دور العبادة في الصومال قديما وحديثا وأثرها على المجتمع

1 ـ الخلوة[1]

“الدكسي” هو الاسم الذي تعرف به الخلاوي أو كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم عند الصوماليين، ويعد الدكسي المهد الأول للمعارف الإسلامية، وتبدأ منه الرحلة الطويلة مع العلم التي تمر بمراحل متعددة في الحياة الدينية التقليدية في الصومال ومناطق كثيرة من منطقة القرن الأفريقي، وتتمتع الخيام أو الأكواخ المتواضعة التي يدرس فيها الأطفال القرآن الكريم بمكانة ذات قدسية تأتي في المرتبة الثانية بعد المساجد، وحتى في وقت الحروب فإن الثارات القبلية لا تطال هذه الأماكن ومرتاديها؛ حيث إن معلم القرآن من فئة “البيريماجيدو” المحرم قتلها قبليا.

ناشئات صوماليات يقرأن اللوح

وإلى جانب الخلوة القرآنية أو “الدكسي” -ومعناها “المكان الآمن”- يعد معلم القرآن الدعامة الأساسية التي ترتكز عليها الثقافة الدينية والرائد الأول للعلوم الشرعية والعربية؛ وهو ما جعل إسناد لقب “المعلم” إلى الشخص عملية تكتنفها جملة من الشروط والمؤهلات المعرفية والأدبية ليحق للمعلم أن يتولى رعاية وتربية طلبة حفظ القرآن الكريم الذين يحظون بدورهم بمكانة أدبية رفيعة في الصومال.

وفي الجزء الأول من هذا الملف نلقي الضوء على بعض معالم الرحلة الطويلة لأهل الصومال مع خلاوي القرآن، وهي رحلة رغم امتدادها -عند بعض الباحثين- إلى العصور البائدة فإن معالمها لم تختف حتى العصر الراهن مع تطور بسيط اقتضته المدنية والظروف الحياتية المتقلبة. وهو ما قد يساهم في فهم ظاهرة التدين العام السائدة لدى شعب الصومال الذي يقطن هذا الجزء الأقصى من جنوب الوطن العربي.

بداية المشوار

في المجتمع الصومالي الذي تعتمد حياته على الرعي والترحال فإن الحاجة إلى معلم القرآن تكون ملحة، عندما يكون لدى العائلة الممتدة أو المجموعة القبلية البدوية الصغيرة عدد كاف من الأطفال؛ فحين يصل العدد إلى ما بين 10 و20 طفلا يعقد آباء العائلات اجتماعا تنسيقيا لإقامة “الكُتّاب”، بعده يتم استدعاء عالم دين أو معلم من منطقة أخرى ليرشح معلما جديدا لهذه المجموعة الريفية؛ فيقدم إليهم بعض الأسماء؛ وذلك لأن المعلمين المخضرمين لا يغادرون قراهم أو مناطقهم إلى أخرى إلا في حالات نادرة.

ويجب أن يتمتع هذا الشاب إلى جانب معرفته العلمية بقدر من الأخلاق العالية والصبر والنشاط، ويكون قد مارس تعليم القرآن كمساعد قبل أن يتخرج، ويخضع بعد ذلك لامتحان معرفي صعب للتأكد من أهليته لممارسة مهمة “معلم القرآن”.

وإلى جانب ذلك لا بد أن يكون هذه المعلم قد تعلم على يد معلم معروف في المنطقة أو في غيرها، أو على الأقل ينتمي إلى مدرسة معلم قديم تفرعت عنه مدارس كثيرة، وفي هذه الحالة تكون الثقة به كبرى.

“لامية الأفعال” و”لامية الشاطبي” هاتان اللاميتان: “لامية الأفعال” لابن مالك الأندلسي و”لامية الشاطبي” للقراءات شرطان أساسيان لا بد أن يكون المعلم حافظا لهما وملما بتفاصيلهما؛ ليكون مؤهلا لأن يكون معلما للقرآن في المرحلة القادمة، وهذان الشرطان وضعا لتحقيق أمرين: الأول: أن يكون المعلم عارفا بعلم الصرف ليحسن تشكيل كلمات القرآن وتصريفاتها، وتلك مهمة علم الصرف الذي تعد لامية الأفعال لابن مالك الأندلسي (ت 1287م) وشروحها لب هذا العلم في الصومال منذ عصور بعيدة وحتى الآن.

أما الأمر الثاني فهو أن يكون عارفا بعلم القراءات ومواضع اختلاف القراءات المتواترة، وتعتبر منظومة “حرز الأماني” المعروفة في الصومال بـ”لامية الشاطبي” (ت 1194م) الدعامة الأساسية لهذا العلم في الصومال، وبحفظها ومعرفتها يتمكن المعلم من أن يستمر في قراءة واحدة في تعليمه للقرآن (القراءة السائدة في الصومال هي قراءة أبي عمر بن العلاء المازني البصري ت 154هـ= 771م برواية حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري ت 246هـ= 860م).)

وسبب اللجوء إلى لامية الشاطبي هو الاحتياط في ضبط القراءات لعدم توفر مصاحف للقرآن الكريم في الصومال في القديم؛ فلم تكن توجد سوى نسخة واحدة أو اثنتين في منطقة بعيدة يتم التحاكم إليهما في حالة اختلاف الحفاظ أو المعلمين في ضبط القراءة، وسبب ندرة المصاحف هو عدم دخول المصاحف المطبوعة إلى الصومال؛ ولذلك يتم الاعتماد على المصاحف المخطوطة الباهظة التكاليف والتي لا تتوفر لأي قارئ، اللهم إلا معلما محظوظا أصبح أحد تلاميذه السابقين تاجرا كبيرا مثلا؛ فأكبر مكافأة مادية لمعلمه هي أن يشتري له مصحفا مخطوطا بأثمان خيالية (تعادل ثمن 5 من الإبل أحيانا).

الخلوة.. مكان مقدس

ويتمتع الدكسي أو الخلوة بمكانة أدبية كبيرة في وجدان الشعب الصومالي؛ فهو مكان مرادف لمسجد فيختار له أنظف الأماكن في المنطقة في مكان بعيد عن الضوضاء وحركة الناس والمواشي، ويحظر أن ترعى المواشي في محيطه، وتلحق به مغسلة الألواح وهي كومة من الحجر تغسل عليها الألواح (في المدن يوضع واحد أو اثنان من إطارات السيارات بجانب الخلوة)، ويحظر وضع الأقدام على المغسلة، ومن تعظيمها أن بعض المرضى يأخذون ماء غسل الألواح ويشربونها للاستشفاء.

ويخلو الكتّاب من أي نوع من الأفرش عدا سجادة المعلم، وهي عبارة عن حصير مزركش مصنوع من الألياف ومطرز بريش النعام تصنعه أمهات التلاميذ خصيصا للمعلم، وتوضع هذه السجادة فوق كومة من التربة وسط الكُتّاب يجلس عليها المعلم.

ويدرج كل من المعلم وتلاميذ الكتاب من فئة البيريماجيدو الممنوع قتلها تقليديا في أوقات الحروب، وفي حالة قتل المعلم فإن القبيلة القاتلة تدفع دية مضاعفة 200 من الإبل؛ 100 منها عن نفس المعلم، والمائة الأخرى عن انتهاك حرمة شخصية المعلم.

الجلسة الأولى

عندما يتم الحصول على معلم شاب تُعقد الجلسة الأولى التي تعرف بـ”فَطِيسِن” ومعناها “التوطين”، وهي أن يدفع والد كل طفل شاة للمعلم، وتُحضر هذه الشياه في المكان ليراها المعلم، ثم يرعاها الدافع مع ما تلده فيما بعد لتضم إلى ثروة المعلم عندما يستقل؛ فالمعلم يجب أن يكون عزبا حتى تخريج الدفعة الأولى من الأطفال؛ ليكون متفرغا للتحفيظ، وعند تخريج الدفعة الأولى يكون حرا في اختيار الزوجة، ويكون له الحق في أن يتقدم إلى خطبة أي فتاة من القبيلة أو أهل الكتّاب، ويكون والدها محظوظا بل مجبرا على قبول الخطبة، فيما يقتسم باقي الأهالي دفع جميع تكاليف القران والزفاف (المهر، والتجهيز، والزفاف وجميع التكاليف التقليدية لحفل لعرس).

الرسوم والمكافآت السنوية

رسوم تحفيظ القرآن باهظة، لكنها محصورة في الريف الصومالي في شيء محدد، وهو دفع شاة عن كل طفل كل 6 أشهر (تتزامن مع موسمي المطر في الربيع والخريف)، وهذه الشاة عبارة عن عنزة لم تلد بعد، وتكون محفوظة للمعلم عند دافعها، وتُسلم هي ونتاجها عند طلب المعلم لذلك أو في حالة استقلاله بعد تكوين الأسرة. وإذا أكمل الطفل القرآن -ويتم ذلك عادة في 3 سنوات- يستحق المعلم ناقة لم تلد بعد، تُسلم هي أيضا للمعلم في حفل تخريج الطفل أو الأطفال حسب التقدم في الحفظ.

وعند تسلم أول ناقة التخرج يكون المعلم قد تكونت لدية ثروة من الماشية تكفي لإعاشة عائلة ويقدم على الزواج، ثم تجمع الشياه ونتاجها إلى المعلم لتستلم زوجته الجديدة رعيها.

وعند الزواج يكون المعلم قد استقل ويأوي إلى بيته مع زوجته ليواصل تخريج الدفعة الأولى من طلبته ويدرس للمتخرجين مبادئ العلم، مثل كتاب “الأربعين النووية” للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ= 1277م) في الحديث، و”سفينة الصلاة” لسالم بن سمير الحضرمي، و”سفينة النجاة” لعبد الله بن عمر الحضرمي، و”متن أبو شجاع” أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني في الفقه (ت 593هـ= 1197م)، و”بداية الهداية” لأبي حامد الغزالي (ت 505هـ= 1111م) في التصوف والسلوك، و”متن الآجرومية” لمحمد بن محمد بن داود الصنهاجي الفاسي (ت723هـ= 1323م) في النحو؛ ليتسلح الطالب بمبادئ العلم الشرعي وعلوم اللغة العربية والتصوف قبل أن يتوجه إلى حلقات العلم التي لها تقاليدها المختلفة أيضا ليصبح بعدها -وبعد مشاوير متعددة- طالب علم أو عالم دين أو شيخ طريقة أو شخصية اجتماعية محترمة.

تكريمات إضافية وإلى جانب هذه المكافأة المادية فإن أهل الكتّاب يتحملون تكاليف إعاشة المعلم، ويقتسمونها بصفة شهرية؛ حيث يقيم مع كل عائلة شهرا بالتداول لتوثيق الصلة بين العائلات والمعلم من جهة، وبين المعلم والطفل من جهة أخرى حسب جدول ثابت، وأحيانا يتكفل أحد أثرياء الأهالي بكفالة المعلم في حالة أن الكتّاب مقام في قرية زراعية مستقرة.

أما إذا استقل المعلم وتزوج وأنجب أولادا فإن أهل الكتّاب يقومون بحرث مزرعته وزراعتها وحصدها وجمع المحصول له، وكذلك سقي مواشيه ونقلها إلى مواقع المطر في حالة الترحال، كما يقومون برعاية زوجته وأطفاله طول فترة الترحال في حال انتقال الكتّاب مع العائلات الرعوية، وفي بعض الحالات يترك التلاميذ والمعلم في مكانهم في أكواخ مؤقتة فيما تتولى بعض الجدات طبخ الطعام لهم وللمعلم، ويواصل الأطفال التعلم وتكون باقي العائلات تتتبع مواقع المطر والكلأ طول الموسم ثم ترجع عند هطول المطر في مناطقها الأصلية، وفي هذه الفترة يكون الطلاب قد قطعوا شوطا كبيرا في حفظ القرآن وتعود أسرة المعلم لتبدأ الإقامة الاعتيادية من جديد.

وليمتان: صغيرة وكبيرة

هاتان الوليمتان تعتبران تقليدا لا محيد عنه في مسيرة الطفل الذي يحفظ القرآن، وتتم الوليمة الأولى التي تعرف بـ”الصغرى” عند وصول الطفل إلى سورة “الفجر” وبالذات الآية 13 {فصب عليهم ربك سوط عذاب}، وهي عبارة عن قرب نهاية الحزب الأول في جزء عم، ويقيم والد الطفل وليمة للطلاب والمعلم والجيران احتفاء بطفله الذي بدأ يعرف الحزب الأول من القرآن وتعلم الكتّابة المتدرجة، ويكون ذلك اليوم عطلة احتفاء بهذا الطفل “الحافظ الواعد”.

أما الوليمة الكبرى وتعرف أيضا بوليمة “كسر القلم” فهي تبدأ مع تباشير الانتهاء من حفظ القرآن عندما يبلغ الطفل الآية 171 من سورة آل عمران: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}، ويدعى لهذه الوليمة جميع أولياء الأمور؛ حيث يتلقى الطفل المديح والهدايا والتشجيع من الجميع ليشعر أنه أنجز شيئا كبيرا وأصبح جزءا مهما من المجتمع.

وتعرف هذه الوليمة أيضا بوليمة “كسر القلم”؛ لأن الطالب يقوم بكسر القلم الخشبي الذي يكتب به ويرميه ثم يبري قلما جديدا لإكمال الكتابة، وكل ذلك إيذانا بتجاوز المرحلة المهمة من الحفظ واستعدادا لإكمال البقية بنفس الحماس. ولا يبقى للطفل بعد كسر القلم إلا أسابيع محدودة لإكمال حفظ القرآن حيث يسجل حضورا مدويا في المجتمع، ويقيم والده حفلا كبيرا يدعى له أهالي القرية أو المجموعة القبلية، ويدفع للمعلم ناقة لم تلد بعدُ مشفوعة بهدايا ثمينة مثل الثياب والسبحة وزق من السمن وساعة يدوية..

وأول طفل يكمل القرآن من تلاميذ “الكتاب” يتم تعيينه مساعدا للمعلم أو ما يعرف محليا بـ”الكبير”؛ حيث يقوم بمهمة المعلم في حالة غيابه، ويتأكد من مستوى حفظ الأطفال الآخرين، كما أن المعلم يوفده إلى المناسبات التي يعتذر عن عدم حضورها بسبب انشغالاته في الكتّاب.

تعهد مستمر

ولا تختفي علاقة المعلم بتلميذه باختفاء الطفل من الكتّاب بعد حفظ القرآن، ولكن المعلم يسأله عن حالة حفظه في أي مناسبة تجمعهما بعد ذلك، وأحيانا يكون المعلم متشددا في ذلك؛ حيث يطلبه للجلوس والقراءة عليه ليعرف مدى تمسكه بحفظ ما علّمه في طفولته، ويقع الطفل الذي كبر في حرج إذا ما تساهل في متابعة ما حفظه فيجلب إلى نفسه العيب، وقد يكون ذلك عائقا أمامه في المستقبل لتولي مهنة المعلم؛ لأن الناس تشيع عنه أنه نسي القرآن ولم يقدر القراءة على المعلم في يوم كذا.

رحلة العلم الطويلة

وفي حالة ما إذا فرغ الطفل من حفظ القرآن كاملا ودفع والده الناقة وعقد وليمة التخرج وإكرام المعلم بالشال الأحمر والسبحة الجميلة يكون الطفل قد أصبح في حل من الكتّاب، ويكون حرا بعد تلقي مبادئ العلوم الفقهية والنحوية التي ذكرناها سابقا لأن يلتحق بحلقات العلم في منطقته أو يسافر بعيدا لمدن العلم الشهيرة ليدرس على كبار العلماء، والبعض يلتحق بالحياة العامة؛ لأن عائلته تحتاج إليه لسبب ما، ويجد المحظوظون طريقهم إلى الحرم المكي أو الأزهر الشريف ليصبحوا فيما بعد مراجع دينية تقود الحياة الدينية في البلاد عندما تضطلع بالعلم هناك.

هذه المصاعب الطويلة والشاقة التي تلاحق طالب العلم الصومالي من الصغر إلى الكبر هي التي جعلت للخلاوي وللمعلم وحفاظ القرآن الكريم المكانة الأدبية التي يتمتعون بها في الصومال، هذا البلد الذي يكاد الباحث يجزم أن أغلبية أبنائه ذكورا وإناثا مروا على هذه التجربة القاسية والغنية بالعلم والأدب والتربية لتصب في التمسك القوي بالدين الذي اشتهر به الشعب الصومالي قديما وحديثا، وهي التي ساهمت في تخريج أجيال من العلماء الفطاحل الذين أوصلوا شعاع الإسلام ونوره إلى مناطق مترامية الأطراف من شرق ووسط أفريقيا.

2 ـ المسجد في الصومال

يعتبر المسجد عند الصوماليين أقدس مكان لهم، حيث أنهم يتوجهون إليه في اليوم خمس مرات، لأداء الصلوات الخمس المفروضة عليهم، وبهذا كان الناس يتوافدون إليه من كل الجهات، إضافة إلى ذلك فإنهم يقيمونه في فترات متزامنة ومتلاحقة فيه، ابتغاء لمرضاة الله، ويتلون ذكر الله سبحانه وتعالى، كقراءة القران أو الاعتكاف في محرابه.

وللمسجد عند الصوماليين مكانة عالية، حيث أنه أزال الحواجز فيما بينهم، وكرس الأخوة والمحبة في قلوبهم، بالاضافة إلى التعاون والتآخي في بعض الأحيان وخاصة عندما تشتد الأمور والظروف على الناس، ليتعاونوا فيما بينهم تطبيقاً لقوله سبحانه وتعالى “وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان”.

ومن خلال هذا الجزء نطرح عددا من الملامح التى تظهر على بيوت الله والتى اعتاد الصوماليون ارتيادها ومنها : ـ

1 ـ تحفيظ القرآن للصغار.

يرى في  العديد من المساجد أن فيها غرفا خاصة لتعليم الصغار وتأديبهم بتربية اسلامية، ويتلقى الأطفال (البنين والبنات) تعاليم مختلفة منها كتعليم القرآن الكريم وتجويده، بالاضافة إلى الكتب الدينية الصغيرة التى أعدت لتعليم الصغار تعاليم الدن الاسلامي، وإلى جانب ذلك تقام في المسجد في بعض الأحيان مسابقات قرآنية بين طلبة المسجد، لتحفيزهم وتشجيعهم على حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا يعتبر نقلة نوعية إلى الأمام بعد أن كان الناس يدفعون براعمهم إلى أماكن غير ملائمة ومعدة للتعليم، وهذه ظاهرة لم تكن معروفة لدى المجتمع الصومالي في القرون الغابرة.

2 ـ تدريس العلوم الشرعية

المظهر الثاني هو تدريس العلوم الشرعية والدينية للكبار، حيث ترى أفواجاً من الكبار يقبعون في المسجد ليل نهار، تراهم مجتمعين وملتفين حول مدرسهم النحوي او الصرفي أو التفسيري، وهو ماجعل الاسلام في القرن الافريقي ينتشر بأسرع وقت.

ويعرف هؤلاء الطلبة (الكبار) عند الصوماليين بـ” الحِر” وهي ربما جاءت من “الحَواري”، ويقصد بأنهم ضحوا بوقتهم وثمنهم الغاليين وانقطعوا لتعلم العلوم الشرعية، وتظهر جلالة المدرس وعظمته عندما يلقي محاضراته وخطبه للحِر، حيث أنه يجلس فوق حصيرة جميلة للغاية ومعدة في مكان أرفع، أو أنه يجلس في مكان ارفع منهم، ممايوحي مدى الاحترام الكامن في صدور طلبة العلم الشرعي (الحر) الذين تراهم يتوجهون إلى المساجد في كل يوم.

3 ـ اقامة الحفلات الدينية

يقيم الصوماليون في المساجد الحفلات والاحتفالات الدينية، وكانت العادة تجري في زمن غير بعيد عنا أن يحضر في المسجد الحلويات والأطعمة الخفيفة، وخصوصاً في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان الناس يقصدون إلى المساجد للاستماع إلى خطب تتعلق بسيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم وغزاوته وجهاده.

4 ـ اقامة الطقوس الصوفية.

تعقد في المساجد وخاصة تلك التى تملكها الطرق الصوفية في بعض الأحيان طقوسها، ومراسمها واحتفالاتها الدينية والتى توارثوا عنها جيلاً بعد جيل وكابرا عن كابر، حيث ترى أنها تجتمع في زاوية من المساجد، ليعلو أصواتهم وتملأ دعواتهم المسجد، حتى لايجد من سواهم متنفساً للقرأة والتدريس.

أما ما حدث اليوم فأصبحت مساجد الله تشتكي، دامعة العينين، فلا طقوس ولا احتفالات دينية، حيث أغلقت معظمها بسبب الظروف الأمنية التى حالت دون ذلك، وجعلت مساجد الله مهجورة، لدرجة أن القدائف ومدافع الهاون باتت تحيلها إلى أطلال أو تسويها بالأرض.

وأصبحت كبرى المساجد التى كانت مقصداً للعلم الشرعي تتهاوى، بالاضافة إلى أن مابقي منها، فلا يزيد العدد الباقي فيه إلا عشرات أو أقل من ذلك، دون مبالغة.

وهذا مما قلل من أهمية المسجد وتأثيره على المجتمع الصومالي، إذ أن غالبية المدرسين والأساتذة البارعين في العلوم الشرعية فروا بأنفسهم من هذا المنزلق الخطير الذي تداعت عليه أكلة اللحوم البشرية، ولم يبق فيه إلا صابر محتسب أو من اضطرته الظروف وماتقتضيها من أمور.

3 ـ الموضع (الزوايا)

الموضع (وينطقه الصوماليون [مولع]) وهو “الزاوية” أو الصومعة ويعتبر المكان الثالث عند الصوماليين والذي يقصدونه بدلاً من المساجد في بعض الأحيان، إلا ان الغالبية التى ترتاده تجنح إلى الصوفية، وهي طريقة اعتادت الطريقة عليها سابقاً، حيث يجتمع فيها الحر والمريدات (النساء)، ويقيم في الموضع بعض من طقوسها الدينية، كما يتم توزيع بعض الوجبات الخفيفة وبعض الاطعمة المحلية، ثم يكون هذا الأمر من معالم الحياة الدينية بالنسبة لهم.

وتقيم الصوفية في الموضع أحيانأً مايعرف عند الصوماليين ” السبع ” اي أن يتم قراءة القرأن بشكل مغاير، حيث يتناوله عدد من حفاظ القرآن عن ظهر القلب،ولكل فرد يقرأ اية أو أكثر منها ـ بحسب الاتفاق ـ وبهذا يختتم جزء من القرآن أو أكثر ـ بحسب المعهود ـ

كما أنها يقرأ لأنصارها كتباً دينية خصيصة للطريقة وليست من تلك التى تتقاسمها مع الحركات الاسلامية الأخرى، كما يشاع ويتكون الموضع بشكله الهيكلي عدد كثيفاً من جذوع الأشجار التى أدخلت بعضها البعض الأخر، كما يتم تركيبها بشكل غير قابل للهدم في المستقبل القريب، وبعد فترة من الزمن يتم هدمه واعادة بنائه من جديد.

ويقيم في الموضع أحياناً نفر قليل من المريدين والذين يؤكلون باعداد وجبات الطعام للطريقة وانصارها، بالاضافة إلى أن هذا الأشخاص معتمدون وموثوقون من جهة الشيخ الأكبر للطريقة.

جدول يوضح مدى تأثير دور العبادة على المجتمع الصومالي قديماً وحديثا

الخلوة

المسجد

الزاوية

قديما  

قديما قديما  

كان تأثير الخلوة في السابق على المجتمع الصومالي قوي وبشكل جيد، وكان الناس توفد أتباعها وطلابها اليه. وكان الطلبة تقصد إلى الخلاوي في أوقات متأخرة من الليل حفظاً لكتاب الله عزوجل. مايوحي مدى التأثير القوى على نفوسهم. كان المسجد يحتل مكانة وتأثيرا بارزين على المجتمع الصومالي، وكان الناس تقصده بهدف الحصول على العلم والتعليم. وكانت مأوى للمغتربين من طلبة العلم الشرعي (الحر) ومكانا لإقامة الاحتفالات الدينية. تأثير قوة الموضع على المجتمع الصومالي تبدو على الصوفية أكثر من غيرهم، فهو ليس من قبيل تلك الأماكن العامة التى يجتمع الناس فيها في تداول ماتلقوا من تعاليم ودروس من المساجد والجامعات، وتأثير الموضع محدد للفئات الخاصة له.
حديثا حديثا حديثا
لم تعد للخلوة اليوم مكانتها التى كانت تحظى بها سابقاً، حيث أن أغلبية الأطفال عندما يتوجهون إلى المدارس يبدون امتعاضهم الشديد بسبب غلطة الأستاذ وعصاه التى تحفر على أجسادهم، وهذا مدى ضألة تأثيرها على المجتمع والفرد الصومالي. لايزال المسجد يحتل مكانته وتأثيره على المجتمع الصومالي، ولم تزل الناس تقصده بهذف الحصول على العلم والتعليم، إلا أن تأثير المساجد على المجتمع الصومالي لم يكن كما كان سابقاً، وهذا بتغير الأحوال والأزمنة، كما تغيرت ظروف الحياة ومعيشتها. فقد بدأ المسجد يفقد تأثيره الفعلي على المجتمع حيث أن معظم الواعظين والمرشدين ذهبوا إلى أمصار العالم، هرباً من لعنة العنف المتواصل في البلاد، وخاصة مابعد الاجتياح الاثيوبي على البلد، وهذه من العوامل التى ضعفت تأثير المسجد على المجتمع الصومالي. كما أن الخلافات التي ظهرت بين أتباع الحركات الإسلامية سواء فيما بينها أو بينها وبين الطرق الصوفية جعلت المسجد ساحة للمعارك بدلا من العبادة. إذا أغلقت المساجد أبوابها، وهي الموئل الأول للمسلمين، فليس للموضع مجال لفتح أبوابه، حيث أن مساجد الله تشتكي من قلة الرواد خصوصاً في شمال وشرقي العاصمة. وإن كان تأثير الموضع على المجتمع ضئيلاً في السابق، فيا ياترى هل بقي له تأثير يذكر، الجواب لا، وما تبقى من أثاث هيكله لعبت به الرياح وأخرجته من سياق الوجود.
---------------- هوامش -----------------------
  1. علي حلني، “الدُكسي.. وحفظ الإسلام في الصومال”. موقع إسلام أون لاين http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1179664517658&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout []
%d مدونون معجبون بهذه: