قضية يونيو (٢٠١١): ورقة كمبالا وإرهاصات ثورة الشباب الصومالي

[download id=”25″]

مقدمة

يتساءل كثير من المراقبين ما الذي جعل القادة الصوماليون يتعاركون حول مائدة فارغة؟ لماذا لا يعطون الأولوية للمشاكل التي تهم المواطن الصومالي مثل الأمن والمجاعة والفقر المدقع وتوفير المياه الصالحة للشرب، ومحاربة الأوبئة المتفشية والنزوح الجماعي من الأحياء الكبيرة في العاصمة ومدن الأقاليم الكبرى بسبب المعارك الشرسة بين القوات الإفريقية الممعنة في قتل المواطن الصومالي بقصد وبغير قصد، والقرصنة المنتشرة والنفايات السامة التي تدفنها الأساطيل الغربية في المياه الإقليمية الصومالية ولا يسأل عنها أحد وصيد السمك الجائر في المياه الإقليمية؟

وقد كان المواطن الصومالي يتوقع أن يخرج مؤتمر كمبالا بحلول لهذه الأسئلة وغيرها، ولكنه بدلا من ذلك فإن الإجتماع التاسع عشر لمجموعة الاتصال الدولية حول الصومال في كمبالا يومي 2و3 يونيو 2001م، ركز – وكان محوره الأساسي المعلن مسبقا – على كيفية إنهاء الفترة الانتقالية للحكومة الصومالية ودعوة القيادات الصومالية وبالتحديد رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان إلى تجاوز خلافاتهما والتوافق كضرورة محلية ووطنية ومطلب دولي على صيانة أمن الدولة، إعداد الدستور والتحضير للانتخابات المقبلة وإصلاح البرلمان الحالي الذي يعاني من التضخم في العدد وفق جداول زمنية ووفق رؤية مسؤولة. والمعلوم أن مجموعة الإتصال تعقد اجتماعات دورية في كل سنة مرة للبحث والإطلاع عن كثب على آراء وطموحات القادة الصوماليين السياسية الذين عادة ما يكونون متعاركين على أقل ما يمكن وصفه بأنه أوهام بعيدة عن الواقع ومصالح الوطن الحقيقية، وبالتالي تقديم المشورة والمقترحات الضرورية للدول الغربية المانحة، ولا أحد يعلم ماذا تمنح الصومال حتى تسمي نفسها “الدول المانحة”.

انحراف عن الأجندة الرئيسية في المؤتمر

انعقد مؤتمر مجموعة الاتصال الدولية حول الصومال لإقرار أو رفض طلب الحكومة بالتمديد لها سنة بعد شهر أغسطس القادم، لإتمام مهمة الأمن التي بدأتها حكومة رئيس الوزراء فرماجو بالهجوم العسكري الكاسح والذي توصلت من خلاله إلى نتائج وُصفت بالمشجعة حيث إن المعارضة الإسلامية فقدت ما مجموعه 80% من مناطق سيطرتها في العاصمة مقديشو وحدها بما في ذلك سوق بكارو المصدر الاقتصادي الكبير بالنسبة لها بعد رحيل كل التجار عنه وجعله منطقة مهجورة، وتشتيت مقاتليها في مناطق ملتهبة متعددة في الأقاليم المتباعدة.

لقد اختلف رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان حول انتهاء الفترة الانتقالية في شهر أغسطس حيث كان الأول يريد تمديد ولاية الحكومة لفترة لا تقل عن سنة بينما لاح للثاني وهو جالس على مقعد الرئاسة الساخن بعد أن ضمن أصوات معظم أعضاء البرلمان، وانقسمت الدول المجاورة بين الرجلين. فقد أيد وبقوة الرئيس الأوعندي يويري مسفيني زميله شريف شيخ أحمد وقال أمام المؤتمرين أنه إذا لم يتم التمديد للحكومة فإنه سيسحب قواته مما يعني استيلاء المعارضة على البلاد بأكملها في وقت قياسي، وأيده في ذلك الرئيس البروندي بيير نيكورونيزيزا، وبتأييد بنفس الدرجة من السودان وجيبوتي، في الوقت الذي أعطت فيه إثيوبيا تأييدا كاملا لرئيس البرلمان حسب الصحافة المحلية، وقد لاحظ جميع المشاركين في المؤتمر الغياب التام الذي سجلته إثيوبيا بخلاف المؤتمرات السابقة التي كانت فيها دائما سيدة الموقف، ولم ترسل حتى ممثلا صغيرا من سفارتها في كمبالا ناهيك عن وفد أرفع مستوى إلى المؤتمر للجلوس على الطاولة التي خصصت للوفد الإثيوبي المتوقع وكان العلم الإثيوبي باديا على الطاولة الشاغرة من بداية المؤتمر وحتى نهايته ربما لعلمها المسبق بموقف الرئيس الأغندي الحاسم من العملية برمتها، وكان خطابه فعلا بمثابة الفيتو أمام أية محاولة لمناقشة انتخابات مبكرة محتملة، أما كينيا فقد كانت رِجلاها موزعتين بين الفريقين.

أما الأمم المتحدة ممثلة بالسفير أوغسطين مهيغا مندوب الأمين العام للأمم المتحدة في الصومال، فقد كان ينادي بمنح الانتخابات فرصة منذ انعقاد المؤتمر الصومالي التشاوري في منتصف شهر أبريل الماضي الذي قاطعته الحكومة الصومالية، وذكرت مصادر مقربة من المؤتمر أن الرجل بما لديه من طموحات سياسية عالية مستقبلا في بلاده (تنزانيا) ما يعني أنه يريد نجاحا كبيرا للحكومة الصومالية، وهي بالتأكيد ستكون لصالحه في سجله السياسي القادم حتى يستطيع أن يفتخر بأنه رجل المعجزات الذي حل ما عجز عنه سابقوه في الصومال، وهنا يقال إن خوفا مبطنا ينتابه من تصرفات وقرع أجراس التنبيه والمساس على أمور كانت سابقا غير قابلة للتناول ومنها ترحيل مكاتب الأمم المتحدة المعنية بالصومال من نيروبي إلى مقديشو خلال 90 يوما، ومطالباته المتكررة بالمحاسبة والشفافية حول ملايين الدولارات التي يقال إن المجتمع الدولي يمنحها للصومال وتذهب أدراج الرياح برحلات الطيران المكوكية لموظفي الأمم المتحدة وكذلك في المرتبات الخيالية لموظفيهم، وتناول رئيس الوزراء أيضا لمسألة إيرادات الطيران المدني الأجنبي الذي يعبر فوق أجواء الصومال والذي تفيد بعض التقارير أن الرحلات العابرة تزيد على 400 رحلة خلال الـ 24 ساعة من كل يوم من شركات مختلفة مثل شركة الخطوط الجوية البريطانية والفرنسية والعال الإسرائيلية وغيرها من شركات الطيران المتجهة من وإلى الجزر الواقعة في المحيط الهندي وما أكثرها، وتجني الأمم المتحدة إيراداتها التي تقدر بالملايين ممثلة بالبرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة الذي نصب برج المراقبة والاتصال والتحكم بالطيران المحلق فوق الأجواء الصومالية في نيروبي منذ وقت مبكر من انهيار الحكومة المركزية في الصومال ولم يُسمع مسؤول صومالي قبل رئيس الوزراء الحالي يعير مجرد اهتمام لهذه القرصنة المقننة من قبل الأمم المتحدة، وقد تكون تلك المطالب تنال استحسان المواطن الصومالي إلاّ أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة للبرنامح الإنمائي التابع للأمم المتحدة والمنتفعين الآخرين من أرباحه الطائلة وهنا يقال إنها التي أصابت رئيس الوزراء في الصميم بكمبالا رغم ما يشبه المعجزات التي حققها على ميدان المعركة ضد المعارضة الإسلامية وشهد لها الأعداء قبل الأصدقاء.

إنحراف مؤتمر كمبالا عن مساره الطبيعي

يتساءل الكثير من المراقبين ما الذي جعل مؤتمر كمبالا ينحرف عن مساره الطبيعي؟ فقد كان يتوقع إما أن يضغط نحو إجراء الانتخابات في رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان كما كان يطالب به دولة رئيس البرلمان، أو أن يوافق على طلب الحكومة بمنحها مهلة سنة إضافية، غير أنه خرج بمقررات بعيدة عن تلك الأجندات للأسباب التالية حسب اعتقادنا:-

  1. التذبذب في اتخاذ القرارات المصيرية وربما عدم الحنكة السياسية التي يقال إن بعض قيادات الدولة يعانون منها، حيث إنه وبعد الموافقة المبدئية التي أجمع عليها المجتمع الدولي على منح الحكومة مهلة السنة التي طلبتها خاصة بعد الفيتو الأوغندية وعدم اعتراض رئيس جمهورية بروندي والتأييد الكامل من السودان وجيبوتي ومفوضية الاتحاد الإفريقي، كان يتوقع أصحاب النوايا الحسنة أن يغادر الرئيس والوفد المرافق له إلى أرض الوطن لاستكمال المسائل المتبقية باعتبارها شؤونا محلية ليس لأحد أجنبي المشاركة في تقرير مصيرها، والشروع في المؤتمر الذي دعا إليه المؤتمر التشاوري بالعاصمة الكينية نيروبي في أبريل الماضي وكان من المقرر أن تبدأ أعماله في الثاني عشر من الشهر الجاري ويبدو أنه ذهب أدراج الرياح، ولأن رئيس البرلمان كان معترضا على هذا المؤتمر بشدة وطلب بتحويله إلى دولة أخرى لضمان حظوظ أفضل له في نتائجه، وأعلن رئيس الوزراء أنه تأجل إلى نهاية الشهر لضيق الوقت المخصص للإعداد له وذلك قبيل مغادرته إلى كمبالا بعد استدعائه إلى هناك لإبلاغه أنه لم يعد مرغوبا فيه من قبل رئيس الجمهورية، سنده القوي وصاحب الفضل على إخراجه من دهاليز أمريكا إلى الأضواء الصومالية الملتهبة التي صنع منها مستقبلا سياسيا لامعا.لم يعد الرئيس على وجه السرعة إلى مقديشو بل إنه مكث وانتظر حتى قيدوه بوابل من المطالب التي يقال إن الهدف النهائي منها إحراق ورقته وتمزيق سمعته من أجل ضمان خروجه عن الساحة السياسية على الأقل بعد السنة المحددة في ورقة كمبالا، وأخضعوه في نهاية المطاف إلى العملية القيصرية في تقاسم المناصب الحكومية مناصفة بينه وبين رئيس البرلمان باستبعاد رئيس الوزراء من السيناريو السياسي وأعضاء حكومته التكنوقراط الذين جاء بهم من المنفى، وقد تكررت في الشهور القليلة الماضية أنباء طالما تحدثت عن أن هذه الحكومة تشكل مصدر قلق بالنسبة لبعض دول الجوار التي لا تريد استقرارا ولا تقدما للصومال، بسبب التماسك والتنسيق بين أفرادها والعمل في الساعات الطويلة بالدوائر الحكومية، ومحاربة الفساد، وقد التزم أعضاؤها بالسفر على خطوط الطيران المدنية مثلهم مثل بقية أفراد الشعب، وهناك أعداد كبيرة من شركات الطيران الأوربية الجاهزة في مطار نيروبي للإيجار من قبل الأمم المتحدة كلما طلب أفراد الحكومة ذلك وتوقفت عن عروض الاستئجار بشكل شبه كامل، الاّ ما كان لسفريات رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وهي سفريات محدودة في نهاية المطاف، وهنا ينبغي تسجيل ملاحظة واحدة وهي أن تلك الأموال التي تدفعها الأمم المتحدة لتلك الشركات لا تعطيها للحكومة إذا ما طلبتها منها نقدا لصرفها في شكل مرتبات على الجيش وقوات الأمن وعمال وموظفي الخدمة المدنية في دواوين الحكومة المختلفة.
  2. العداء الآنف الذكر بين الحكومة والأمم المتحدة بسبب إثارة مسألة المحاسبة والشفافية في دوائر الأمم المتحدة والذي يعتقد بعض المراقبين أن الحكومة بالغت فيها أكثر بمطالباتها المتعددة في إعادة فرز سجلات المكتب السياسي التابع للأمم المتحدة حول الصومال وبقية وكالاتها فيما يتعلق بالموظفين والعمال الصوماليين حيث تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن نسبة الصوماليين العاملين فيها قليل مقارنة بالموظفين والعمال الأجانب وهو أمر قال رئيس الوزراء فرماجو في أكثر من مناسبة أن حكومته لن تقبل به مهما كلفه ذلك من متاعب.
  3. الجد والتصميم الذي أخذه على عاتقه بتحسين أوضاع العمال والموظفين الذين عانوا طويلا من الإهمال في ظل الحكومات السابقة وقد انتظمت المرتبات لجميع منسوبي الدولة إبتداء من ديسمبر من العام الماضي وحتى تاريخه، وبرغم قصر فترة حكومته فقد حققت العديد من الإنجازات على الصعيد الخارجي والداخلي ونجحت في إعادة تنظيم القوات المسلحة وتجهيز الجيش وقد أدى ذلك لإستبشار الشارع الصومالي بأن الصومال يدخل مرحلة جديدة ما أكسبه شعبية لا يتمتع بها أي من القيادات الصومالية الحالية وبذلك أصبح مخيفا للجميع بما في ذلك الدول المجاورة والمجتمع الدولي الذي يقول لسان حاله المطلوب في الصومال رئيس وزراء فاشل وليس رجلا ناجحا يخرج البلاد من حالة الدولة الفاشلة.
  4. السعي الدؤوب من قبل بعض الدول المجاورة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة وربما أيضا وكيل أمين عام الأمم المتحدة لإرضاء رئيس البرلمان الذي كان متأكدا أنه إذا ذهب إلى مقديشو بعد انتهاء أعمال المؤتمر فإن مطالبه بالحصول على حصة أكبر في تقاسم المناصب الحكومية ستكون ضعيفة وبالتالي ضغط على رئيس الجمهورية وربما كان يعرف أن نقطة ضعفه تكمن في الضغط عليه بإصرار وأنه سيقبل في النهاية مطالبه خاصة عند التلويح بخسارة الجميع في حالة الركود وعدم التقدم وشبح احتمال فقدانه لمنصبه كرئيس للجمهورية.
  5. الشرط الذي تمسك به رئيس البرلمان أن رئيس الوزراء لا يمكن أن يحدث بينه وبين أعضاء البرلمان أي نوع من أنواع التعاون ولا يمكن أن يثق به مذكرا ما اعتبره سبا وتجريحا لمؤسسة البرلمان إبان مشاركة رئيس الوزراء في جلسة مجلس الأمن بنيويورك التي عقدت حول الصومال في الحادي عشر من مايو الماضي.
    لهذه الأسباب وغيرها تم تحميل جميع الأوزار والخطايا على رئيس الوزراء وحده ودون غيره والتي باعدت بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الذين كانا رفيقا درب خلال فترة طويلة، وجعله كبش الفداء حتى تعود المودة الضائعة بين القائدين، ويقال إن أكبر مبرر أقنع به رئيس البرلمان زميله القديم أن في وحدتهما يكمن طوق النجاة بالنسبة لمستقبلهما السياسي وإذا اتحدا فإنه يمكن أن يضمن رئيس البرلمان التجديد لهما بعد السنة المحددة في الإعلان وهي أمور سيبرهن المستقبل عما إذا كان رئيس البرلمان يقرأ الواقع السياسي قراءة صحيحة، وكذلك إعادة صفو الحياة ومراعاة خاطر دول الجوار التي أبدت المخاوف من هذه الحكومة التي يغلب عليها مبدأ الجدية في إعادة الصومال إلى سابق مجده، ويعتبر كثير من المراقبين أن حكومة فرماجو حاولت ذلك لكنها قد تكون محاولة سابقة لأوانها، حيث إن عوامل كثيرة غير مساعدة جاهزة في الوقت الحالي لمثل عمل جاد كهذا في إعادة الصومال إلى موقعه الطبيعي في القارة الإفريقية، والدليل على ذلك التكالب الشرس عليها والعقبات المميتة التي توضع أمامها داخليا وخارجيا 

    اندلاع ثورة الشباب الصومالي في مقديشو

ما أن كُشف اللثام عن ورقة كمبالا التي أمنت ولمدة عام كامل منصب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ونائبيه من المساس بأية مطالبات بالإسقاط، وأجبرت في نفس الوقت رئيس الوزراء بالاستقالة من منصبه حتى سبقت المظاهرات العارمة التي لم يعرفها الصومال سنين عديدة مثيلا لها وصول طائرة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الذين كانا يستقلان طائرة واحدة واجتاحت المظاهرات الحواجز الأمامية للمطار واستقبلت رئيس الوزراء استقبال الأبطال ووعدت بعدم وقف المظاهرات حتى يتأكد للشباب المتظاهرين عدم استقالة الحكومة، وتطورت في الأيام التالية إلى مظاهرات شاملة في المدن والقرى الصومالية ووصف البعض أنها تطرفت حين أحرق المتظاهرون صور رئيس الجمهورية ودمروا بعض الممتلكات كالسيارات والفنادق والمباني العامة.

اندلعت الثورة بعد الاستماع إلى الأخبار التي تناولتها جميع وسائل الإعلام المحلية عن توصل قطبي الزعامة الصومالية رئيسي الجمهورية والبرلمان إلى اتفاق يقضي باستقالة رئيس الوزراء، وكانت تلقائية وعفوية في البداية ومن غير تنظيم ربما لأنها كانت بركانا كامنا مدة طويلة في نفس الشعب الذي ذاق الأمرين بأيدي زعماء الحرب وقتا طويلا ثم المحاكم الإسلامية التي لم تخل من الهمجية والتسرع وبعدها بحكومة عاجزة أصبحت محصورة بمنطقة ضيقة وراء شارع مكة المكرمة ومدافع القوات الإفريقية التي تنهال على الأحياء كالمطر وتسببت في هجرة ونزوح الآلاف من المواطنين من أحيائهم في العاصمة، وفوق هذا وذاك تكميم الأفواه والقسوة في القتل ومصادرة جميع أنواع الحريات من قبل المعارضة الإسلامية.

في اليومين التاليين أصبحت تأخذ طابع التنظيم عندما أصدرت منظمات المجتمع المدني وشيوخ القبائل وشرائح كبيرة من قطاعات التعليم بيانا بعد اجتماع مطول طالبوا فيه بإلغاء الفقرة القاضية باستقالة رئيس الوزراء من منصبه، وشعر القصر بتهديد حقيقي وبدأ الناس يتحدثون عن انتقال شرارة الثورة العربية المباركة إلى مقديشو، خاصة عندما توجه المتظاهرون إلى مقر رئيس البرلمان القريب من القصر الرئاسي وهددوا بالاعتصام أمامه إلى أن تتم التلبية لمطالبهم بعدم إقصاء الوزير الأول من منصبه وهو إقصاء ظهر وكأنه عقاب له على إنجازاته العظيمة.

استمرت المظاهرات حتى أضطر القصر إلى إصدار تعليماته إلى قوات الأمن بمنع المتظاهرين من الظهور في الشوارع مرة أخرى خشية أن تندس فيهم عناصر من المعارضة الإسلامية حسب بيان الحكومة، وقد تجاهل المتظاهرون هذه التعليمات وخرجوا في يوم الثلاثاء 14 يونيو الجاري، وتصدت لهم قوات الأمن التي اعتقلت أعدادا كبيرة من المواطنين العاديين وطلاب المدارس والصحفيين، ويبدو أنها أجبرت على التوقف غير أنها ما زالت مستمرة في المدن المختلفة بالأقاليم، وإن دلت ثورة الشباب هذه على شيء إنما تدل على أمر واحد هو أن الشعب الصومالي صحا من النوم وعرف التمرد على الزعامات الزائفة كما عرفت ونجحت قبله الشعوب العربية التي أسقطت أكبر دكتاتوريتين هما دكتاتورية تونس ومصر، وأصبح واضحا أن الشعب سيلعب بعد الآن دورا في تقرير مصيره وأنه سيثور حتما على كل الفاعلين السياسيين بدون خوف أو وجل سواء ضد الحكومة الانتقالية العاجزة أو من المعارضة الإسلامية التي اختارت أن يبقى الصومال متخلفا سنين عديدة عن ركب التقدم والتحضر والعيش بحياة كريمة مثل الشعوب الأخرى التي تتمتع بالطمأنينة وأن هدوء الثورة الآن ولو بقوة قوات الأمن لا يعني عجزه عن استئناف الثورة إذا قامت الحكومة أو أي جهة أخرى مؤثرة في الساحة الصومالية بخطوة لا ترضي الشعب، فقد صبر الشعب بما فيه الكفاية على تحمل جلادين وأطماع سلطة من كل الاتجاهات ولم يجد من يرحمه ويبدو أن ثورة الشباب خلقت أملا جديدا في الصومال.

ورقة كمبالا خلطت أوراقا كثيرة

إن إعلان كمبالا أحدث انشقاقات جديدة في صفوف أعضاء البرلمان، الذين أعلن الكثير منهم فور صدور البيان الختامي لمجموعة الاتصال الدولية في كمبالا أن رئيسهم خان المبادئ الأساسية التي كان يعمل لها التعبئة العامة في أوساط النواب منذ شهور المتمثلة في تنظيم انتخابات عامة بالبلد قبل حلول العشرين من أغسطس القادم نهاية الفترة الانتقالية لإحداث تغييرات جوهرية في تركيبة هرم القيادة ربما للتخلص من رئيس الجمهورية، تركهم لوحدهم وبدون الرجوع إليهم ليجدوه مساومة على حصة في حكومة قادمة اشترط أن لا يكون رئيسها السيد فرماجو الذي تمرد عليه منذ تعيينه ولم يشركه لا في الرأي ولا في إعطاء مناصب لأنصاره ومريديه عند اختيار أعضاء الحكومة، وظهر رئيسهم وكأنه يقدم مصلحته الشخصية على كل شيء، لكن ما لم تنص عليه ورقة كمبالا بصراحة هو: هل يجب عرض الاتفاقية على البرلمان للتصديق عليها أم أصبحت شرعية تلقائيا منذ توقيع رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وممثلين عن الدول الراعية للمؤتمر في كمبالا وممثل المنظمة الدولية؟

فإن كثيرا من أعضاء البرلمان يجادلون بأنه يجب عرضها على البرلمان للتصديق عليها حتى تأخذ الصفة القانونية وهذا أمر يعتبرونه من الواجبات المقدسة في وقت يبدو أنه لا يوجد بالصومال أمر مقدس، وفي حال أصر رئيس البرلمان بأنه غير ملزم لعرضها على البرلمان فإن هذا سيُعتبر استهانة وتجاوزا على القانون وعلى الهيئة المُشَرعة نفسها (البرلمان) مما سيجعل العملية السياسية في مقديشو برمتها تتحول إلى قانون الغاب، وبالتالي يفقدها الاحترام والهيبة والصفة القانونية وقد يكون مدخلا لأمور أخرى أكثر سوءا وهي أمور يبدو أن رئيس البرلمان لم يأخذها في الحسبان منذ البداية.

ثم إن رئيس الوزراء الذي لم يوقع على ورقة كمبالا ذات البنود العشرة والتي طالبته بتقديم استقالته خلال 30 يوما من تاريخ التوقيع عليها، ما الذي يلزمه بتقديم استقالته قبل عرض الاتفاقية نفسها على أعضاء البرلمان لتقنينها رسميا، وربما كانت الحكومة أشارت إلى هذه النقطة في البيان الصادر (أنظر إلى الخبر الوارد في شبكة الشاهد بتاريخ 12/6) عن أول إجتماع لها بعد إعلان كمبالا في يوم السبت 11 يونيو الجاري ظنا من الحكومة بأنها قد تكون ورقة رابحة في نهاية المطاف وأنه يمكن أن تعيق رئيس البرلمان من الحصول على النصاب القانوني لتمريرها، وقد يرفض رئيس الوزراء أن يقدم استقالته وهو احتمال ضعيف، لكن يبقى السؤال هل سيكون بإمكان الرئيس شريف تعيين رئيس وزراء جديد على رئيس الوزراء الحالي علما أن الميثاق الوطني ينص بأنه يمكن طرد رئيس الوزرء عن طريق طرح الثقة من خلال جلسة البرلمان، وليس عن طريق إصدار المراسيم الرئاسية، وهي الإشكالية التي وقع فيها رئيس الجمهورية يوم إصداره فرمانا يعفي رئيس الوزراء السابق عمر عبدالرشيد شرماركي من منصبه ثم ما لبث أن اكتشف الخطأ الفني في المرسوم وعاد منه لتأخذ عملية إقصاء الرجل وقتا أطول للمساومة والإقناع وهلم جرا.

السيناريوهات المحتملة في السياسة الصومالية:

  1. تؤكد المصادر المقربة من القصر أن الرئيس شريف أصبح مغضبا بعد ظهور السيد فرماجو كبطل قومي وخروج المظاهرات في شوارع العاصمة والأقاليم وبدأ يعقد سلسلة من الاجتماعات مع منظمي الاحتجاجات والمظاهرات ويقال إن الهوة بينه وبين رئيس حكومته أصبحت شاسعة خاصة بعد أن ظهر الأخير منافسا قويا محتملا له على مقعد الرئاسة، ويذهب بعض المحللين إلى أن الحكومة لن تقدم استقالتها بسهولة طالما أن الرئيس شريف شيخ أحمد غير مخول قانونيا بإقالة رئيس الوزراء، لكن يمكن أن يقدم استقالته بالتفاهمات وتأمين قسطه في الحكومة القادمة، وإن كانت الاستقالة قادمة لا محالة حسب تصريحات الرئيس الأخيرة التي أكد فيها وجود تطبيق اتفاق كمبالا.
  2. في حال تم إقناع رئيس الوزراء وقدم استقالته فإن تعيين رئيس وزراء جديد وتشكيل حكومة من المعلوم سلفا أنها ستكون حكومة لإرضاء العشائر والرؤوس الكبيرة في البرلمان الذين يجب أن يصوتوا لها عند التصديق على برنامجها سوف تستغرق ما بين 3 إلى 4 أشهر كحد أدنى، مما يعني أن جزءً كبيرا من الوقت سيذهب هدراً وهذا كان دائما ومنذ وقت طويل العمود الفقري لسياسة بعض الدول المجاورة للصومال، بأن يظل مشغولا في دوامة العنف والوقت الضائع والموارد المهدورة بالنهب والسرقة، ويذكر الجميع أن الرئيس أقال عمر عبدالرشيد بتاريخ 16 مايو 2010م ليعود منها في اليوم التالي ثم امتدت العملية حتى أواخر نوفمبر عشية التصديق على حكومة فرماجو الجديدة من البرلمان وبذلك ذهب جل العام خسارة للحكومة الصومالية التي ينتظر منها تحقيق الكثير من الإنجازات.
  3. يعقد المراقبون على اللجنة الرفيعة المستوى التي تم تشكيلها من رؤساء دول الإيقاد ومجموعة شرق إفريقيا بالتعاون مع المكتب السياسي للأمم المتحدة إلى الصومال ومفوضية الإتحاد الإفريقي على غرار مبادرة بروندي للسلام أيام محنتها وتكون مهمتها مراقبة ورصد مدى امتثال المؤسسات الاتحادية الانتقالية والتزامها بالمعايير المتفق عليها والجداول الزمنية لتنفيذ المهام المحددة في ورقة كمبالا، يعقدون عليها آمال عريضة بأن تؤدي مهامها تجاه تصحيح مسار عملية السلام في الصومال وكبح جماح السياسيين الذين يحاولون كل مرة تكييف الجو السياسي حسب رغباتهم ومصالحهم حتى إذا كان يكلف الصومال سنوات طويلة من التأخر والتشرذم وبرك من الدماء الطاهرة.

8 تعليقات

  1. بسم الله ولاحول ولا قوة الابالله اقول وباالله اتايد
    الــــــصــــــومال تحتاج الي من يعرف مصلحةاهلهاعموما ولشبابها خصوصاًَ
    وتحتاج هذا البلد الي مني ينقد لهاالمطالب ويزغل لهاالمناصب ليعرفوا من هواهلاً للصومال ومن له حنكه وحكمه سياسيا ويعلم قوميتهالصوماليه وله استطاعه ليميز صالحهم وطالحهم.لأن كل الصوماليين جربوا لكل قبيله في الصومال ان رجالها كلهم خونه.
    والآن الصومال للصوماليين عليهم انيوحدواوحدة يد واحد

  2. بسم الله الرحمن الرحيم

  3. كنت أفكر بهذه العبارة( من إستطاع منكم أيكون صالحا فليكن) فلماذا لا نجد أحدا من السياسين الصومالين من ينظر بعين الإعتبار لهذاالقاعدة ؟ .لقد أدرك العدو الثغرة التي يتوغل من خلالها إلينا ليهدم الوطن والوطنية معا في قلوبنا وذالك بمساندة الفاسدين والسماسرة المحترفين شريف سكين وتلميذه المطيع شريف أحمد حيث لا ثقافة ولا علم ولا أخلاق ولاحكمة لهم غير التفنن بسرقة البلد والمتاجرة بمقدراته المتواضعة , يا رب السموات والارضين نسألك بعزتك وجلالك بأن تجعل هذا البلد بلدا آمنامطمئنا مستقرا آمين اللهم آمينز

  4. الثورات تخرج على الحكومات، والصومال كما هو معلوم ليس به حكومة منذ العام 1991 م لكن ربما يستلهم الشعب من ربيع الثورات العربية فيقوم بثورة على حالة”اللاحكومة” والتي أراها التوصيف الدقيق للحالة الصومالية الآن ،وتكون ثورة شعبية خالصة لا تخضع للمجتمع الدولي ولا لغيره من دول الجوار وتضع حداً لتلاعب الأمم بنا ….هذا هو ما يجدي مع الحالة الصومالية في نظري وشكراً

  5. تحققت نبوأة السيد عبدالوهاب كاتب المقال بأن إستقالة السيد مرماجو آتية لا محالة فيها وكان صائبا، وتحول رئيس الوزراء المستقيل إلى بطل ليس أقل شأنا من صناع الإستقلال من رواد حزب SYL وتابع العالم كله شكره العميق يوم أمس عندما كان يقدم إستقالته للشعب الصومالي الذي فتح عيونه جيدا، ولا أظن أن أحدا سيثق بعد اليوم على شريف شيخ أحمد بسبب خيانته وغدره لرئيس وزرائه المخلص الذي حقق كل هذه الإنجازات، لأن كل رئيس وزراء سوف يخشى من طعناته من الظهر إذا حاول معه العمل بجد وإخلاص ولا شك أنه لن يجد فريقا من عينة واحدة كالفريق الذي إختاره فرماجو وحققوا معه الإنجازات العظيمة، والحمد لله الذي كشف عورة هذا الرجل الفدار الذي يتعاون مع أعداء الشعب الصومالي المظلوم.

  6. الصومال رهينة في يد الأمم المتحدة، ومقرر خط سير الأمور فيها هو مدير البرنامج الإنمائي مارك بودن الذي يدير مملكة تتربع على ثروات الشعب الصومال من قلب العاصمة الكينية نيروبي والسيد فرماجو خاض معركة لا معين له فيها بأن قال لا لهذه المملكة الأخطبوطية الخطيرة، ويعين الشريفان على نهب وإذلال الشعب الصومالي خذلهما الله. أما السيد مهيغا التنزاني فإنه كان يعادي الشعب الصومالي منذ السبعينيات من القرن الماضي عندما تصدر موقف بلاده بالوقوف مع الحبشة ضد الصومال في حرب 1977م المشهورة ولا زال يعادي الصومال وأهله، وهو الآن أكثر شخصية ممقوتة وغير مرغوب فيها بمقديشو وهرجيسا والصومال عموما، نتمنى أن نرى اليوم الذي يغيره بان كي مون ويستبدل به من هو أكثر ودا لهذا الشعب المسكين وعسى أن يكون قريبا إنشاءالله.
    مع الشكر لكاتب المقال الممتاز

  7. اشكر للسيد عبدالوهاب علي هذاالمجهود المحمود. الامر الذى لا شكك فيه كما ورد في تقريرك الممتاز انّ هناك اجندات اخري تسعي في خدمة وارضاء دول لا تريد للصومال خيرا، الاّ انّه اذا استمرّت احتجاجات المدنيين ضد اتفاقية كمبالا(الخيانة العظمي)كما يري البعض-فإن ذلك ربما يعكس مطالب الشعب،ويقود الي التحرّر من الجبروت المسلّط من قبل اصحاب المصالح الخاصة.
    مع خالص الود والإحترام

  8. بسم الله الرحمن الرحيم.
    مايحتاجه الصومال الآن هو استقالة رئيس الوزراء الذي ظل يدافع ويصارع أمام أطماع المفسدين والمرجفين في الأرض من أصحاب المناصب العليا في البلد، وإذا حدث ذلك فإن منصب رئيس الجمهورية سيكون من نصيب فرجامو بدون منازع، مايحتاجه الشريفان في مهلة السنة زيادة أرصدتهم في الحسابات البنكية ليس إلا وذلك على حساب قوت الشعب ومادام توجد عقلية العشائر والمناطقية والثقافة التعبوية الهزيلة على فرماجو ورفاقه المغادرة لأن الذين سيأتون بعده لايفعلون شيئاًُ وفاقد الشيء لايعطي. كما أحب أن أعبر عن مشاعري في اتجاه تلك المظاهرات حيث الشعب البسيط المغلوب على أمر بدأ يسأم تلك الحالة التي يعيشها وقريباً سيكون الشعب مصدر قوة يعتمد به بدل من التخوين والتجريح فيه.

%d مدونون معجبون بهذه: