تقرير نوفمبر (٢٠١٠): السودان على مفترق الطرق: (حق تقرير مصير شعب جنوب السودان ومآلاته)

[download id=”15″]

مدخل

يمر السودان الآن بمرحلة تكاد تكون الأدق في تاريخه المعاصر، ويواجه بالعديد من التحديات لعل أهمها وأخطرها استفتاء شعب جنوب السودان في مطلع العام 2011 ما لم يتفق الشريكان على تأجيله، وهو بلا شك استحقاق سيكون له دور كبير في تحديد مستقبل السودان، ولا شك في أن تداعياته ستتعدى المستوى المحلي إلى المستوى الإقليمي، وقد تمتد انعكاساته لتطال مصالح العديد من اللاعبين الدوليين في السودان وفي طليعتهم الولايات المتحدة والصين وبعض الدول الأوروبية.

وحق تقرير المصير حق سيمارسه أقل من ثلث مواطني السودان هم أبناء الجنوب. ويأتي هذا الاستحقاق في ظل أوضاع تقول بأن نتيجة الاستفتاء أصبحت لصالح الانفصال بدرجة كبيرة على الرغم من أن اتفاقية السلام وكذلك دستور الفترة الانتقالية قد أكدا على ضرورة وأهمية وربما حتمية الوحدة مع الاعتراف والاعتبار والاحترام للتنوع الثقافي والعرقي والديني في بوتقة هذه الوحدة. ولا شك في أن الحركة الشعبية لتحرير السودان هي التي تمسك بالسلطة في الجنوب وبيدها أن تأخذ المقترعين الجنوبيين لأحد الخيارين (الوحدة أو الانفصال). ومهما تكن التحديات والمخاوف من عملية الاستفتاء ومخرجاتها وحدةً كانت أو انفصالا، فهو استحقاق لابد من الوفاء به.

حق تقرير المصير في ميثاق الأمم المتحدة

من المعلوم أن حق تقرير المصير حينما ورد في ميثاق الأمم المتحدة ونوقش بعد عامين من توقيعه أي في 1947م برز التساؤل: ما المقصود بحق تقرير المصير؟ هل المقصود به مكافحة الظاهرة الاستعمارية؟ أم المقصود به حقوق الأقليات؟ وتوصل الاجتماع يومئذ إلى أن حق تقرير المصير المشار إليه في ميثاق الأمم المتحدة لا يقصد به حقوق الأقليات لأنه لا توجد دولة لا خالية من أقليات، ولا توجد دولة متجانسة، وأنه إذا انفتح الباب أمام الأقليات للتحدث عن حقوقها في الانفصال فإن هذا كفيل بتمزيق الدول. وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي وحينما برز الحديث عن حقوق الانسان وحقوق الأقليات كان المجتمع الدولي يريد أن يوفق بين أمرين: الأمر الأول هو التأكيد على حقوق الأقليات، والأمر الثاني هو التأكيد على سيادة الدول لذلك كان الرأي الراجح هو أن يساعد المجتمع الدولي الأقليات لترتقي بأوضاعها وتُحسّن أحوالها وتتاح لها فرص المساواة التامة مع الجماعات الأخرى التي تشاركها الوطن، ولكن لا تساعد هذه الجماعات في أن تنفصل عن الدولة الأم.

وقد اختلف الفقهاء في تعريفهم لحق تقرير المصير وهذا الاختلاف يرجع إلى اختلاف الزوايا والمنطلقات والأهداف، حيث ذهب بعض الفقهاء إلى القول إن حق تقرير المصير يتعلق بالدول. وهذا الحق مرّ بالعديد من التطورات حيث ظهر كمبدأ سياسي ثم تحول إلى مبدأ قانوني بعد أن نصت عليه العديد من المواثيق والقرارات الدولية. وذهب رأي آخر إلى أن حق تقرير المصير هو “الحق المطلق للأمة للتعبير بحرية عن إرادتها ورغباتها في تقرير مصيرها وتحديد مستقبلها السياسي والاجتماعي”. وذهب اتجاه ثالث إلى أن “حق تقرير المصير يسبق مبدأ القومية ويعني الأمة التي تعيش على إقليم معين أن تعرب عن طريق الاستفتاء عما إذا كانت ترغب في أن يقيم إقليمها دولة أخرى أم تبقى في الدولة التي تنتمي لها”. بينما ذهب اتجاه آخر إلى أن حق تقرير المصير هو “الحق الذي يحميه القانون الدولي حيث أنه الحق الذي تقرر الشعوب التي لازالت تعاني من سيطرة خارجية أو احتلال أجنبي أو تسلط دولة أو مجموعة دول”. ويشترط أنصار هذا الاتجاه لتقرير المصير الآتي مجموعة من الشروط التي تتمثل في:-

  • وجود مجموعة من السكان يربطها وجود مشترك في إقليم ما.
  • خضوع هذه المجموعات لسيطرة قوة أجنبية.
  • حرمان هذه المجموعات السكانية صاحبة الإقليم من حقها في ممارسة سيادتها.

ولم يخطر في ذهن معظم الفقهاء آنذاك أن يتجه شعب واحد داخل دولة واحدة إلى تقرير المصير، حتى أن تقرير المصير في السودان الذي ورد في دستور الحكم الذاتي والذي بُني على الاتفاقية السودانية التي وقعت من قبل الاحزاب السودانية في 1952م كان النظر إليه باعتبار أنه شعب يخضع تحت الانجليز والمصريين ولم يكن وارداً تقرير المصير لمجموعة عرقية أو ثقافية داخل دولة مهما كانت الاختلافات والتناقضات في اللغة أو الثقافة أو العرق أو غير ذلك. ولكن الصراع الطويل والحرب الطويلة التي أتعبت الطرفين في السودان هو الذي دفع بحق تقرير المصير، وفي السابق كانت المطالبة بالفيدرالية تعتبر من التجاوزات.

المرجعية الدستورية والقانونية لتقرير مصير جنوب السودان

المرجعية الدستورية والقانونية لتقرير المصير في السودان الآن تتمثل في اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) التي وُقِّعت في يناير 2005م والتي انتقلت إلى الدستور الانتقالي ثم انتقلت ايضاً إلى قانون الاستفتاء، وتنص المادة (219) من الدستور الانتقالي والتي تعتبر محورية في الدستور على أن جنوب السودان يمارس حق تقرير المصير بين خياري: إما الوحدة باستمرار ترتيبات نيفاشا أو الانفصال. وقد نصت المادة (220) من الدستور الانتقالي كذلك على إصدار قانون الاستفتاء وتشكيل مفوضية استفتاء لشعب، ويرى كثير من الخبراء والمراقبين أنه إذا توفرت الثقة بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان) كان يمكن تكليف المفوضية القومية للانتخابات لتقوم بمهام تنفيذ عملية الاستفتاء بدلاً من تشكيل مفوضية جديدة خاصة باستفتاء الجنوب وأخرى خاصة باستفتاء أبيي.

وكان من المفترض أن تجرى عملية الاستفتاء قبل ستة أشهر من نهاية الفترة الانتقالية التي تنتهي في 9 /7/2011م, كما كان من المفترض إقرار القانون والبت في المسائل الأخرى ذات العلاقة بها في بداية السنة الثالثة للفترة الانتقالية، ولكن بسبب الخلافات والصراعات المتكررة بين الشريكين تأخر إقرار قانون الاستفتاء، فالقانون جاء متأخرا وتشكيل المفوضية جاء متأخراً أيضاً وبالتالي ارتبك الجدول الزمني بصورة عامة.

ووفقاً لاتفاقية نيفاشا فقد اتفق الطرفان على أن تنفذ عملية الاستفتاء بمفوضية قومية تحت إشراف دولي، على أن تنظم المفوضية القومية عملية الاستفتاء بالتعاون مع حكومة جنوب السودان والحكومة القومية وفقاً للخيارين المتاحين. وهناك ترتيبات ستجرى في الحالتين وحدةً كانت أم انفصال. ومن الترتيبات في حالة الانفصال مثلاً فإن الاشارات المتعلقة بحقوق الجنوب أو خصوصية الجنوب أو أي شيء آخر يتصل بالجنوب ستحذف مباشرة من الدستور، فالثلث الخاص بالجنوب سواء في المفوضيات أو في الخدمة المدنية سيستأصل تماماً لأن ذلك ارتكز في الأساس على مبدأ التقسيم الذي أُقر في إتفاقية نيفاشا. وقد نصت المادة (183) من الدستور الانتقالي على قيام استفتاء خاص بأبيي متزامن ومستقل عن استفتاء الجنوب بغض النظر عن نتائج استفتاء جنوب السودان.

ولدى مفوضية الاستفتاء رئيس من شمال السودان ونائب للرئيس من جنوب السودان يترأس مكتب استفتاء جنوب السودان الذي يقوم بمهمة التنسيق بين مفوضية الاستفتاء والولايات الجنوبية العشر، وكل السلطات الحقيقية المتصلة بالاستفتاء في الجنوب تحت سيطرة مكتب استفتاء الجنوب، ويشرف إشرافا مباشرا على العملية والقول النهائي له فيما يتعلق بالاستفتاء في الجنوب الذي يرأسه نائب رئيس المفوضية إلى جانب عشر(10) لجان عليا في الولايات الجنوبية العشر تتولى إدارة عملية الاستفتاء في تلك الولايات، والطعون المقدمة حيال استفتاء جنوب السودان يتم البت فيها من خلال المحكمة العليا في جنوب السودان، أما النزاعات التي تحدث في الشمال فإنها ستحسم من قبل المفوضية القومية. وبالتالي فإن صوت المؤسسات الجنوبية هو الأعلى، كذلك فإن تأمين عملية الاستفتاء نفسها في الجنوب تقوم بها الشرطة وجهاز الأمن في جنوب السودان ولا مجال للتدخل من قبل السلطة القومية بأي شكل من الأشكال.

ووفقاً للقانون يجب أن يقترع 60% من المسجلين حتى يكون الاقتراع صحيحاً من الناحية القانونية، والنتيجة تكون بـ50+1 كما في انتخابات رئيس الجمهورية، ومعظم التصويت يجري في جنوب السودان إلى جانب عبارة «أية مواقع أخرى» وتعني شمال السودان ودول المهجر، وتم اختيار بعض الدول التي تتمتع بكثافة للجنوبيين مثل كينيا ويوغندا وإثيوبيا وأمريكا وكندا وأستراليا ومصر. وفيما يتعلق بالحملة الانتخابية نص القانون على أن تتيح الوسائل القومية فرصا متساوية للترويج لخياري الوحدة والانفصال، وألا ينحاز أي جهاز حكومي لأي خيار، وإذا تم تفسير القانون حرفياً يمكن ملاحقة مدير أي جهاز قومي يركز على دعم خيار واحد فقط لأنه وفقاً للقانون يفترض توفر عنصر حيادية الأجهزة القومية.
التحديات التي تواجه تنفيذ عملية الاستفتاء

هناك تحديات كثيرة تواجه تنفيذ عملية الاستفتاء منها قانونية وسياسية وأمنية وغيرها. التحدي الأول يتمثل في ضرورة تنفيذ عملية الاستفتاء في الفترة المتبقية مع أن القانون يشترط الالتزام بمدد زمنية للعديد من الاجراءات تصل إلى (130) يوماً أي أكثر من أربعة أشهر وبالتالي يستحيل الوفاء بتلك الاجراءات في الفترة المتبقية. وقدمت الحركة الشعبية اقتراحاً بتقصير تلك المُدد الزمنية المحددة وفق قانون الاستفتاء ولكن لا تستطيع رئاسة الجمهورية تقصير تلك المُدد الزمنية لأن ذلك يتطلب إعادة القانون مرة أخرى إلى البرلمان. وقد أشارت مفوضية التقويم قبل فترة من الزمن إلى استحالة قيام الاستفتاء في موعده، والشريكان يدركان ذلك وكذلك المجتمع الدولي. ويرى كثيرٌ من المراقبين أن الحركة الشعبية لن تعترض على مقترح التأجيل لأسباب فنية لوجستية وإنما ستعترض التأجيل إذا كان لأسباب سياسية، وقد يتم التأجيل لشهرين أو ثلاثة وقد قدم الجانب الأمريكي مقترحات فيما يتعلق بالتأجيل.

والتحدي الثاني يكمن في كيفية الخروج باستفتاء حر ونزيه وشفاف، وكيفية التأكد من حرية التعبير وفقاً لاشتراطات قانون الاستفتاء خاصةً وأن 85% من المقترعين هم في جنوب السودان، والـ15% في المناطق الأخرى سواء في شمال السودان أو بدول المهجر، ومن المسائل المؤثرة في هذا الجانب إشكالية إثبات الشخصية، ذلك أن القانون سمح للسلطة المحلية بإثبات شخصية المقترع ولاشك في أن هذه الآلية غير مقنعة لدى الكثيرين خاصةً لما لنتيجة الاستفتاء من نتائج خطيرة على مستقبل البلاد. هذا إضافةً إلى المشاكل المتعلقة بالطعون والاستئنافات التي تشوبها كثير من الشك، إذ أن اجراء الاستفتاء من الناحية العملية يقع تحت سيطرة مكتب استفتاء جنوب السودان، فمكتب استفتاء الجنوب هو الذي يختار أعضاء اللجان العليا في كل الولايات الجنوبية العشر، وأعضاء اللجان الولائية هي التي تتولى اختيار أعضاء اللجان الفرعية في مراكز الاقتراع، وهي التي تختار الجهاز الاداري مثل رئيس المركز والمعاونين وغيرهم، وكلهم ترشحهم الحركة الشعبية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وما حدث في انتخابات أبريل 2010م معروفة لدى كل المراقبين. ويتمتع نائب رئيس مفوضية الاستفتاء بسلطات أوسع وأكبر من سلطات رئيس المفوضية، وهذا وضع غريب جداً فلنائب الرئيس سلطات أعلى من سلطات الرئيس نص عليها في القانون. وبالتالي فإذا كان هناك شك ولو بسيط في مصداقية الاستفتاء فإن قبول النتيجة يشكل تحدياً كبيراً له تداعياته المتداخلة سواء من قبل الشريكين أو من قبل المجتمع الدولي. ففي الانتخابات هناك مساحة للتفويت وقبول النتائج أيّاً كانت لأنها عملية متكررة تأتي كل أربع سنوات ولكن هذه ليس ممكناً في الاستفتاء باعتباره ليس متكرراً وبالتالي قبول نتائجه من الصعوبة بمكان. ومن الاشكاليات في هذا الجانب حصر النتيجة في خيارين فقط إما الوحدة مع استمرار ترتيبات نيفاشا أو الانفصال، فلا يوجد خيار ثالث وسطي. وقد طرح ثابو أمبيكي رئيس لجنة حكماء إفريقيا أربعة خيارات حيال التعامل مع الاستفتاء من ضمنها مقترح الكونفدرالية وغيرها ولكن الاتفاقية طرحت خيارين فقط(الوحدة أو الانفصال).

المآلات المتوقعة

بناءً على تلك التحديات فإن هناك أربع مآلات متوقعة حيال الخيارين وذلك كما يلي:-

  1. يمكن أن تكون النتيجة لصالح الوحدة ومقبولة من الطرفين.
  2. أن تكون النتيجة لصالح الوحدة ولكنها غير مقبولة من أحد الطرفين (الحركة الشعبية).
  3. أن تكون النتيجة لصالح الانفصال ومقبولة لدى الطرفين.
  4. أن تكون النتيجة لصالح الانفصال ولكنها نتيجة غير مقبولة من أحد الطرفين (المؤتمر الوطني).

قضايا ما بعد الاستفتاء

هناك قضايا كثيرة سيكون لها تأثيرات بعد الفراغ من إجراء عملية الاستفتاء وتتمثل تلك القضايا في الآتي:-

  • مسألة الحدود
  • مشكلة أبيي
  • مسألة الجنسية.
  • العملة.
  • الخدمة العامة.
  • وضع الوحدات المشتركة والأمن الوطني.
  • الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
  • الأصول والديون .
  • حقول النفط وانتاجه وترحيله وتصديره.
  • العقود والبيع في حقول النفط.
  • مياه النيل.

ولا شك في أن مفاوضات بين الطرفين (المؤتمر والحركة) لو سارت بصورة سلمية يمكن الوصول إلى اتفاق في معظم القضايا بسهولة، ولكن لو استمر الطرفان في التجاذب فإن كل طرف سيميل إلى استخدام الأوراق التي بيده ضد الطرف الآخر الأمر الذي قد يقود إلى العودة للمربع الأول حيث الحرب.
احتمالات الوحدة والانفصال.

تعيش النخب الشمالية السودانية هذه الأيام أصعب لحظات ترقب في انتظار ما تسفر عنه عملية الاستفتاء المقرر إجراؤها في بداية العام المقبل 2011م – ما لم يتم تأجيلها – سواء بوحدة البلاد أو انفصال الجنوب الذي هو الخيار الذي بات شبه مؤكد لدى كثير من المراقبين والمحللين. وبالرغم من ذلك يتساءل بعض الباحثين: هل صار الانفصال حتمية تاريخية لا مرد لها؟ ذلك أن الحتميات التاريخية في مثل هذه الحالة السالبة، هي صناعة بشرية بحتة، وبالتالي تتوقف المسألة على مدى النجاح أو الاخفاق في استثمار الفرص المتاحة لتغيير مجمل الأوضاع والوقائع إلى ما هو إيجابي.

هناك عناصر متعددة بعضها داخلية وأخرى خارجية تدفع باتجاه ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية، فالاتجاه العام الآن في العالم بأسره يتجه نحو لملمة الكيانات الصغيرة لأطرافها بغية التوحد في كتل كبيرة تستطيع أن تقف في وجه التحديات والمتغيرات المتداخلة الماثلة في عالم اليوم، فدور الدولة القُطرية أصبح في انحسار… فالقارة الأوروبية مع تعدد وتنوع دولها وشعوبها خطت خطوات بعيدة نحو الوحدة ونجحت في توحيد العملة والتأشيرة والمؤسسات التشريعية والتنفيذية . وإقليمياً نجد أن إفريقيا في أمس الحاجة من غيرها من قارات العالم ودولها من أكثر دول العالم حاجة لتجميع طاقاتها وتوحيد صفوفها وترتيب أولوياتها، لأن معظم دول القارة تعاني من ضعف واضح في أوضاعها الاقتصادية، ومن تصدع بيِّن في بنيانها الاجتماعي. وبالتالي فإن تفككها يزيد من ضعفها وفقرها وقلة حيلتها. الأمر الذي يفرض ضرورة بذل الجهود الممكنة بغية ترتيب البيت الإفريقي من الداخل بدلاً عن انشطار دولها، ولا يمكن ترتيب البيت الإفريقي قبل ترتيب الأوضاع الداخلية في كل دول القارة. وبالتالي فإن الحاجة ماسة للمحافظة على الوحدة في الدول الإفريقية، ذلك أن خيار الانفصال إذا نجح في السودان فإن العدوى ستنتقل إلى معظم دول القارة التي تعيش أوضاعاً مشابهة للوضع السوداني. وبصورة عامة فقد تمثلت مبررات دعاة الوحدة في الآتي:-

  1. نسبة لضعف البنيات التحتية في الجنوب وقلة الكوادر المهنية والإدارية فإن الشمال يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في تشييد البنيات التحتية وفي توفير الكوادر التي يحتاجها الجنوب وهم أعرف بالجنوب من دول الجوار الإفريقية الأخرى.
  2. الجنوب مقسَّم إلى قبائل عديدة تختلف لغاتها وعاداتها وأديانها وسبل عيشها وتحدث بينها مشاحنات ومنازعات، لذا فإن ارتباطهم بالشمال يشكل لهم قدراً من الوحدة.
  3. الانفصال عن الشمال قد يقود إلى دعوات انفصالية بين مناطق الجنوب الثلاث.
  4. الانفصال لا يخلو من مخاطر النزاع والحرب على الحدود مع الشمال

أما حجج تيار الانفصال فإنها تتلخص في الآتي:-

  1. مهما كان كسب الجنوب من اتفاقية السلام الموقعة في التاسع من يناير 2005م (نيفاشا) سيظل الجنوبيون أقلية في مجتمع عربي إسلامي.
  2. تطلع أهل الشمال لتطبيق الشريعة الإسلامية يجعل الجنوبي غير المسلم مواطناً من الدرجة الثانية.
  3. ليست هناك قواسم مشتركة بين أهل الشمال والجنوب سوى الحدود الجغرافية التي وضعها الاستعمار البريطاني، وأن التفاوت التعليمي والاقتصادي يجعل الشقة كبيرة بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلف.

الاستفتاء في مراكز البحث

وفقاً لدراسة أعدها معهد الولايات المتحدة للسلام وصدرت في أغسطس 2009 طرحت ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تحكم المشهد السوداني، وذلك على النحو التالي:-

سيناريو الانفصال

على أن هذا الخيار يمثل في ظل المؤشرات الراهنة مأزقاً خطيراً أمام الجنوب حتى في حالة قبول الشمال لمبدأ التعايش مع دولة جنوبية. فقد أظهرت حكومة الجنوب عجزاً واضحاً في القيام بمهامها التوزيعية ولا سيما في مجال الحاجات والخدمات الأساسية مثل المياه والغذاء والطرق والصحة وما إلى ذلك. إذ انشغلت حكومة الحركة الشعبية بإنفاق عوائد النفط على البنية العسكرية والأمنية في الجنوب من أجل ردع الشمال. وقد أظهرت العديد من التقارير تفشي الفساد وسوء الإدارة بشكل كبير في جنوب السودان.

وتشير هذا التقارير إلى أن جنوب السودان لا يمثل دولة متكاملة الأركان ومن ثم فهي غير قابلة للاستمرار والبقاء. وثمة مجموعة من العوامل قد تفضي إلى اندلاع العنف والفوضى والتي قد تمتد آثارهما إلى الشمال. ولعل من أبرز تلك العوامل إمكانية نشوب صراعات قبلية أو تفجر بؤر التوتر في جنوب كردفان أو النيل الأزرق، وأخطر من ذلك كله عدم قدرة حكومة الجنوب على تلبية ثورة التوقعات المتزايدة لدى الجنوبيين.

سيناريو الفوضى

إذ تنذر القضايا الخلافية وبؤر التوتر بين الشمال والجنوب والتي لم يتم حسمها قبل إجراء الاستفتاء العام بدخول السودان حالة من العنف والفوضى العارمة. فغياب الثقة بين شريكي الحكم وعدم قدرتهما على مواجهة القضايا الأساسية بينهما قد يؤدي إلى عودة الصراع مجدداً بين الشمال والجنوب على نطاق واسع. وثمة مجموعة من القضايا المحورية يمكن أن تقود إلى هذا الاحتمال ومنها؛ عدم حسم بعض أبعاد السياسات النفطية في البلاد، وقضايا النازحين والمهاجرين وترسيم الحدود بشكل نهائي بين الشمال والجنوب، ومسألة الأصول والديون الخارجية وغيرها من المسائل العالقة.

سيناريو الوحدة

ويعتمد هذا السيناريو على قدرة كافة الأطراف السودانية في تحقيق اختراقات مهمة على صعيد القضايا الخلافية والحاسمة. ومثل هذا التوجه قد يجنب البلاد حالة الفوضى والعنف و لكنه لا يمثل حلاً بعيد المدى لأزمات السودان المستعصية. ويمكن القول بأن مثل تلك الإستراتيجية التوافقية تعتمد على عدد من القضايا لعل من أبرزها؛ الوصول إلى صيغ توفيقية تعزز من إجراءات بناء الثقة بين شريكي الحكم ويمهد الطريق أمام قبول نتائج الاستفتاء في الجنوب. بالإضافة إلى ذلك ينبغي الوصول إلى رؤية مشتركة حول مستقبل السودان الجديد بما في ذلك تسوية قضايا المناطق الثلاثة (أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق) والصراع في دارفور حتى لا تصبح سبباً في إثارة الصراع والعنف. وأيا كان الأمر فإن خيار الانفصال يمثل مأزقاً لا يمكن لحكومة الجنوب أن تتحمل تبعاته وتكلفته الباهظة، كما أن سيناريو الفوضى والعنف قد يتجاوز حسابات مختلف أطراف المسألة السودانية وهو ما يعني تفتيت وتقسيم السودان إلى كيانات هشة وضعيفة لا تقوى على الحياة. عندئذ يصبح خيار الوحدة جاذباً ومفيداً لكافة الأطراف ولكنه بحاجة إلى إرادة سياسية من الداخل ودعم ومساندة كبيرة من الخارج.

الدروس المستفادة من تجارب الانفصال

إن ظاهرة النزاعات الداخلية ليست ظاهرة جديدة كما يبدو لانتشارها بعد نهاية الحرب الباردة بدءاً بسيراليون وليبيريا ونهاية بالصومال، وإنما هي ظاهرة قديمة ولكنها تركت آنذاك لكي تحسم بواسطة الحكومات المعنية دون أي تدخل من المجتمع الدولي باعتبارها شأناً داخلياً وباعتبار أن الحرب الباردة والنزاع بين المعسكرين لم يتركا أى فرصة للأمم المتحدة لكي تتدخل، لأن كل معسكر كان لا يرغب في أن يتدخل المعسكر الآخر عبر مجلس الأمن لفض النزاع في منطقته.

وكذلك الحال بالنسبة لسياسة ملأ الفراغ عند انسحاب دول استعمارية من مستعمراتها دون إجراء أي ترتيبات دستورية لما بعد الانسحاب، وكان ذلك ديدن الاستعمار البرتغالي والاسباني في القارة الإفريقية الذي ترك الأمر للصراعات بين القوى الثورية الموجودة، فقد اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة ملأ الفراغ في إفريقيا على سبيل المثال ينافسها في ذلك الاتحاد السوفيتي إذ كان كل منهما يتبنى فصيلاً يأمل في أن يتولى السلطة بعد انسحاب اسبانيا أو البرتغال وخير مثال على ذلك أنغولا. ولم تكن سياسة ملأ الفراغ قاصرة على دول كبرى تبعث من خلالها بالقوة الوطنية الموالية لها عبر صراع طويل للاستيلاء على السلطة وملأ الفراغ وإنما كانت هناك قوى إقليمية تسعى لملأ الفراغ بما يسندها من حجج سياسية أو قانونية، وهناك أمثلة عديدة في إفريقيا وآسيا ومن أمثلة أفريقيا مطالبة المغرب بالصحراء واحتلال جنوب إفريقيا لإقليم ناميبيا في عهد النظام العنصري، وحالة اندونيسيا في تيمور الشرقية.

وفي الحالة السودانية يُشار إلى أن السودان تَكوَن بشكله الحالي سواء من ناحية حدوده أو قومياته التي يشملها كنتيجة لعملية تاريخية طويلةً في إطار بناء الدولة الحديثة منذ مملكة الفونج وحتى دخول محمد علي باشا. كما أن الحكم البريطاني لم يترك فراغاً على غرار الاستعمارين البرتغالي والاسباني وإنما عمل على وضع السودان الموحد منذ عام 1946م في طريق التطور الدستوري مروراً بالجمعية التأسيسية عام 1948وقبلها مؤتمر جوبا 1947م. وقد ظل شمال السودان يمثل عامل توازن في الصراعات القبلية فيما بين الجنوبيين كما ظل الجنوب عامل توازن بالنسبة لنظم الحكم في الشمال وعامل توازن أيضاً في توجه السودان العربي الإفريقي وفي توجه السودان نحو وحدة وادي النيل مع مصر، لذلك يرى كثيرٌ من المراقبين أن دواعي الوحدة أقوى من دواعي الانفصال للطرفين، فالوحدة تخلق توازن قبلي في الجنوب وتوازن عروبي وإفريقي في الشمال، وضمان لوجود نظام حكم ديمقراطي، لأن الديمقراطية والتعددية هي السبيل الوحيد للحفاظ علي الشعبين متحدين بحكم وجود متنفس لكل القوميات الثقافية والعرقية والدينية المتعددة عبر المؤسسات الديمقراطية، ولذلك فإن الجماعات ذات الهوية المختلفة تتعايش في ظل الأنظمة الديمقراطية بصورة طبيعية من دون أي إحساس بالتهميش.

وبالمرور على تجارب الانفصال التي حدثت لكل من إرتريا وتيمور الشرقية وكوسوفو تعكس ما يمكن أن تكون عليها تداعيات الانفصال في السودان، وذلك لأن الانفصال أي كان وأينما كان محكوم بديناميكيات معينة ومحددة يمكن تناوله في الآتي:-

  • أولا: إذا توفرت الثقة بين الشريكين – المؤتمر الوطني والحركة الشعبية – فهي كفيلة بحل المشكلات العالقة نتيجة لعدم إنفاذ اتفاقية السلام الشامل في بعض جوانبها وبالتالي فإن الثقة كفيلة بدفع الشريكين إلي وحدة جاذبة، أما إذا لم تتوفر الثقة بين الشريكين وهي أم المشاكل فإن المسائل العالقة لن تحل وبالتالي فإن الشريكين سيواجهان الانفصال في ظل مسائل عالقة لم تحل ومن بينهما مشكلة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب ومشكلة أبيي بكل جوانبها، وهذا يقرب البلاد إلى سيناريو يشبه سيناريو الحرب الإثيوبية الاريترية حول الحدود في حالة انفصال الجنوب.
  • ثانياً: إذا انفصل الجنوب في ظل حكم الحركة الشعبية وهي حركة ما زالت عسكرية غير سياسية تسيطر عليها اثنية واحدة بنسبة كبيرة دون غيرها من الاثنيات والأحزاب السياسية الأخرى، فإن السيناريو المرتقب يعود بالبلاد لأوائل عقد الثمانينات عندما تقدم ثلاثة من أبرز الجنوبيين وهم اوليفر البينو، وجوزيف لاقو، وفيليب اوبانق للرئيس الأسبق جعفر محمد نميري يطلبون منه اعادة تقسيم الجنوب لإعطاء مزيد من الفرص للأقليات للمشاركة في المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي العالي والمستويات المحلية. وبعدم وجود الشمال كعامل توازن فإن الراجح أن تتمرد القبائل الصغيرة وأن تتحرك الميلشيات الموجودة حالياً والمعارضة أصلاً للحركة الشعبية وتواجه سلطة الحركة الشعبية، وهذا قد يقود إلى سيناريو أقرب من سيناريو تيمور الشرقية، حيث سيحتدم الصراع بين الميلشيات العابرة والجنود المسرحين ضد سلطة الحركة الشعبية.
  • ثالثاً: هناك ما يشبه التعبئة في أوساط الحركة نحو الانفصال، ويرى بعض قادة الحركة الشعبية ضرورة إعلان الانفصال من البرلمان، هذه حالة قد تقرّب الحالة السودانية من إعلان كوسوفو استقلالها من جانب واحد وحصولها على اعتراف 63 دولة دون أن يمكنها ذلك أن تصبح عضوا في الأمم المتحدة، فالدول الإفريقية وغيرها لا تميل للاعتراف بأقاليم أعلنت انفصالها بطريقة أحادية إضافة إلى أن إعلان الجنوب للانفصال من جانب واحد يخالف اتفاقية السلام الشامل غير أن المهم أن إعلان الاستقلال من جانب واحد بالنسبة للجنوب سيعيد الحرب من جديد على أساس خرق اتفاقات السلام الشامل.
  • رابعاً: بسبب الدعم الذي تلقته أثناء الحرب من كينيا ويوغندا فإن الحركة الشعبية قد لا تثير مشكلات حدود متنازع عليها مع هاتين الدولتين، فالحركة ملتزمة بتعهدها بأن لا تطالب بمثلث إليمي – يقع مثلث أليمي في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان ويحد شرقاً بالحدود السودانية الاثيوبية وغرباً بالخط الممتد من شمشار ( أليمي ) إلى كليماها، وجنوباً بخط يوغندا ( 1914 ) الذي يمثل قاعدة المثلث. وتبلغ مساحة المثلث حوالي 22635 كيلومتر مربع وينقسم المثلث إلى جزءين أساسيين هما أليمي الغربي وأليمي الشرقي – ولكن قبيلة التبوسا التي تجاور ذلك الإقليم منذ عهد ما قبل الاستعمار البريطاني تتمسك بالإقليم وبضرورة العودة إليها، هذا بالإضافة إلى مشكلة الحدود عند كاجوكاجي مع يوغندا. ولذلك من المتصور أن لا تلتزم أى قوى جنوبية سياسية أخرى بما التزمت به الحركة الشعبية وهذا سيعيد البلاد لسيناريو النزاع الحدودي بين إرتريا واليمن حول جزر حنيش الكبرى وحنيش الصغرى، فالدول الجديدة عادة ما تبحث عن حدودها أو حدود جديدة.

ختاماً

لا شك في أن استحقاق استفتاء شعب جنوب السودان يمثل محكاً صعباً يواجه السودان عموماً لأن تداعياته لن تتوقف عند نظام الحكم فقط وإنما ستطال الدولة بمجملها وتتعداها إلى دول الجوار، ويبقى التحدي الكبير في كيفية الوفاء به دون العودة مرةً أخرى إلى مربع الحرب سواء قبل إجراء عملية الاستفتاء نفسها أو بعدها أيّاً كانت النتيجة وحدةً أو انفصال.

المصادر والمراجع

  1. دستور السودان الانتقالي.
  2. اتفاقية السلام الشامل.
  3. الاستفتاء (تحديات الوحدة والانفصال)، مجلة المنتدى، العدد رقم 15، 2010م.
  4. الاستفتاء (تحديات التنفيذ والمآلات المتوقعة) ، ندوة بمركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية ، بتاريخ 26 سبتمبر 2010م.
  5. محمد صلاح الدين عباس “ العلاقات السودانية الكينية وأثرها على الأمن القومي السوداني” بـحـث غــير منشـــور ( الخرطوم: الأكاديمية العسكرية العليا، كلية الدفاع الوطني، الدورة (13)، 1996-1997م ).
%d مدونون معجبون بهذه: