قضية مارس (٢٠١١): هل ستحقق حكومة فرماجو ما عجزت عنه سابقتها

مقدمة

لتنزيل العدد بصيغة بي دي أف اضغط على الصورة.

[download id=”20″]

اشتهرت الحكومات الصومالية في السنوات العشر الماضية بالخلافات المزمنة والانشقاقات والتصدعات في صفوفها، وتستوحي هذه الخلافات جل أسبابها من الضعف الشديد في بنية الحكومة نفسها، فهي دائما حكومة بالاسم أكثر من كونها حقيقة جوهرية، وإن كانت تجد الاعتراف من المجتمع الدولي، الاّ أن هذا الإعتراف لم يكن يمدها في يوم من الأيام بأسباب القوة اللازمة للاستنهاض بالبلد من جديد، حيث إن المجتمع الدولي لا يرغب في استعادة حكومة صومالية قوية تكون مزعجة للدول المجاورة التي تعيش تحت حراسة المجتمع الغربي، ويتضح ذلك من خلال التعامل مع الحكومات في الفترة المذكورة، فلا يقدم لها مساعدات مالية ولا يمدها بأنواع السلاح المناسبة التي تواجه به المعارضة المسلحة ولا يرفع عنها عقوبات حظر استيراد السلاح الذي فرض على الصومال عندما غزت أمريكا الصومال في عام 1992م تحت اسم «إعادة الأمل» وحاولت جاهدة الاستيلاء عليه وإخضاعه بغية تحويله إلى مستعمرة من نوع جديد، فلما تصدى لها محمد فارح عيديد بالمقاومة الشعبية المسلحة، فرضت أمريكا على الصومال من خلال أداتها الطائعة والقوية مجلس الأمن الدولي عقوبات حظر استيراد السلاح كعقاب على الجنرال المتمرد، وكانت خطوة سلبية غير موفقة دفع الصوماليون ثمنها فيما بعد.

الأمر اللافت للنظر هنا والذي يعطي مصداقية قوية لهذا القول هو أن أمريكا والقوى الغربية الأخرى أشرفت على مؤتمر المصالحة في عرتا بجيبوتي عام 2000م، واعترفت ولو بصورة ضعيفة على نتائجه، وعلى أساس هذا الاعتراف شارك الرئيس الصومالي المنتخب في ذلك المؤتمر وتحت رعاية أمريكا عبدي القاسم صلاد حسن في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر من ذلك العام، وبما أنه لم يستطع تقوية حكومته من خلال تأسيس جيش قوي يكسر به عظام زعماء الحرب الذين كانوا يخدمون أجندات خارجية أكثر مما يخدمون مصالح الشعب الصومالي، ويكون بمقدوره في نفس الوقت إخراج البلد من فتنة الحرب الأهلية، دعت الدول الغربية إلى مؤتمر مصالحة آخر في كينيا افتتح في 15 أكتوبر عام 2002م، وخرج من المؤتمر حكومة تتمتع بكل المواصفات التي كان يُعتقد أنها كفيلة بأن يتعامل معها الغرب بجدية وحسن نية، غير أنه لم يقدم لها لا الدعم المالي المناسب ولا رفع عنها عقوبات استيراد الأسلحة، مما عجل بعمرها كسابقتها فكان مؤتمر جيبوتي الأخير الذي شهد ميلاد الحكومة الحالية بقيادة الرئيس شريف شيخ أحمد.

كان هنالك دائما أسباب مقنعة لعقد مؤتمرات المصالحة التي فشلت حتى الآن في إنتاج قيادة فعالة قادرة على التصدي للأزمة العويصة في البلد، ففي مؤتمر عرتا كان الفراغ السياسي التام سيد الموقف في الصومال، ثم إن الشعب الصومالي الذي كان يعتقد الغرب أنه سينتهي من أجل الضياع في ظل غياب الدولة أصبح نموذجا حيا يُضرب به المثل بأن الشعوب قد تكون قادرة على العيش بدون دولة مركزية، حيث انتعشت التجارة والاقتصاد وشهدت فترة التسعينيات عملية استثمارات كبيرة من خلال شركات الاتصالات المتطورة، فأصبح الصومال متقدما في هذا الجانب على الدول المجاورة له بمراحل كبيرة، ومن هنا جاء تأييد الدول الغربية للحكومة التي تمخضت عن مؤتمر عرتا تحت رعايتهم المباشرة.

أما مؤتمر المصالحة في كينيا فقد كان برعاية وتمويل الدول الغربية وإشراف وإخراج الدولتين المجاورتين للصومال من بدايته وحتى نهايته، وللحقيقة والتاريخ فقد كان للجامعة العربية حضور ضعيف في المؤتمر ربما يستمد ضعفه من ضعف الدول العربية التي فضلت منذ اندلاع الأزمة في العام 1990م أو قبل ذلك بقليل تهميش الصومال وتركه يسبح في مشاكله ولم تأخذ زمام الأمر بالقوة والتصميم الكافيين رغم أهميته للوطن العربي حيث إنه حارس البوابة الجنوبية للأمن القومي العربي، وربما لأن المكان الذي كان ينعقد فيه المؤتمر والبيئة الإفريقية ذات الصبغة المسيحية الغالبة وغير الصديقة في نفس الوقت للعرب عموما المحسوبين على الصومال العربي المسلم، وعدم الانسجام التام بين ما كان يسمى بالمجمتع الدولي الراعي والممول للمؤتمر وبين العرب كان أيضا عاملا مساعدا لأن يظهر دور الجامعة العربية هامشيا ودون المستوى المطلوب في تسيير وتوجيه أعمال المؤتمر ولعب دور قوي فيه، ولو لم يكن السيد سالم الخصيبي السياسي والدبلوماسي المخضرم وصاحب العلاقات المتعددة على رأس البعثة العربية في نيروبي لما كانت الجامعة تُذكر ضمن المجتمع الدولي، فقد كان يتحرك كالنحل لا يمل ولا يفتر ومع ذلك كان تهميش دور العرب في المؤتمر واضحا في جميع مراحل المؤتمر التي تجاوزت العامين ابتداء من 15 أكتوبر عام 2002م حتى رحيل الحكومة في الشهور الأولى من عام 2005م. وكان الهدف من عقد مؤتمر المصالحة إبعاد عبد القاسم من سيناريو القيادة الصومالية الذي رفض الانصياع لتعليمات وشروط رئيس وزراء إثيوبيا والذي طلب منه إعطاء بعص الموانئ الصومالية بدون مقابل تكون تحت تصرف إثيوبيا بصورة حرة وبعيدا عن مراقبة وتدخل الحكومة الصومالية، ولذلك كان المبعوث الإثيوبي السيد يماني أقوى شخص متنفذ في ذلك المؤتمر على الإطلاق حيث كانت له الكلمة الأولى والأخيرة بتوجيه وإرشاد وتسيير أعمال المؤتمر، وتبوأ بعد انتهاء أعمال المؤتمر بالطريقة التي أرادت له حكومته مرتبة كبيرة في وزارة الخارجية الإثيوبية.

ويجب هنا تسجيل ملاحظة واحدة هي أن قيادات الحكومات الصومالية لا تعرف دائما حجمها ومقدراتها الحقيقية، كما إنها لا تؤسس قوة عسكرية تفرض من خلالها أوامرها وتعليماتها على المؤسسات الحكومية وعلى الشعب الصومالي وتتحدى به في نفس الوقت الدول الأخرى، فالنخوة والعزة بالنفس التي كانت في نفس الإنسان الصومالي في يوم من الأيام لازالت موجودة ولكنها منزوعة السلاح تماما، ولذلك تظهر من وقت لآخر الخلافات البينية في القيادات العليا، فقد اختلف عبد القاسم مع رئيس وزرائه علي خليف جلير فكان طرده من رئاسة الحكومة بداية انفراط العقد بالنسبة للحكومة، واختلف بعده عبدالله يوسف مع رئيس وزرائه علي محمد جيدي وكان طرده السبب الحقيقي وراء طرد عبدالله يوسف من رئاسة الجمهورية لاحقا فى 29 نوفمبر 2008م.

التمهيد لمؤتمر جيبوتي الأخير

إن التدخل العسكري الإثيوبي الكاسح للصومال في ديسمبر عام 2006م، الذي مهدت له أمريكا وحرضت الحكومة الإثيوبية عليه، جاء بنتيجة عكسية تماما، حيث مني بالفشل بسبب المقاومة العنيدة التي أبداها الشعب الصومالي. وقد يقول القائل هنا أن هذا الشعب لا يحسن الاّ المقاومة وطرد المعتدين الأجانب عن أراضيه.

والحقيقة المرة هي أن الاجتياح العسكري الشامل تم بدعوة وطلب رسميين من الحكومة الصومالية لكن بإيعاز من أديس أبابا، والفشل الذريع أوجب البحث عن مخرج وبالتالي أصبح لازما أن تفكر الحكومة الإثيوبية في خلق خلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه اللّذين كانا صنيعة إثيوبية خالصة حسب ما كانت تعتقده النخب الصومالية التي كانت تتابع عن كثب مجرى سير مؤتمر المصالحة في كينيا وما تمخض عنه، وتدخلت إثيوبيا بعد احتدام الخلاف لإنقاذ الموقف لصالح رئيس الجمهورية وتم طرد رئيس الوزراء في 27 أكتوبر عام 2007م، ويقال أن لقاءاً حصل بين رئيس الوزراء الإثيوبي وشريف شيخ أحمد قائد المقاومة الإسلامية التي أدخلت القوات الإثيوبية في عنق الزجاج في حرب الشوارع والمدن الكبيرة التي لم يكن الجيش الإثيوبي متدربا عليها بالعاصمة مقديشو، وتحدثت الأنباء غير الرسمية في حينها بأن الرجلين التقيا في إحدى الثكنات العسكرية الإثيوبية في منطقة شرق إثيوبيا المحاذية لجيبوتي بعلم الأخيرة، وارتاح القائد الإثيوبي لشخصية القائد الصومالي الصاعد وتفهمه للعبة السياسية وقبوله بانسحاب إثيوبي مشرف من المستنقع الصومالي الذي ورطته فيه أمريكا وتبرأت منه لاحقا عندما اشتد الأمر على عكس ما كان يتوقع، كما استحسنه قبله رجال المخابرات الأمريكان في سفارتهم بنيروبي عندما دحرت القوات الإثيوبية الغازية المحاكم الإسلامية في الصومال وفر شريف ومعه كل القيادات في المحاكم إلى جنوب الصومال في المنطقة المحاذية لكينيا، واستدعي هو وحده لتقديرات أميريكية لم تكشف عنها إلى العاصمة الكينية حيث استجوبوه في السفارة تارة وفي الفندق الذي كان يقيم فيه تارة أخرى ووجدوه الرجل الإسلامي المعتدل المناسب لقيادة الصومال بالمرحلة القادمة.

وبعد لقاء الزعيم الإثيوبي مع قائد تحالف إعادة تحرير الصومال جناح جيبوتي مباشرة طلبت إثيوبيا من منظمة الإيقاد الواقعة تحت تأثيرها باستدعاء الحكومة والبرلمان الصومالي بشكل جماعي إلى نيروبي في الفترة ما بين 27-29 أكتوبر 2008م وفعلا انتقلت الحكومة إلى نيروبي وبحضور قادة المنظمة حاول رئيس وزراء إثيوبيا بجدية عزل الرئيس عبدالله يوسف وإحلال شريف محله عن طريق البرلمان الذي كان حاضرا في نيروبي، الاّ أن الحكمة الجيبوتية تجلت في شخص الرئيس إسماعيل الذي تدخل وأنقذ يوسف من الطرد المهين، وأقنع قيادة جيرانه بأن يكون الطرد من خلال وسيلة ملائمة أخرى، وفعلا أجبر الرئيس يوسف الذي عاد إلى مدينة بيدوا بشمال غرب الصومال مقر حكومته وهو يعاني من وعكة مختلطة بين الهرم الطاعن الذي نخر في عظامه والضربة الموجعة التي سددتها له حليفته التي طالما حدث نفسه بأنها الصديق الذي يمكن الاعتماد عليه، وقدم استقالته أمام البرلمان بمدينة بيدوا في جلسة خاصة عُقدت لهذا الغرض في يوم 29 ديسمبر 2008م، وبهذه الطريقة التي لم تخل من آلام المخاض العسيرة وجد مؤتمر جيبوتي المصداقية المطلوبة للانعقاد وخرج من رحمه الرئيس شريف في الثلاثين من يناير عام 2009م.

الحكومة المشكلة في جيبوتي لم تسلم من الخلافات تم اختيار وانتخاب الرئيس شريف لأسباب معينة، وعلى رأسها أنه كان رجل المرحلة كما ذكرنا آنفا حيث كان المطلوب إقليميا ودوليا إيجاد قائد يخرج من رحم الإسلاميين، ولا يفهم فحسب وإنما أيضا يحسن مواجهة الإسلاميين الذين كان يستفحل أمرهم في مقديشو بعد خروج إثيوبيا وهي يُنظر إليها على أنها مهزومة عسكريا، ولما كان جديدا في الإدارة والسياسة كان يُتوقع منه أن يختار لرئاسة الوزراء رجلا يكبره في السن ومارس طويلا السياسة وإدارة الدولة مدة أطول، غير أنه ولسوء حظه اختار عمر عبدالرشيد شرماركي الذي لم يكن يتمتع بأفضل مما يتمتع به هو في هذا المضمار الشائك، فكلاهما شاب في مقتبل عمره، والأول كان مدرسا في المدارس الإبتدائية الدينية حتى وقت تأسيس المحاكم الإسلامية، أما الثاني فجل خبرته أنه عمل موظفا صغيراً للأمم المتحدة في دارفور وانطلاقا من هذه المعطيات كان بدهيا أن تغرق السفينة في وسط الأمواج المتلاطمة، وأصبح واضحا للمبتدئين في السياسة ناهيك عن المحترفين فيها أن الرجلين يعانيان من أزمة في اتخاذ القرار منذ الأيام الأولى التي وطئت أقدامهما مقديشو، وأصبحا يعتمدان على مستشارين منقرضين وانتهازيين لا يريدون لهما النجاح والتقدم، ولذلك سرعان ما خرجت مناطق كبيرة تركتها الحكومة السابقة تحت سيطرة القوات الحكومية من أيدي الحكومة الجديدة وخضعت للمعارضة الإسلامية، بسبب سوء إدارة الحرب تارة وإهمال القوات الحكومية تارة أخرى.

ولذلك كان بدهياً أن تنشب الخلافات بين الشابين اللّذين يحتلان أعلى مناصب الهرم في الدولة، بيد أن السبب الحقيقي وراء الخلاف لم تكن حول الهزائم العسكرية والمناطق التي ضاعت من أيدي الحكومة لصالح المعارضة أو إصلاح الوضع الداخلي، أو الاعتناء بالقوات النظامية ورجال الأمن الساهرين في الثكنات العسكرية والذين لا يجدون في بعض الأحيان الوجبات اليومية ناهيك عن رعاية أسرهم وذويهم الذين ينتظرون منهم الطعام والدواء والتعليم، وكأن هؤلآء الجنود ليس عليهم واجبات تجاه أسرهم، أو الطريقة المثلى لشن الحرب على المعارضة المسلحة وإخراجها من العاصمة، أو إيجاد مرتبات لموظفي الحكومة الذين لم يتقاضوا مرتباتهم منذ يوليو عام 2009م، لم يكن الخلاف حول واحدة من هذه الأمور البتة وإنما كان بسبب كتابة وصياغة دستور البلاد كما كان يقوله المحللون.

فقد ضاقت المساحة الزمنية المتبقية للحكومة من عمر الفترة الانتقالية من غير أن تنجز أمرا واحدا، وينص الميثاق الوطني الانتقالي في الفقرة 3 من المادة 11 بأن يتم إجراء تعداد للسكان في البلاد خلال فترة إعداد الدستور، وإجراء استفتاء على الدستور الجديد، والفترة الانتقالية ستنتهي مع حلول شهر أغسطس من عام 2011م، ولذلك حاول رئيس الوزراء شرماركي الشروع في تفعيل لجنة كتابة الدستور تمهيدا لعرضه على الحكومة والبرلمان قبل إجراء الاستفتاء العام عليه، وهنا يقال أن رئيس الجمهورية اعترض على رئيس الوزراء ومحاولاته لإنهاء الفترة الانتقالية.

رئيس الجمهورية يريد مد الفترة الانتقالية إلى عدة سنوات قادمة

إن رئيس الجمهورية كان يفكر دائما في مد الفترة الانتقالية إلى ثلاث سنوات على الأقل تبدأ من بعد أغسطس القادم كما اتضح لاحقا عندما أعاد مشروع قرار البرلمان الذي أضاف فيه 3 سنوات على فترته الزمنية، تستطيع الحكومة خلالها حسب تبريره طرد المعارضة الإسلامية من العاصمة والأقاليم الجنوبية والوسطى على الأقل حتى يمكن إجراء الاستفتاء الشعبي على الدستور الفدرالي بعد صياغته وإنجازه، حيث إنه لا يمكن عرض الدستور للاستفتاء الشعبي في الكيلومترات الأربعة التي تسيطر عليها الحكومة من العاصمة مقديشو، وهي منطقة رغم صغر حجمها غير آمنة، حيث إن المعارضة تنفذ فيها ما تشاء وقت ما تشاء ليلا أو نهارا وأمثلة الهجمات المتعددة على مطار مقديشو الدولي وكذلك على فندقي شامو ومنى خير شاهدين على ما نقول، في الوقت الذي لا تستطيع الحكومة أن تنفذ فيه عملية واحدة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الإسلاميين المعارضين، وعلى كل يكون الرئيس مصيبا إذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، وإنما السؤال الوجيه هو ماذا عسى أن تنفع سنوات إضافية إذا كان الرئيس لم يستطع السيطرة على نصف كيلومتر من المناطق الواقعة شمال شارع مكة المكرمة لمدة عامين كاملين، بل لم يستطع الدفاع عن هذا الشارع الحيوي بالنسبة للحكومة وأصبح ولا زال معطلا من حركة المرور الشعبية وقد سيطرت علي أجزاء منه حركة الشباب في شهر رمضان الماضي لساعات معدودة، للبرهان على أنها سيدة الموقف في العاصمة، والحقيقة أن الحكومة كانت غير قادرة على إحراز نصر على المعارضة المسلحة وإنما يعود السبب الأول كما كان يبدو واضحا خلال السنتين الماضيتين أن الهمّ الأكبر لرئيس الجمهورية كان ينصبّ حول تمديد فترته الرئاسية وبصياغة الدستور على نحو يسهل رغبته هذه، أكثر من المعارضة والهزائم، وضيق المساحة التي تسيطر عليها الحكومة كما كان شائعا في الأحاديث اليومية بين الناس، وربما تستمد هذه الأحاديث مصداقيتها من وجود ما يقارب عشرين ألف عنصر من رجال الأمن المدربين في كل من جيبوتي وأوغندا وإثيوبيا والسودان ولا تستطيع الحكومة استرداد مبنى وزارة الداخلية التي لا تبعد عن القصر الجمهوري أكثر من نصف كيلومتر.

كتابة الدستور وإنهاء الفترة الانتقالية مطلب داخلي وإقليمي ودولي

عندما كان رئيس الوزراء السابق عمر عبدالرشيد يسعى إلى تعجيل كتابة الدستور وإكمال المرحلة الانتقالية في الوقت المحدد لها على نحو مرضٍ كان يحظى برضا شريحة واسعة من الطبقة المثقفة، بصرف النظر عن ما إذا كان ذلك يحقق آمال ولاية بنت لاند، وقد اتهم فعلا أنه كان ينفذ رغبات بنت لاند التي مارست ضغوطا من أجل إنهاء المرحلة الانتقالية والانتقال إلى مرحلة الجمهورية الفدرالية وقدمت شكوى لا تخلو من اللوم والإدانة الضمنية والصريحة في بعض الأحيان ضد ما عُرف في حينه بتأخير وعرقلة عمل لجنة صياغة الدستور في مرات سابقة من قبل القصر كما كان شائعا وإعلانها الأخير بالطلاق البائن بينها وبين العمل والتعاون مع الحكومة الانتقالية المركزية في مقديشو كان يستند إلى هذه الحقيقة أكثر مما كان يستند إلى ما تذرعت به من أن الرئيس شريف أبدى عدم رغبة في حضور مؤتمر دولي سيُعقد في جيبوتي لاحقا في حال ما قُدمت دعوة وحضرت بنت لاند في المؤتمر، كما إن بعض الدول الإقليمية والدولية كانت تدفع في اتجاه إثارة الخلافات بين المركز والأقاليم، في الوقت الذي تدفع فيه الأمم المتحدة أموالا طائلة على لجنة صياغة الدستور وتعقد لها اجتماعات في كل من جيبوتي ونيروبي من وقت لآخر، للدلالة على رغبة المجتمع الدولي الأكيدة في هذا الإتجاه.

حكومة فرماجو بين التركة الثقيلة والعزيمة على تحقيق الإنجازات

بدأت حكومة رئيس الوزراء فرماجو بداية طيبة وموفقة أكثر من سابقاتها، والرجل يتمتع بخبرة عمل حكومي ومؤسساتي بصورة أفضل من سلفه في المكتب، ثم هو استفاد من أخطاء الحكومة السابقة، فأحسن اختيار أفراد حكومته، التى يحمل اثنا عشر من أعضائها الثمانية عشر درجة الدكتوراة كما يحمل الباقون إما درجة الماجستير أو الشهادة الجامعية وهي ميزة لم تتوفر للحكومة السابقة، ونادرا ما تتشكل حكومة من هذا النوع في إفريقيا، لكن هنالك عدة عوامل تعيق حكومة فرماجو من التقدم وتحقيق الآمال العريضة التي يصبوا لها الشعب الصومالي والتي وعدت أن تحققها في الميادين المختلفة وأهمها:

  1. التركيبة القبلية المعقدة التي أدخلت إلى الميثاق الوطني الانتقالي عند كتابة مسودته الأولى في مؤتمر عرتا بجيبوتي عام 2000م، والتي تنص على أن تقسيم المناصب الحكومية بين القبائل تتم من خلال صيغة 4.5، بمعنى أن تتم المحاصصة بين أربعة قبائل كبيرة زائدا نصف التي هي خليط يجمع القبائل الصغيرة، وهذه التركيبة برهنت أنها عائق كبير في وجه نهضة الدولة والترقية بالإدارة في المؤسسات الحكومية، بمعنى إن التوظيف في الوظائف الحكومية يتم الترشح إليها عن طريق القبائل بغض النظر عما إذا كان الشخص متعلما أو جاهلا، وإذا توظف فمن الصعب طرده من الوظيفة لأيّ سبب كان لأنه جاء أصلا بالتقسيمة القبلية، ويتضح من هنا أن اللّذين صمموا هذه التركيبة أرادوا قتل الدولة الصومالية عن عمد أو عن جهل.
  2. الفقر العام الذي تعاني منه الدولة عامة والشعب خاصة بسبب حالة الحرب الدائمة والجفاف والتصحر والنزوح الداخلي المستمر. والدولة المحصورة في كيلومترات محدودة في العاصمة وليس لهاوجود يذكر في الأقاليم مع التغيير الطفيف الذي طرأ في هذه الأيام خاصة في الأقاليم، بحيث تصبح عمليا غير قادرة على جمع الضرائب من المواطنين، وبالتالي فهي واقعة تحت رحمة المعونات الأجنبية، والمجتمع الدولي له أجندات خاصة بالصومال، ومن الواضح أنه لا يرغب في مد الحكومة الصومالية بما تحتاج إليه من المعونات المالية، وهذا يعني أنها لن تستطيع دفع المرتبات لأفراد الجيش والقوات النظامية الأخرى في الأوقات المحددة لها ناهيك عن دفع مرتبات الموظفين والعمال في دوائر الدولة المختلفة.
  3. الرغبة السلبية لضباط الجيش والقوات النظامية الأخرى التي التقت في شكل منسجم مع الرغبة السلبية للقيادات العليا في الدولة التي لا تتجرأ على تصحيح المسارات الخاطئة المبنية على عدم معاقبة أي فرد تثبت خيانته أو سد الخلل عند الضرورة. ونضرب هنا مثالا واحدا هو أن أول محاولة لحكومة رئيس الوزراء فرماجو بدفع مرتب الجيش في شهر ديسمبر الماضي، بدأت بالخطأ القاتل حيث إن قيادة الجيش الذين يُفترض أن يكونوا على علم تام بعدد الجنود والضباط وضباط الصف وأماكن وجودهم ومعسكراتهم ومن هو موجود في خطوط القتال الأمامية إلى غير ذلك من المسائل العسكرية التي يفهمها رجل الشارع البسيط أنها من ضرورات القائد العسكري، تجاهلت الجنود اللّذين كانوا مرابطين في الحصون الأمامية والذّين لا تفصل بينهم وبين عدوهم المتربص الاّ شارع واحد في معظم الأحيان وحذفوهم من قائمة المتلقين للمرتبات، مما حدا بالجنود للخروج من الثكنات العسكرية إلى الشوارع بالمظاهرات وأطلقوا نيران الرصاص على القريب والبعيد ومات أناس بهذه النيران وأحدثوا فوضى خطيرة في محيط القصر الرئاسي ومكتب رئيس الوزراء، والأمر الملفت للنظر هنا هو أنه لم تكن هناك مؤاخذة على المسؤولين عن تلك الأخطاء الفادحة ولم يتم عقاب الذين أعطوا المرتبات للجنود الموجودين في المناطق البعيدة عن القتال وشبح الموت، وتجاهلوا المستحقين لها عن جدارة، ولا أحد سيجادل أن أمرا كهذا تمّ عن طريق الصدفة، كما أنه لا يمكن أن تكون قيادة الدولة جاهلة عنه والاّ تكون معابة عيبا كبيرا، ومن هنا يتضح أن رغبة بعض قيادة الجيش المتنفذين التقت بصورة توافقية مع رغبة القيادات العليا في الدولة بأن تظل الصورة مقلوبة أو هكذا قّدر لها أن تبقى مقلوبة.
  4. الصراع الأخير الذّي احتدم بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان حول تمديد فترة البرلمان، ففي الوقت الذي يصر فيه رئيس الجمهورية بأن يكون التمديد شاملا لرئاستي الدولة والبرلمان والبرلمان نفسه والحكومة في آن واحد، فإن رئيس البرلمان يريد أن تخوض الرئاستان (رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان) انتخابات عامة يترشح فيها كل من له كفاءة ومقدرة، وقد تكون هذه الرغبة التقت برغبة دول الجوار والمجتمع الدولي الذي قد يكون مختلفا بعض الشيء مع رئيس البرلمان بزيادة مدة البرلمان بثلاث سنوات حيث تؤكد المعلومات أنه مستعد للموافقة على تمديدها بين سنة أوسنة ونصف بالكثير على أن تكون هناك خارطة طريق واضحة ومكتوبة للحكومة بالإنجازات على أرض الواقع وقد يوافق في النهاية على التمديد إلى السنتين، والملفت للنظر هنا هو أن رئيس البرلمان ينطلق من ثقة مفرطة بحيث إنه ليس مستعدا للتفاوض مع رئيس الجمهورية حول موضوع تمديد محتمل للرئاسات نزولا عند رغبة القصر أو المسّ بالسنوات الثلاث التي زادها البرلمان لنفسه في 3 فبراير الماضي، ويصر على إجراء الانتخابات قبل شهر أغسطس القادم تفاديا لفجوة دستورية محتملة، وهنا يقول البعض إن رئيس البرلمان يرغب في التنافس والفوز بمنصب رئيس الجمهورية، مع أنه لم يصرح بذلك حتى الآن.

الانتصارات الأخيرة تبعث الأمل في الحكومة الصومالية

شنت القوات الحكومية والإفريقية الداعمة لها هجوما على مواقع المعارضة في العاصمة مقديشو في صباح السبت 19 فبراير الماضي وأحرزت فيها انتصارات محدودة ما لبثت أن توقفت بعد أن سيطرت القوات البروندية على مقر وزارة الدفاع السابقة التي كانت مسرح العمليات بالنسبة لحركة الشباب المجاهدين وكذلك بعض الجيوب الصغيرة الأخرى مثل مصنع الألبان ونادي ضباط القوات المسلحة، ويلاحظ هنا غياب دور القوات الأغندية حيث إنها أثبتت بعدم جديتها في المشاركة بالقتال والأخطر من كل ذلك غياب دور القوات المسلحة الصومالية ويعود هذا الغياب إلى الأسباب التالية حسب عتقادنا:

  1. لا تتمتع القوات الصومالية بالتسليح الجيد الذي يتناسب مع المخاطر الجسيمة المحدقة بها، فهي تواجه عدواً يستهدف استئصال شأفتها ويتفوق عليها من كل الجوانب خاصة الجانب الروحي (العقيدة العسكرية)، وتعتمد على القوات الإفريقية بالتسليح ومدها بالذخيرة، وهذا الأمر يبدو أنه خلق عقدة نفسية بين الجانبين وعدم ثقة تؤثر دائما سلبيا في تحسين الأداء الضعيف في ميادين القتال ضد المعارضة.
  2. الغالبية العظمى من قوات الحكومة تمضغ أوراق شجرة القات ولذلك أثبتت كل التجارب أنها إذا خاضت معركة ضد المعارضة وحققت انتصارا ولو على زقاق واحد في العاصمة فإنها تتراجع وتخليه عند منتصف النهار للبحث والجري وراء أوراق القات متذرعة بأسباب مثل نفاذ الذخيرة، وتعود المعارضة إلى الأماكن التي أجليت عنها في الساعات الأولى من الصباح، وبهذه الطريقة كانت عمليات القتال خلال السنتين الماضيتين مجرد كرٍ وفرٍ وهو أمر يصب في نهاية المطاف لصالح المعارضة، فلو كان قائد أي فرقة عسكرية يعلم أنه في حال تراجعه عن انتصار حققه مهما كان صغيرا بأنه سيكون معرضا للعقاب لما تراجع بسهولة، لكنهم يعلمون أن الصورة مقلوبة في الوقت الحالي على الأقل أو بمعنى آخر لا توجد مؤاخذة فلماذا لا يتراجع.
  3. العناية المتدنية من الحكومة لأفراد القوات النظامية، صحيح أن ظروف دفع المرتبات تحسنت وانتظمت في الشهور الثلاثة الماضية لكن أصداء أيام الإهمال لا زالت تتردد في آذان الجنود وبالتالي فإن الثقة لا زالت مهتزة، ونسجل هنا أنه بعد سنتين ونصف تقريبا من استعدادات الحكومة لشن الهجوم النهائي على المعارضة كما كانت تقول دائما، فليس هناك مستشفى عسكري تستوعب به أفراد الجنود الذين يخوضون المعارك شبه اليومية، مع الأخذ في الاعتبار قدرات الحكومة في نقل كل أفراد الجيش الذين تصيبهم الجروح الخطيرة وما أكثرهم إلى البلدان الخارجية، فقد سُجل من أحد الجنود الخارجين من مستشفى القوات الإفريقية في مطار مقديشو الدولي قوله رأيت جنديا صوماليا مصابا بالجروح البالغة وهو يصرخ ويتضور من شدة الآلام ولا أحد يبالي به، قال أن أي جندي يرى حالة هذا الجندي المجروح الذي يعاني من الإهمال فلن يقاتل للحكومة.
  4. عزل قائد هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة مع قادة المنظومة الأمنية الآخرين في الدولة الذي جاء في توقيت سيء للغاية، وعدم تعيين بديل له في نفس اللحظة ولا شك أن هذا الإجراء سيؤثر بطريقة أو بأخرى على عمليات القتال الجارية في هذه الأيام في مسارح العمليات المختلفة.

وللإجابة على السؤال الذي بدأنا به المقالة وهو هل ستحقق حكومة فرماجو ما عجزت عنه سابقتها نقول نعم، والدليل على ذلك لجوء المعارضة الإسلامية لآخر ورقة لديها وهي الشيوخ الكبار الذين تتراوح أعمارهم بين الستين والثمانين عاما الذين ظهروا في معارك مقديشو مؤخرا والذي يدل على إفلاس المعارضة واستنفاذ شريحة الشباب الذين طالما واجهوا رصاصات ومدافع القوات الإفريقية المنهمرة كالمطر الغزير بصدور عارية وبشجاعة منقطعة النظير، فقد ماتت الغالبية العظمى أو جرحت جروحا أعاقتها عن خوض معارك مستقبلية، وهنا يتبادر إلى الذهن هل سيظل الإسم “حركة الشباب” مع إهمال اسم الشيوخ إذا أبلوا في الحرب بلاء حسنا؟

ثم الهزائم التي شاهدناها في أقاليم جدو بغربي الصومال وفرار أعداد من مقاتلي الشباب نحو كينيا وما أفشوه من أسرار، وكذلك في أقاليم جلجدود وهيران وباي وبكول وغيرها من المناطق بما في ذلك العاصمة نفسها، والأنباء الواردة من الجنوب بأن القوات الصومالية التي تدربت في كينيا منذ وقت سابق من عام 2009م وكانت جاهزة للانطلاق نحو الهدف الذي تدربت من أجله بأنها ستبدأ التحرك الفعلي في الأيام القليلة القادمة ولعلها بدأت بالإستيلاء على مدينة عيلواق الواقعة في الحدود بين الصومال وكينيا التي كانت تسيطر عليها المعارضة، ثم القصف العنيف بالراجمات على مدينة طوبْلي الحدودية، والهدف النهائي لهذه القوات هو مدينة كسمايو مبعث قلق كينيا العميق وهو أمر إذا تحقق فلا شك أن المعارضة ستضطر للتركيز على الدفاع عن تلك المدينة الإستراتيجية والمهمة بالنسبة لها، مما سيجعل خاصرتها ضعيفة في العاصمة وبقية الأقاليم الأخرى. إن هذه المؤشرات وغيرها كلها تدل دلالة واضحة بأن أداء هذه الحكومة أفضل بمراحل متقدمة من سابقتها.

3 تعليقات

  1. في رأيي أن أفضل ما يمكن أن يقدمه الإتحاد الإفريقي من المساعدة للشعب الصومالي في هذه المرحلة الحرجة أن يسحب القوات اليوغندية بعد ثبوت مواقفها السالبة في القتال ضد المعارضة ويحل محلها إما مزيدا من القوات البروندية التي تقاتل جيدا أو قوات إفريقية أخرى أيا كانت بلادها، فإن القوات اليوغندية أصبحت مهمتها في مقديشو إستهداف المواطنين الأبرياء في الأحياء الآهلية بالسكان وقتلهم بالعشرات وتدمير البيوت بالصواريخ والمدافع الثقيلة، ولذلك فإن وجودها في الصومال يشكل عبئا ثقيلا على الشعب. وشكرا

  2. وقع الصومال فريسة سهلة لمؤامرة عالمية خطيرة ومتروك الآن تحت رحمة الأعداء التقليديين له، والمؤآمرة مرت بمراحل متعددة وفي كل هذه المراحل كانت تتطور إلى أسوء بسبب سوء القيادة أو بسبب الطريقة الخاطئة التي تعالج بها الأزمة.
    والواضح في الوقت الحالي أن حركة الشباب لن تقدر على تخطي شارع مكة المكرمة إلى الجنوب وإن واصلت القتال لسنين عديدة كما أن الحكومة لا يرجى أن تحرز نصرا على الحركة بسبب ضعف القيادة المزمن، والضحية في النهاية هو الشعب الصومالي المسكين والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

  3. شكرا لكاتب هذا المقال الجميل والشكر أيضا لشبكة الشاهد الإخبارية التي تحرص على إنتقاء المقالات الهادفة والجيدة.
    المقال موضوعي ومتزن ويتناول الأحداث بدقة وبتسلسل رائع كما سجل أحداثا تاريخية هامة في التارريخ الصومالي المعاصر ولا شك أن السياسيين الصوماليين الحاليين والقادمين سيستفيدون منه ومن أمثاله لسد الأخطاء المتكررة وعلاج الأزمة من جذورها وإتخاذ القرارات المناسبة في الأوقات المناسبة سائلين الله عز وجل أن يخرج الشعب الصومالي من المشكلة الحالية وأن يقيض له قيادة رشيدة وحكيمة ترد عنه كيد الأعداء القريبين جغرافيا والبعيدين وتعيده إلى مجده وعزته السابقة إنه ولي ذلك والقادر عليه. آمين

%d مدونون معجبون بهذه: