماع في تحفيظ القران في الصومال، أن إذا اشتد الظمأ وانقطعت الأمطار فإنّ الأهالي يفزعون الي طلاب الدكسي، ويطلبون منهم الاستسقاء مع الوعد بالعطاء إذا نزل المطر وانكشف القحط فيخرج الطلاب وعلى رؤوسهم الألواح المكتوب عليها قوله تعالي (فقلت استغفروا ربكم إنه كان توابا يرسل السماء عليكم مدراراً)
  • في كلّ يوم خميس يجتمع المعلم مع الطلاب في المدرسة وعلى محياهم يرتسم الفرح لأنهم مقبلون على الجمعة إجازة الأسبوع، وفي إجازتهم الأسبوعية يقوم الطلاب بأعمال جليلة يمكن تلخيصها في الآتي:

– الدعاء للوالدين إذا كان من المتوفين، وذلك بقراءة سورة الإخلاص 11 مرة.
– قراءة المدائح النبوية وإنشاد القصائد المولدية للرسول صلي الله عليه وسلم.
– زيارة المريض وقراءة الفاتحة ويس عليه طلباً للشفاء.
– بعض كبار الطلبة يساعدون معلمهم في الجمعة ويتولون حرث مزرعته أو حفر بئره.
– إذا كانت هناك ضالة منشودة يقرؤون الفاتحة ليردها الله لصاحبها.
– الدعاء للمعلم بالمأثورات المعروفة مثل (اللهم اجبر معلمنا ومعلمه ….)

ومن مظاهر التكافل الاجتماعي في الخلاوي القرآنية الصوفية في الصومال أن هناك وليمتان (وليمة صغري ووليمة كبرى، الوليمة الصغري فهي شاة يذبحها الوالد للمعلم على أن يشارك الجيران في الأكل، وذلك إذا وصل الطالب إلى آية (فصب عليهم ربك سوط عذاب) من سورة الفجر.

وأما الوليمة الكبري فهي عند آية (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (وتسمي وليمة التخرج (كسر القلم) حيث الطالب يكسر قلمه الخشبي الجديد مع تبادل الأدعية والتهاني

وفيما يتعلّق بدور الشيخ الصوفي في نشر العلم، فقد كانت هناك حلقات علمية كانت – ولاتزال- تدرس في المساجد والصوامع والمدارس الصومالية وكانت بمنزلة المعاهد والجامعات، حيث كان الشيخ الصوفي يتولي التدريس فيها لطلبة العلم، وكان طلبة العلم يأتون من كل حدب وصوب، من شتى المناطق الصومالية من دون وجود حدود جغرافية بينها.

كانوا يتلقون جميع الفنون العلمية الدينية من دون أجرة أو مقابل، وكانت جميع الطبقات الصومالية تحترم هذا الطالب الشرعي وتنظر إليه بعين الرحمة لأنه مستقبلها، وكان بعض التجار يتصدقون على طلية العلم وينفقون عليهم ومدينة (بارطيري) الصومالية هي أقرب الأمثلة لذلك.

وهناك مناطق اشتهرت بالتعليم الديني، فمثلا مدينة (عيل طير) تمثّل مركزا أساساً لنشر مفاهيم الدين بين أوساط المجتمع الصومالي، وكان يعكف فيها جحافل من العلماء المرموقيين في الفنون الإسلامية ممن لهم باع طويل في الفقه والنحو والتفسير والصرف وغيره من الفنون الإسلامية .

وقد تخرج في هذا المنبع جمع من العلماء المشهورين في نشر ونصرة الدين الإسلامي منهم العالم (الشيخ عثمان حدك) العالم الصومالي البارز والداعية الكبير، ورئيس لجنة الإفتاء والبحوث العلمية في المجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة، ومازال علمها حتي الآن، وأثناء احتدام الحروب الأهلية كان لا يزال باب المدينة مفتوحاً أمام طلبة العلم .

وإذا رجعنا إلى الوراء فمن المعلوم أنّ الطالب الصومالي كان في أمسّ الحاجة إلى فهم الإسلام في غابر الأزمان، ومن هنا اخترع بعض جهابذة الصوفية طريقة تسهّل على الطالب الصومالي فهم القرآن وقراءته، ورحم الله شيخنا الفاضل يوسف الكونين الذي اخترع الأبجدية الصومالية وتهجّي الأحرف العربية، وهي طريقة (ألف لكرطبي)، فحل بذلك مشكلة كان من حقها أن تستدعي تدخل خبراء في اللغة وعلم الأصوات.

وبالنسبة إلى المصالحة الصومالية وجهود إعادة الاستقرار إلى البلد الذي كثر فيه التنازع القبلي، والتناحر العصبي، وتتعاقب فيه نوافذ ثقافة الجهل والثأر، لعب علماء الطرق الصوفية الصومالية دورهم المناسب في رأب الصدع ونبذ الخلاف والعنف، وتطبيق منهج المصالحة وطيّ صفحة الحقد والشنآن. ومن مظاهر ذلك أنّ الحلقات العلمية كانت ولا تزال تجمع بين طلاب العلم من مختلف القبائل ولا تفاضل بينهم على الإطلاق، لسانهم لسان رجل واحد والأيدلوجية التي توحدهم ما هي إلا نصرة للدين، تأصلت فيهم معاني الأخوة الإسلامية، فهم متحابون في الله، فتري طالبا ينتسب الي القبيلة الفلانية يراجع الدروس الدينية جنباً إلى جنب مع آخر ينتمي إلي قبيلة أخرى ربما توجد بين عشيرتيهما أحقاد ونزاعات سياسية.

وانطلاقاً من هذه التجربة فإنّ ملفّ الأزمة الصومالية في رأيي يجب إحالته إلى أرباب الصوفية، لاسيما أنّني ألاحظ بصيص أمل لقبول عام للطريقة الصوفية وتبنيها، بعد أن أثبتت المذاهب والحركات الأخرى في الصومال إخفاقاتها، والمفرح أن منهج الصوفية بدأ تطبيقه في بعض المناطق الوسطى.

7 تعليقات

  1. ابوبكر احمد (الذرية)

    بسم الله والحمد الله اقول كلمة لْلاخ حسن صاحب المقال نعم تكلمت عن المدارس الخلاوى وكيف كانت الطلبة الصومالية يحفظون القران الكريم ولكن اعلم ان الصوفية ليست الوحيدة التى قامت بهذا العمل بل كانت من جهود العلماء الربانين الدين كانو آنداك فى الصومال .
    ومن الاسف ان الصوفية آنداك افسدت عقول العامة وسخروا بعقولهم حيث نشروا فى اوساط الناس بدع واشياء خرافاتية ما انزل الله بها من سلطان حيث كانوا ياتون الى البادية وينزلون عليهم ويطلبون منهم ان يذبحوا لهم احسن شاة ويقولون مقولتهم المشهورة الزائغة (ان الشاة الحسنة تحجب عنك البلاء ) وهذا اكل اموال الناس بباطل الدى حرمته الشريعة حيث قال الله (ولا تاكلوا اموالكم بينكم بلباطل ) .
    وهدا مثل فقط بل فعلوا ما هو اخطر من هذا منها الموليد واشياء اخرى ذكرتها فى الموضوع وانت تثنيهم وتجعل لهم فخرا ولكن لو انت تريد ان تقول الحقيقة لكان اجدر بك ان تردهم بهذه البدع والخرافات لا ان تثنيهم
    والكن رغم ثنائك لهم ظهرت الصحوة وْازاحت منهم عن الساحة وبينت للناس البدع التى كانوا يقومونها وكيف لعبوا بعقولهم وعلم الناس الحقيقة ورجعوا الى الله واتابوا وتبراو من افعال الصوفية وهذا لا يدل اننى ارد كل الصوفية لان الصوفية مرت بمراحل ثلاث : المرحلة اولى مرحلت الزهد والعبادة وكان منهم فضيل ابن عياض وغيره والمرحلة الثانية كانت قريبة للمرحلة الاولى اما المرحلة الثالثة وهى اخسهم واردءهم هى القبورية التى كانت منتشرة فى الصومال واعمت البلد فاْرسل الله لهم الصحوة وتخلصت منهم الا قليل من المدن ليس بالحرب فقط بل لنشر المنهج السليم .
    فانصحك يا اخى ان يكون لديك عينين سليمتين لا ان ياخدك العصبية فكن مع الحق لا مع الباطل
    اخيرا اختم بقول الله تبارك وتعالى (وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا)

  2. محمد عبدالله ظالي

    يا صديقي الغالي, يا استاد حسن البصري اقدم لك افضل التحية واحلاها. وبعد هدا انا معاك في السراء والضراء لتعبير الأفكار السليمة التي تؤيد الطرق الصوفية الفاضله التي لا مثيل لها في تاريج نشر الدين الإسلام في الصومال …وربما يوجد من لا يعتقد بان الصوفية قامت دورا فريدا لنشر الدين وترسيخها في الصومال لكن مهما كانت لا يخلوا قلوبنا تحب وتتعاطف مع الصوفية وندعوا لشيوخنا الفضلاء قادة الصوفية في بلادنا وكل البلدان الإسلاميه وغير الإسلاميه التي يوجد فيها الصوفية…والصوفية معناها الواضح التي لا يريد كل شخصا ان يجد بها تفسيرا هو الدي لا يتدخل كل ما يجري حوله من مشكلة ومحنة وفتنة بين المسلميين وان تدخل فلا تكون الا اصلاح دات البين.. لدي هل هدا امر خاطئ؟ عفي الله عما سلف, ونسأل الله ان يعف دنوب الدين يلقون الشتائم علي علماء الصوفية والدين يصفونهم بالصفات القبيحة كما وصفوا الكفار علي انبيائهم والعياد بالله…..وشكرا جزيلا لكم

  3. shukran walal xasan aad iyo aad iyad u mahadsantahay mowduucan aad ka hadashay laakin ma ogtahay in suufiyiinta looga soo horeeyay dalka somaliya waxaa diinta keenay dalka somaliya asxabtii iyo dulumadii salafkii ma ogtahay in ay soo gadhay dariiqada suufiyadu dalka somalliya waqtii masar ay xakumaysa dowladii la odhan jiray dowla faadimiya ee shiicada ahayd waqtii waxiii ka horeeyay waxaa somaliya diinta ka waday culumadii ku taagnayd dariiqada sunaha dhamana gaadhsiiyay somaliya oo dhan waxay somaliya dib u dhacday xaga diinta markii ay qabsatay dariiqada suufiya iyagoo taageero ka helaya quwadaha shisheeye waxayna ka mid ahayd dariiqada suufiyiinta wuxuu lagula dagaalamay somaliya halgalkii imaam axmed guray ee rugtiisu ahayd saylac waqtii kadib waxaa bilaamantay in la hubeeyo korna loo qaado gaalinta dariiqada suufiyiinta sidaa iyayna somaliya ku qabsadeen cadowgiina kaga guulaysatay mujaahidintii iyo halgamayaashii diinta waday markaa ka fiirsada suufiyiin iyaa somaliya diin keen waa waxba kama jiraan wayba la dagaalameen hadana diyaar iyay u yihiin in ay ciyaaraan dowrkoodii hore ee ahaa u shaqaynta gumaystaha

  4. الأتاذ الفاضل أبو أنس لك الحق في إبداء ما تراه من مخالفات حول الصوفية، وللأخ حسن البصري كذلك له الحق في نظر المتصوفة من الزاوية التي تعجبه، ومن هنا فإن الحقيقة تتكشف عندما تتم دراسة الموضع محل النقاش من مختلف الزوايا، وليس بالضرورة أن يكون كاتب واحد هو الذي يتولّى الأمر، بل كل يدلي بدلوه، والقراء ينهلون، ثم يوازنون الأمور بعقلهم وعلمهم، ومن هنا لا خوف علي عقيدتهم أو فكرهم أو سلوكهم.
    أخيراً أشكرك على ابداء رأيك حول المقال مع أحترام صاحبه وهذا ديدن أصحاب العقل السديد والفكر السليم والخلق الرفيع… وهذه هي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القائل ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

  5. كنت ومازلت حتي لآن من المحبيين بالقراءة في الشبكة الشاهد .. وأسعي دوماً أن أكتب تعليقاً بالمقالات لكي أعبر وجهة النظري تجاه المقالات الساخنة . وأشكر أستاد حسن البصري بكتابة هدا المقال . وأنطلاقا من القاعدة التي تقول ” خالفني ولكن إحترمني ” أن الصوفية هي التي حافطة التراثنا وهويتنا الاسلامية في فترات المختلفة التي كان شعب الصومال في طل الاستعمار غاشم . ولكن أخالف أخ عما ورد في زبدة الاخيرة من المقال . أعتقد أن الصوفية لاتستطيع بمواكبة الاحداث الساخنة في الصومال رغم ان إثيوبيا هي التي مددت يد العون بالجماعة – أهل السنة والجماعة – و شعب الصومالي لايريد جماعة موالية بإثيوبيا . وقلت سابقا و مازلت أقول أن من أحسن أن نتكلم الصوفية بالشكل منصف وليس إنصافاً أن ندكر و نكرر كلامنا بأشياء كانت الجماعة ساهمتها سابقاً…………. و أري ولا أقول أن راي هو السديد بل يأخد الصواب و الخطأ أن ندكر بأخطا ئها العقدية والبدعةالتي باتت جماعة معروفتا بها وان من ليس لدية علم كافي وباع بالعلوم الشرعية يطن أنها هي الصحيحة بالمنهج ……….. وفي زبدة الكلام مازلت أحترم أخ والاستاد حسن البصري في هذا المجهود التي بدل بها وأشكر الشبكة الشاهد و رئيس التحرير الموقع محمد الامين محمد الهادي …….. و معكم ألأف السلام أسرة الشاهد

  6. بالفعل تاريخ مشرف لأهل التصوف في الصومال حسبك أخي الكريم حسن البصري أن الذين ساهموا بنشر الإسلام هم أهل التصوف ياأخي كلما أتذكر عبث التكفيريين في المناطق الوسطى وكيف أفسدوا فيها حتى ضاق منهم الشعب فلم يجدوا بدا من الوقوف مع علماءهم أهل السنه والجماعه فوقفوا صفا واحد أما هؤلاء حتى تم تخليص الشعب وأصبحت هذه المناطق آمنه بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل هؤلاء العلماء الأفاضل كالشيخ أبويوسف القاضي والشيخ عثمان حدغ وريث السجاده الإدريسيه والشيخ المرحوم معلم نور محمود ومن كان معهم من المشايخ الفضلاء علماء الصوفيه هم من أحيوا التراث العربي إقرأوا الكتب العربيه المؤلفه منذ القدم كلها بالعربيه الشعب الصومالي كان يكتب العربيه بالفطره كذب من قل بأن الشعب الصومالي لم يعرف الكتابه إلا موخرا هناك تراث إسلامي زاخر يستمد قوته من هؤلاء العلماء الأفاضل علماء أهل السنه والجماعه هم علماء الزهد والتواضع مارأيناهم مزاحمين على كراسي الحكم تركوا الشعب يحكم نفسه وجعلوا من أنفسهم حراسا للشعب أسأل الله سبحانه بأن يوفق كل مسلم وكل باغي للخير
    وشكرا لك أخي الكاتب حسن البصري

  7. أنا أشكر أخي الأستاذ حسن البصري حول هذه السلسلة الجديدة عن الصوفية، ولكي أستغني به- عنه- فيما سأكتبه عن التيارات الإسلامية في الصومال في الحلقات القادمة من “مراجعات استراتيجية” فإني أوصي الأخ حسن أن يعمم ويمدد هذا الموضوع كي تشمل الجوانب السلوكية والسياسية والتراثية وما انتقد بهم من قبل خصومهم ، بشكل حيادي موضوعي جيد يستطيع أن يستفيد منه كل قارئ من مختلف التوجهات، أشجعك على توسيع هذه الحلقات كي لا أكتب عن الصوفية في حلقاتي القادمة بإذن الله
    والله معاك وأعانك

%d مدونون معجبون بهذه: