قضية فبراير (٢٠١١) – الأزمة بين ولاية بونتلاند والحكومة الفيدرالية: الدوافع وآفاق الحل

[download id=”19″]

تـــوطئــة:

كان إعلان حكومة ولاية بونت لاند مؤخرا بقطع علاقتها مع الحكومة الإتحادية زلزالا هز كيان الأخيرة مبشرا بتمرد لربما يفتح الشهية للأطراف كلها أن تنتهج نفس السياسة والأسلوب مع المركز، وتعلن عصيانها الكامل على الحكومة المركزية المتهمة بأنها المستأثرة دوما بالمعونات الخارجية وتمثيل الشعب فى المحافل الدولية.

وعلى الرغم أن قرار قطع العلاقة قد أتى بدعوى عدم تعاون الحكومة الانتقالية الفدرالية بشأن الاتفاقية المبرمة بينها وبين بونت لاند  فى بلدة جالكعيوا خلال شهر أغسطس من العام المنصرم ٢٠١٠م، وأن الحكومة الصومالية تقوم بحرمان الولاية  نصيبها من المساعدات الخارجية، وأنها تسعى إلى زعزعة استقرارها، واستقرار مناطق أخرى في الصومال، إلا أن هذه الخطوة تمثل فى تقديرى نقلة نوعية فى التمرد المرغوب، لاسيما وأن الموقف يتعلق بإدارة أموال الدولة التي تستوجب التحلى بالشفافية والتوزيع العادل، واجتناب تهميش أى طرف صومالي بقدر الامكان، علما أن هناك شعورا متزايدا لدى البعض – ومنذ أمد بعيد – أن الثروة القومية كلها باتت تذهب إلى فئة معينة تحت مبرر المركزية تارة، وأولوية العاصمة القومية من الولايات تارة أخرى.

وفى السياق ذاته أعلنت ولاية البونت أيضا أنها تمنع مسئولي الحكومة الفيدرالية وأعضاء البرلمان من دخول أراضيها “بتأشيرة أو بدونها” حيث ذكر بيان صادر من حكومة الولاية بأنها لا تسمح لمسئولي الحكومة الانتقالية الدخول إلى أراضيها بصفتهم أعضاء في الحكومة، وعلى مطارات الولاية تنفيذ هذا القرار، علما أن آخر ما تبقى من شعرة معاوية بين مقديشو وجروى لفظت أنفاسها الأخيرة مع هذ الإعلان المؤدى إلى إغلاق المجال الجوى أمام مسئولى الحكومة الانتقالية. و لم تعد الحدود البرية متاحة بسبب سيطرة حركة الشباب على هذه المناطق الفاصلة بين مقديشو وجروي، ليرسم لنا ذلك المشهد خريطة مشوهة تعبر عن تقسيم المقسم وتفتتيت المفتت وتجزئة المجزأ.

بونتلاند

بونتلاند أو “أرض البنط”: تقع شمال شرقي الصومال. تبلغ مساحتها تبلغ حوالي 212 ألف كم مربع كما أنها تشكل ثلث الأراضي الصومالية – بحسب وثائق المعلومات التي تصدرها الولاية – ويقطنها حوالي 2.5 مليون. ومنذ أغسطس/ آب 1998 قرر مجلس الشيوخ بهذا الإقليم إعلان الحكم الذاتي، وتتجاور بونتلاند مع أرض الصومال وتتنازعان على منطقتي “سول” و “سناج” منذ نشأتهما.

إعلان قرار قطع العلاقات

وفى منتصف شهر يناير من العام الجارى أعلنت ولاية بونت لاند قطع علاقاتها مع الحكومة الانتقالية الصومالية عقب اجتماع طارئ لمجلس الوزراء الذي ترأسه عبدالرحمن شيخ محمد فرولى رئيس الولاية. وذكر وزير التخطيط والتعاون الدولي داود محمد عمر أن ولاية بونت لاند لن تتعاون مع الحكومة الانتقالية الصومالية لعدم تفعيل الاتفاقية التي تم توقيعها بين الجانبين في جالكعيو خلال شهر أغسطس من العام الماضي، والتهميش الذي تعرضت له الولاية خلال عملية السلام في جيبوتي التي أدت إلى تشكيل الحكومة الصومالية الحالية في مطلع 2009م.

واتهم البيان الصادر عن مجلس الوزراء في الولاية أن الحكومة الصومالية تقوم بحرمان الولاية  نصيبها من المساعدات الخارجية وأنها تسعى إلى زعزعة استقرار بونت لاند ومناطق أخرى مستقرة في الصومال، واعتبر عمر اعتراض الحكومة الفدرالية على مسودة الدستور التي أعدتها لجنة مستقلة وعرضت في فترة رئيس الوزراء السابق عمر عبد الرشيد شرماركي، ناتجا عن تقصيرها في واجباتها تجاه تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد وتحسين الظروف المعيشية وعملية المصالحة، وكذلك تقصيرها في العمل على إقامة إدارات مبنية على النظام الفدرالي على مستوى البلد. وعلى هذا الأساس فإن الحكومة الصومالية  لا تمثل بونتلاند فى المحافل الدولية وبالتالي فإنه يتعين على الهيئات والدول المانحة  التعامل المباشر مع بونت لاند.

وأضاف أن افتقار رئاسة الصومال للكفاءة المطلوبة من الأسباب التي حملت سلطة بونت لاند على قرار القطيعة مع الحكومة المركزية التي اتهمها أيضا بإشعال الحرب في المناطق المستقرة، في إشارة واضحة إلى الرئيس شريف والذى يؤخذ عليه دائما عدم الخبرة السياسية، وأن الحال قد ارتقى به  إلى كرسى الرئاسة دونما أى تدرج، ما من شأنه أن يعيق الانسجام اللازم بين الحكومة والإدارات الإقليمية من جهة، وبينه وبين السلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة أخرى.

والجدير بالذكر أنه منذ إعلان رئيس الحكومة الصومالية الجديدة محمد عبد الله فرماجو تشكيلته الوزارية ذكرت ولاية بونت لاند أنها سوف تعيد النظر فى علاقتها مع الحكومة الفدرالية بمقديشو.
وعلى الرغم أن التشكيلة الوزارية هى التى أثارت حفيظة المسؤولين فى الولاية، الا أنهم لم يتطرقو إلى ذلك مباشرة فى تصريحاتهم وبياناتهم، غير أن خطاباتهم كثيرا ما كانت تعبر عن استيائهم من عدم تنفيذ الحكومة الصومالية  لبنود اتفاقية جالكعيو التي تَمّ إبرامها بينهم وبين مقديشو، وشعورهم  بقلق عميق لما يبدو أنه مماطلة من الحكومة الفيدرالية، في وضع وإقرار مسودة دستور، تقنّن النظام الفيدرالي الذي تَمّ الاتفاق علية في مؤتمر المصالحة الوطنية بكينيا 2002-2004م.

وتجدر الإشارة إلى أن اتهامات مسئولى بونتلاند للقادة في الحكومة المركزية شملت انتهاجهم أسلوبا قاسيا فى التعامل مع قضايا الولاية، ومحاولاتهم العنيفة لتهميش سياسي وآخر اقتصادي بجانب المضايقات المستمرة التي يتعرض لها السفراء والقناصل ومندوبِو الهيئات والمؤسسات الدولية، الذين ينتمون إلى الولاية كما شملت الاتهامات الأخيرة لسادة ولاية البونت والموجهة إلى مسؤولى الحكومة الفدرالية إصرار الأخيرة على استضافة شخصيات معروف بعدائها لبونتلاند وعملها المستمر على تعكير صفو الأمن في الولاية التي تتمتع باستقرار أمنى ونمو اقتصادي متنامٍ. ولربما هذه الاسباب مجتمعة قد حملت ولاية بونت لاند أن تتخذ قرار قطع العلاقة مع الحكومة الفدرالية، والتوقف عن الاستمرار في الوقوف إلى جانب الحكومة الفيدرالية الانتقالية.

اتفاقية “جالكعيو»

فى خطوة وصفت بأنها بمثابة هدنة بين بونتلاند والحكومة الفدرالية فى وتيرة الصراع الذى كاد أن يقود إلى احتدام حقيقى وقع الطرفان إتفاقية شملت خمسة عشر بندا فى مدينة جالكعيوا فى 23 – أغسطس- من العام الماضى2010م.

أهم البنود فى الاتفاقية

  1. تؤكد كل من الحكومة الفدرالية وبونتلاند مبدأ وحدة الصومال، وتقران فى هذه الاتفاقية ضرورة العمل معا من أجل وحدة البلاد. وبناء على ذلك تعترف الحكومة المركزية بأن بونتلاند جزء من النظام الفدرإلى كما تعترف الحكومة المركزية بإدارة ولاية بونتلاند مثمنة فى نفس الوقت جهدها فى تثبيت الأمن والاستقرار.
  2. العمل معا لإتمام مشروع مسودة الدستور، وتكوين لجنة تنفيذية تعمل لإقامة الاستفتاء الشعبى لإجازة الدستور فى أقرب وقت ممكن.
  3. الشروع بصفة رسمية إلى إعداد الدستور وتطبيق النظام الفدرالي دون إبطاء أو تأخير، وتساعد إدارة بونتلاند يتوفير مقر للجنة التنفيذية فى حاضرة بونتلاند “جروى”  وتقدم لها الدعم اللازم لتسهيل مهمتها.
  4. انطلاقا من مبادئ الدستور الانتقالي الحالي يجب  تشكيل  إدارات للولايات الأخرى، اقتداء بنموذج بونتلاند.
  5. لبوتنلاند الحق فى مشاركة المؤتمرات التى تناقش أى قضية تمسها أوتعنيها.
  6. إنشاء مقر عسكرى فى أراضى ولاية بونتلاند لتدريب الجيش ومدهم بالسلاح المعين فى أداء المهام المنوطة بهم.
  7. التعاون من أجل محاربة القرصنة.
  8. أن تخصص لبونتلاند نسبة 25% من المعونات المتحصلة باسم الشعب الصومالي وكذلك المنح الدراسية.

وإذ تقطع بونتلاند علاقتها مع الحكومة الفدرالية تحت ذريعة أن الأخيرة لم تلتزم بالاتفاقية المبرمة بينهما، يعتقد بعض المراقبين: أن الاتفاقية نفسها كانت متسرعة، ووقعها من طرف الحكومة الفدرالية رئيس الوزراء عمر عبدالرشيد شرمأركى – المنحدر من الولاية نفسها – الذى قدم التنازلات لطرف حكومة الولاية وعلى طبق من ذهب ليخدم أهله فى منصب لم يعد يحلم به لولا دعمهم ووقوفهم بجانبه.

تعيين شرماركى لرئاسة الوزراء وما لعبه من دور إيجابى

منذ أن استقال الرئيس عبد الله يوسف عن منصب رئاسة الجمهورية بضغوط مورست من قبل المجتمع الدولى أجبرته على الرحيل طواعية عن القصر، ترك ذلك فى نفوس المجتمع البونتى  شعورا غير حميد، معتبرين ذلك إهانة لزعيم ناضل من أجل اقامة دولة بونت لاند وسهر كثيرا للدفاع عن مصالحها، وهو صاحب الفضل  فى تحقيق أمنية باتت منذ انهيار الدولة الصومالية عام 1991م  لدى الساسة البونتيين حلما بعيد المنال (الوصول إلى كرسى الرئاسة) لأن الكثيرين من ساسة بونتلاند عجزوا عن تحقيق الوصول إلى أعلى هرم السلطة، بالرغم من أن بعضهم  قد تولوا رئاسة الحكومة مرارا كالحال فى حسن أبشر حين تولى رئاسة الحكومة أيام عرته ومن قبله الدكتور على خليف جلير المنحدر أيضا من تلك المنطقة. فكان السيد يوسف هو الذى تحدى ذلك المنطق وأعاد الثقة لأهل بونتلاند أنهم مازالوا قادرين على تولى الرئاسة بل وأنهم الجديرون بتوليها فى كل الأحوال.

أن يفارق ذلك الزعيم “الأسطورى” منصب الرئاسة كانت – على الأقل- فى نظر مجتمع بونتلاند مهزلة لم يفهم أبعادها، وتركت أثرا سلبيا على صناع القرار فى ولاية بونت لاند. فالشعورالعام  بتلك الإهانة وعدم الانصياع لمطالب فرولى بأن يسلم حصة بونتلاند لإدارة الولاية  وأنها الجهة الوحيدة المخولة لتعيين من يمثلها فى الدولة المركزية، وأنهم لا يسمحون بأن يستأثر تحالف التحرير – جناح جيبوتى – تشكيل مؤسسات الحكم وتولى المناصب الرئيسة فيها أصبحتا القشة التى قصمت ظهر البعير، وعكرت صفو العلاقة الفاترة أصلا بين الجانبين لتعلن إدارة ولاية بونتلاند أثر ذلك أنها لا تعترف بالحكومة المنبثقة عن ذلك المؤتمر. وبعيد انتخاب الرئيس شريف جاْءت خطوة تعيين شرمأركى لمنصب رئيس الوزراء من قبل شريف المدعوم دوليا كنوع من المغازلة السياسية لكسب ود بونتلاند وضمان ولائها لتحالف فرضه الواقع لمواجهة المد الإسلامى المتشدد الذى لن تسلم منه بونتلاند اذا لم تدعم الحكومة المؤقتة فى مواجهاتها اليومية ضد تلك التيارات من ناحية، وجني المساندة اللازمة من شعب بونت لاند للحكومة الفدرالية من ناحية أخرى.

وفعلا  خففت  تلك الخطوة من الاحتقان، وأقرّ البرلمان سريعا تعيين شرمأركي مما أكد التنسيق المحكم بين البرلمان والمجتمع الدولى لدعم شرمأركى. وهنا عادت الأمور إلى مجاريها الطبيعية لتنتعش العلاقة الفاترة من جديد بين الحكومة الفدرالية وبقيادتها الجديدة وبين بونتلاند. وخففت الأخيرة انتقاداتها الحادة للحكومة المركزية بعد تعيين – عمر عبد الرشيد رئيسا للوزراء الأمر الذي فهم أنه واحد من اثنين:-

  • الأولى- أن رجحان كفة شرمأركى على حساب المرشحين الآخرين جاءت نتيجة لإرضاء بونت لاند بحكم أن شرمأركى ينتمي إلى بونت لاند ومن ثم سيحصل على دعمها، إلى جانب أنه ينحدر من أسرة سياسية معروفة ومحترمة لا يسع للرئيس فرولى معارضته أو نصب العداء له.
  • الثاني : أن قبول بونت لاند للحكومة الانتقالية جاء تجاوبا مع ضغوطات قد مورست من قبل المجتمع الدولي، وهذا ماعجزت حكومة  فرولى مجابهته حيث  كانت في أولى أسابيع تبوئها على كرسي رئاسة الولاية.

وأيا كان السبب وراء تعيين شرمأركى وتأييد بونت لاند له فإنّ تأييد بونت لاند للحكومة الانتقالية لم يدم طويلا. وعبرت بنت لاند عن تخوفاتها حيال مصادقة البرلمان الانتقالي تطبيق الشريعة الإسلامية على الدستور الانتقالي القاضي بفدرالية الدولة، وانصياع الحكومة لمطالب الإسلاميين الذين يعرف اعتراض معظمهم على الفدرالية واستحقاقاتها.

مسألة الفدرالية ودورها فى تأجيج الصراع

وبما أن الدولة الفدرالية هى الدولة التى تقوم فيها السلطة على مبدأ الاقتسام والنتسيق، فان الفدرالية الحاصلة فى الصومال لربما تختلف شكلا ومضمونا عن الفدراليات المعهودة فى الدول الأخرى على الأقل، اذ ان الحكومة المركزية لم تعد لديها سلطات تسمح لها أن تخول جزءا من سيادتها إلى حكومة الولاية، بجانب أن الدستور الانتقالى أقرّ بمبدأ تطبيق الفدرالية دون أن يحدد لها آلية معينة للتطبيق، مما فتح الباب على مصراعيه بأن يفسر كل طرف سواء من المركز أو الأطراف الميثاق الوطني الانتقالي وفق مايخدم مصالحه، علما بأن المزاج العام للسياسيين يميل إلى فدرالية لا تعترف لالحكومات الولائية الموجودة (اللامركزية الإدارية).

ومهما يكن من أمر لم يتوان رؤساء ولاية بونتلاند في  تأكيدهم التام على أن بنت لاند ولاية تتمتع بحكم ذاتي ضمن نظام اتحادي فدرالي وأنها ليست دولة يراد لها تحقيق مخططات  إنفصالية، حيث أضحت بونت لاند ومنذ تأسيسها تتفاعل مع معظم القضايا التي تمس المصالحة بين الفرقاء الصوماليين، وعززت نسبيا الجهود الداعمة  للوحدة الصومالية مما عكس سلبا على دعاوى الانفصال التي كانت تأتي من طرف جمهورية أرض الصومال التي أعلنت انفصالها من طرف واحد عن باقي الصومال منذ 1991م. وبهذا تكون قد لعبت الولاية أدوارها كلاعب أساسي في الحفاظ على الوحدة بدل أن تساهم في زعزعة الوحدة الصومالية التي آمن بها كثير من زعماء بنت لاند البارزين خطا أحمر لا يمكن المساومة أو التفريط  فيه على الأقل فى تصريحاتهم، وآخرها موقف الرئيس عبد الله يوسف بعيد استقالته اذ أوصى شعب بونت لاند على التمسك بخيار الوحدة.

الشيء الملاحظ من موقف بونت لاند خلال تواجدها في مؤتمرات المصالحة الصومالية لا سيما بعد انتهاء فترة ولاية حكومة عرته بقيادة السيد عبد القاسم صلاد حسن هو التركيز على أن تكون أية  دولة صومالية مقبلة مؤسسة على النظام الفدرالي ضمن دولة صومالية اتحادية وهو مطلب يبدو أنه لا يحظى بدعم البنتلانديين وحدهم بل يحظى بدعم مكونات أخرى في المجتمع الصومالي، وذلك أن الفدرالية هي أسلم في ظل أجواء عدم الثقة السائدة في أوساط  القبائل الصومالية ممن لا يحبذ أن يرى نفسه وسط  دولة مركزية تستحوذ على كل شيئ وقد تكون  مسخرة  لصالح قبائل معينة على حساب القبائل الأخرى، وحتى الآن فإن كثيرين من الساسة الصوماليين قلقون حيال الدولة المركزية، وترتكز خطاباتهم على حتمية الفدرالية كمرجعية أساسية لنظام الحكم.

وفي ظل الحكومة الانتقالية الفدرالية بقيادة عبد الله يوسف ما بين 2004-2008م لم تسعفه كونه مؤسس الولاية ورئيسها الأول، إذ لم تساوم الولاية  في الاحتفاظ بحكمها الذاتي واستحقاقاتها الإدارية في ظل حكومة يوسف الفدرالية مما أدى إلى احتدام الخلافات بين الحكومة الفدرالية وحكومة بونت لاند على خلفية إبرام بونت لاند عقودا مع شركات أجنبية للتنقيب عن معادن وبترول في أجزاء من أقاليم الولاية. وبالرغم من إنهاء تلك الإشكاليات فيما بعد عبر قنوات الحوار، إلا أن ذلك خلق انطباعا مفاده أن بونت لاند ماضية قدما في تعزيز استحقاقات الفدرالية بحذافيرها حتى لو كان (يلامس ما يشبه استقلالا تاما  عن المركز، علاوة على ذلك حافظت  بنت لاند على علاقات اقتصادية وسياسية مع بعض الدول والشركات الأجنبية بسيادة الأمر الواقع دون تنسيق يذكر مع الحكومة الفدرالية الضعيفة  بزعامة عبد الله يوسف آنذاك.

وانكشفت معالم الخلاف بين الحكومة الفدرالية وحكومة بونت لاند في حوار للرئيس عبد الرحمن فرولى  مع إذاعة صوت أميركا قسم اللغة الصومالية في شهر مارس – آذار 2009م؛ حيث عبر فيه عن مخاوف حكومته حيال توظيف حكومة شيخ شريف مصطلح “حكومة الوحدة الوطنية” بدل “الحكومة الفدرالية” لما يمثله  من خرق لمفهوم الدستور الانتقالي الذي ينص على فدرالية الدولة،  وصرح قائلا: “أعتقد أن النظام الفدرالي هو النظام الوحيد القادر على جمع الصوماليين في نظام حكم موحد، وهو الذي يفضله معظم الصوماليين مثل القبائل القاطنة فى جوار نهرى شبيلى وجوبا التى عانت بدورها من المركزية وحتى القبائل القاطنة فى أقاليم جوبا، بما في ذلك الأقاليم الشمالية الانفصالية التي لا يمكن التفاوض معهم إلا على أساس الفدرالية، إضافة إلى كونه الخيار الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يتصالح الفرقاء الصوماليون”.

وفي حال  توجه الحكومة الانتقالية إلى تعديل الفدرالية الحالية، حذر الرئيس عبد الرحمن فرولى في حواره هذا من أن بونت لاند “لن تقبل أي تعديل دستوري من شانه تقويض الحكم الذاتي الذي تتمتع به بنت لاند”.

إشارات من إدارة بونتلاند للضغط على الحكومة الفدرالية.

فى كثير من الأحايين تتهم الحكومة الانتقالية إدارة دولة بونتلاند بأنها توجهت نحو الانفصال كحال أرض الصومال. وما حصل من شد وجذب قاد إلى حرب كلامية عنيفة بين رئيس الوزراء السابق  السيد على محمد جيدى، ورئيس الولاية السابق  الجنرال عدى موسى  فى خلفية التعاقد مع  شركات أجنبية لتنقيب البترول دون دراية الدولة المركزية ليس ببعيد عن أذهاننا، وتتهم بونتلاند وإداراتها السابقة واللاحقة الحكومة المركزية بالاستئثار على المعونات الخارجية المقدمة للصومال.

وفى وسط تبادل الشكوك بين الطرفين، تمّت المصادقة على دستور جديد للولاية في 29/5/ 2009م حمل في ثناياه تساؤلات عدة حول ما إذا كان العد التنازلي لانفصال بونت لاند عن باقي جنوب الصومال قد بدأ، وبالرغم  من عدم نص الدستور الجديد صراحة على الانفصال، إلا أن بعض مواده ملغومة إلى حد  فهم أنها إرهاصات للانفصال.

والمواد الأكثر إثارة في الدستور الجديد للولاية هي: المادة الرابعة التي ورد في بعض فقراتها ما يحمل بذور الانفصال، فالفقرة الأولى من هذه المادة  تقول «حكومة بونت لاند جزء من الصومال، وتقع عليها مسؤولية تحقيق بناء دولة صومالية على أساس نظام فدرالي» لكن الفقرة الرابعة من المادة نفسها تقول : «إن لحكومة بنت لاند الحق في إعادة النظر فيما جاء في  الفقرة الأولى في حال:

  1. فشل الصوماليون في بناء دولة صومالية مؤسسة على النظام الفدرالي.
  2. استمرار الاحتراب والقلاقل في بعض أجزاء الصومال.

إذا أمعنا النظر في هذه الفقرة فسنجد أنها تشترط بقاء بونت لاند في الصومال بتحقيق أمور محددة على أرض الواقع، بعدما كان الدستور السابق ينص على بقاء بنت لاند جزءا لا يتجزأ من الصومال دون قيد أو شرط.

وعلى ضوء الدستور الجديد، فإن انفصال بونت لاند قد يتبلور كلما تأخر تنفيذ مطالبها، وأي استحقاق على خلاف ذلك قد تجعل بونت لاند في حلّ لإعلان الانفصال.

الأمر الآخر الذي أثار الشكوك هو تغيير اسم «حكومة بونت لاند الإقليمية» إلى «حكومة بونت لاند الصومالية»، وبالرغم من منطقية هذا الاسم لدولة مثل بونت لاند التي لا تريد أقل من حكم فدرالي واسع ضمن اتحاد فدرالي، وأن كثيراً من الولايات ذات الحكم الذاتى مثل أمريكا واستراليا يطلق عليها لفظ الدولة  وأنها ليست دولا مستقلة؛ لكن الملابسات المحيطة بهذه التسمية الجديدة تجعلنا نضع عليها أكثر من علامة استفهام.

وكذلك في المادة الرابعة تبدو حكومة بونت لاند وكأنها لا تعترف الحكومة الفدرالية الحالية لأن الفقرة الثالثة من هذه المادة  تقول:» إلى حين  يتم إعداد دستور فدرالي تكون بنت لاند طرفا في المصادقة عليه ويعرض لاستفتاء شعبي، ستحتفظ بنت لاند  بصلاحيات دولة مستقلة «

وألمح الرئيس عبد الرحمن فرولى فى حديث له عن علاقته مع الحكومة الفدرالية في الذكرى الحادية عشر من تأسيس ولاية بونت لاند إلى أن استحواذ الحكومة الانتقالية على المساعدات الدولية من قبل مع أنها لا تحكم إلا جزءا صغيرا من الصومال تجعل حكومته تتصرف كحكومة مستقلة إلى حين يتم الاتفاق على خطوط عريضة  تحدد صلاحيات كل طرف  وسبل تقاسم الثروات.

ويرى بعض المراقبين أن الرئيس الحالي يريد من خلال هذا الدستور ممارسة الضغط على الحكومة الانتقالية بغية الحصول على امتيازات اقتصادية وسياسية وهو ما يرفضه بعض أركان حكومة شيخ شريف. ويؤيد مثل هذا التفسير سلوك إدارة بونتلاند  الذى مازال يميل إلى الوحدة من الانفصال، حيث استضافت بطولة كأس الأقاليم الذي جمع خمس عشرة فريقا  إقليميا من أصل18  إقليما في ملعب واحد وسط اجواء الأخوة والفرح والحنين المتبادل بين الشباب مما يمثل خطوة نحو الوحدة بل نفلة نوعية للم شمل الفرقاء  بدورة رياضية  على الأقل.  وافتتحت المباريات باحتفالات حضرها رئيس بونت لاند – عبد الرحمن محمد محمود (فرولى) الذي وصف الدورة بالتاريخية، كما حضرها فى حفل الختام أيضا في إشارة واضحة من الرئيس بانه مازال يدعم الوحدة بل ويتهيأ لأن يقود الوحدة بنفسه دون غيره. واستضافت الولاية كذلك مؤتمر علماء الصومال، ومؤتمر المرأة الصومالية مما يدل على أن إدارة الولاية مازالت تعمل للمصالح القومية الموحدة رغم التهديدات والتلويح أحيانا بعصا الانفصال للضغط على الحكومة المركزية.

وهناك بعض التحليلات المبكرة التي تشير إلى أن السيد فرولى رئيس الولاية  ينوى مستقبلا الترشح لرئاسة الجمهورية ولربما خلفا للرئيس شريف التى شارفت ولايته على الانتهاء وهذا ما يدفعه بأن يظهر قويا أمام خصومه.

آفاق الحل

يتوسط العلمَ الصومالي الأزرق نجمة خماسية بيضاء تجسد ما بات يعرف بالصومال الكبير أو الصومال الإثني أي الفضاء الذي تسكنه قبائل ذات أصول صومالية والمتكون من خمسة أجزاء:

جزآن منها شكلا من سنة 1960 إلى 1991 ما عرف حديثا بجمهورية الصومال ثم تفككا منذ ذلك التاريخ . أما الأجزاء الثلاثة الأخرى فيمكن تسميتها بالأقاليم الصومالية الضائعة لأنها ظلت وما تزال مستقلة عن الصومال أو أجزاء من دول مجاورة. وها هى الصومال الإيطالي بصدد الانقسام ليعلن كل إقليم عن سيادته الكاملة بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة والتى دأبت على إقصاء مجموعات صومالية بمجرد أنها فى مناطق نائية، وبعيدة عن مسرح الأحداث أو العاصمة القومية. فالصومال الإيطالي  وهو أكبر إقليم من حيث المساحة، ويشكل جنوب ووسط الصومال ويمتد ليشمل جزءا من الشمال الشرقي تقطعت أوصاله وتفكك إلى مناطق وكيانات لا سيما بعد أن عانت الأطراف من قبضة المركز.

فأرض الصومال لم يحملها على الانفصال سوى ما ألحقه المركز بها من أذى وإيذاء، وبونتلاند هى الأخرى التى تقطع علاقتها مع المركز بعد أن تضررت فعلا من التهميش المقصود، والجنوب ليس أفضل حالا إذ أننا سمعنا من وسائل الإعلام مرخرا عن ولاية هيران وإن هنالك إدارة جديدة قد شكلت لترمييم البيت الهيرانى وتخليصه من نظام الشباب، كما أن ولاية “جنوب غرب الصومال” قد برزت وبقوة يوما من الأيام معلنة قطيعتها الأبدية مع مقديشو، حين أعلنت نفسها كيانا يتمتع  بحكم ذاتي في جنوب غربي الصومال  أبريل/نيسان 2002م تحت اسم “كيان جنوب غربي الصومال”. وقد اتخذ من بيدوة عاصمة له حينذاك وتزعم الإقليم العقيد حسن محمد نور “شاتي جدود”.

وهناك “كيان جالكعيو ” ولربما غدا القريب كيان شبيلى السفلى أو شبيلى الوسطى لأنهما رغم قربهما من العاصمة ومركز القرار لم يفدهما ذلك إلا تهميشا.

وبناء على ذلك ينبغى مراعاة الآتى لضمان ديمومة وحدة الحكومة الفدرالية:

  1. إعداد مسودة دستور جديد يقر الفدرالية  ولايقف عند ذلك وإنما يضع آليات لتنفيذها.
  2. استبعاد قاعدة “4،5” واستبدالها بالنظام الفدرالى فى توزيع المناصب واتنخاب البرلمان.
  3. الإقرار بالدستور نصا فى دورية الرئيس بين الولايات المنبثقة عن رحم الفدرالية المنشودة، حيث لا تستأثر الرئاسة ولاية معينة.
  4. احترام مطالب بونت لاند المشروعة، والشروع إلى حل الخلافات معها بالحوار والتفاوض.
  5. توزيع المعونات الخارجية المقدمة للشعب الصومالي بصورة شفافة وعادلة.
  6. مراعاة التوازن فى تكوين أى جيش حتى لا تكون العملية مجرد تسليح قبيلة ضدى الأخرى.

اهم المصادر والمراجع :

الصومال اليوم :الأخبار والتقارير
http://www.somaliatodaynet.com/port/2009-04-24-18-19-57/1-2009-03-27-03-56-22/1771-2011-01-17-21-53-.41.html
الإسلام اليوم : مقال بعنوان : بونت لاند تقطع علاقتها مع الحكومة الفدرالية  للكاتب / حسن محمد حاجى
http://islamtoday.net/albasheer/artshow-12-141834.htm
الصومال اليوم : مقال للكاتب / سالم سعيد سالم
http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=4324&Itemid=29
مقال للكاتب / سيدى احمد ولد احمد  الجزيرة نت :
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B074E2B6-33C8-4CC9-B8EB-FB578D838A3D.htm

6 تعليقات

  1. احلي شئ انو نتفق بالراي

  2. اعتقد بان المدعو يونس بونتلاندي ربما يجهل ان ما يسمى ب puntland ما هى الا دمية في ايدي الاثيوبين و انها لامحالة ستزول وستبقى الصومال حره

  3. استبعاد قاعدة “4،5″ واستبدالها بالنظام الفدرالى فى توزيع المناصب واتنخاب البرلمان.
    _______________________

    ما المقصود بقاعدة 4.5 ؟!!

  4. السلام عليكم
    اشكر أخي الأزهري .. فعلا كان موضوع متميز مما زاد إعجابي ديباجة كتابتك وموضوعية طرحك وحيادية نقاشك جعلني ان أقرأ اكثر من مرّة ويستحق ذلك .
    طبعاً , بونت لاند الآن تمر مرحلة إستثنائية – إن صح التعبير – وهذه المرحلة هي التي تقرر مآلات المستقبل بونت لاند …. بدأ و بشكل متزايد إهتمام دول المانحة ومجتمع الدولي ككل بهذا الأقليم الذي يتمتع بمقومات الأساسية للدولة ومن ثم تمسك ايدلوجية الوحدوية من قبل شعب و الحكومة ,
    اما ما يحدث الآن و تصرفات مهينة , وتهميش المقصود التي تتعامل بها حكومة شريف هي التي تعكر صفو و تخلق جوا غير محبوبا لدي شعوب الصومالية

    لا اعرف ماذا اسمي دورالذي يلعب شريف بتأجيج الأوضاع الصومالية وإنحيازة بمنطقة معينة علي حساب مناطق الأخرى ….. فعلا ….. لا يعرف مجريات السياسة الصومالية …. او إنه يتغاضي بما يجري … ثمة أناس يعتقدون ان شريف يكن شعب بونت لاند عدواة .. وهذه عداوة التي ادت بأن يفعل بسياساته الحاقدة للشعوب القاطنة للمنطقة …. إذً , شعب بونت لاند يواطب بتنمية التي بدأها من قبل و يواكب العالم بعقلية لا تعرف تيمز بين ابناء الشعب الوصومالي …. سيدفع ثمن تهميش الشريف في المنطقة مهما توالت الأيام …

    وشكرا أخ الأزهري

  5. اولا يا اخي العزيز يجب ان تصحح بعض ما جاء قي مقالك هذا ليس هناك منطقة متنا زع عليها بين ما يسمى ب بونتلاند و صوماليلاند كان هناك في السابق سوء تفاهم والان تم حلها بقيام ssc darwiishland بقيادة الاخ سليمان عيسي احمد xaglatoosiye وهى الان قائمة ب حد ذاتها لذا يجب عليك ان لا تختلط عليك الامور و ان تكون ملما بالمعلومات

  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أولاً أحي جهذ الكاتب ادم حسن على حيادية تامة لدرجة لم تميل لظرف معين واحييك عليها وكل النقاط الذي ذكرتها تكاد تضرب الواقع رغم نقطة عصا إنفصال لإنه الشعب البونت لاندي هو الذي يحدد ذلك في برلمان أو عن طريق مجلس الشيوخ (ايسمو) ومن ثم استفتاء عام من قبل شعب حالياً يتم ايصال نسخ للدستور لمناطق المختلفة لكي يكون المواطن الصومالي العايش في بونت لاند على علم بحقوقه الدستورية والوطنية

    لكن دعني إعارضك بنقطة توزيع منصب الرئيس على كل ولاية

    لكي تكون لحمة وطنية قوية يجب ان يتم تأسيس احزاب وطنية من ولايات ويقرها البرلمان الفدرالي للتتنافس فيما بينها لتصبح احزاب الرئاسية نفس مايطبق بأمريكا وان يكون بصوت المواطن الواحد على مستوى جميع مناطق الجمهورية نفس دول الفدرالية لأخرى حول العالم

    اشكرك اخي على كتابة تقرير مميز ويستحق بالفعل إن يكون قضية شهر فبراير بكل امتياز وحيادية مهنية

    بانتظار باقي القضايا لاخرى وشكراً

%d مدونون معجبون بهذه: