المشكلة في بونت لاند

أصدرت مجموعة الأزمات الدولية تقريرها الأخير عن الصومال لتسلط الأضواء على القضايا الساخنة التي تستعر في بونتلاند. ويتميز هذا المعهد البحثي الذي نشر هذا التقرير بالتقدير والاحترام الدوليين لما تتمتع به أبحاثه من الرصانة والموضوعية والعمق في التحليل وروح الإنصاف في معالجة القضايا التي يجرى التعتيم عليها أو تشويهها من قبل وسائل الإعلام العالمية، كما هو الحال مع المسألة الصومالية. إن سلسلة التقارير التي نشرتها عن بلادنا، في أحقاب مختلفة تمثل روائع في النزاهة العلمية. وأن هذا التقرير الأخير لايمثل استثناء عما عهدناه من هذا المعهد في تقاريره السابقة المطولة عن الصومال.

ويسعدني أن أشير إلى أنه بعد اطلاعي على هذا التقرير قرأت مقالة تحليلية قيمة في شبكة الصومال اليوم للإعلام بتاريخ 15/ 9/ 2009 بعنوان “مطالب بونتلاند بين استحقاقات الواقع وإبتزات المرحلة” بقلم كاتبها محمد أحمد عبد الله، الذي يبدو عليه الاطلاع الواسع بشؤون بونتلاند، قد اهتدى إلى نفس القناعات والاستنتاجات المستخلصة في التقرير.

وفى هذه العجالة، سأحاول أن أتناول عرض الاستخلاصات التي تطرق إليها التقرير، علّها تساعد فى التعريف بصورة النظام السياسي في بونتلاند ومستقبله وعلاقته بالوضع في الصومال ككل. وفى هذا الصدد، أدعو كلّ المثقفين الصوماليين الذين تؤرقهم قضايا بلادهم إعطاء هذا التقرير ما يستحقه من اهتمام وعناية لما يتضمنه من معلومات مفصلة دقيقة وثمينة، وهو تقرير مختصر، إذ لا يتجاوز عدد صفحاته ١٤.

ويشير التقرير إلى أن إقليم بونتلاند يعانى من انعدام الأمن والتوتر السياسي في السنوات الثلاث الأخيرة لفقدان الحكم الرشيد والنزاعات القبلية وبسبب الآثار السيئة للقرصنه وانتشار الجريمة ومن بينها تجارة تهريب السلاح وكذلك عمليات الاختطاف والاتجار بتهريب البشر، وأخيرا وليس آخرا، انتشار احتراف تهريب البضائع على نطاق واسع. وتوجه أصابع الإتهام فى هذا الصدد إلى السلطات السياسية التى تعتبر متورطة ومشاركة فى هذه العمليات.

وتعقب التقرير دورعبد الله يوسف الذي كان يقود حركة مسلّحة، والذي كان حليفا قويا لإثيوبيا التي كانت تمد قواته بالسلاح وبالتدريب اللازم والتي مكنته من تنصيبه رئيسا للإقليم وحمايته من كل تهديد أو خطر ولو بالتدخل العسكرى عند الضرورة لضمان بقائه في السلطة. ولقد اعتبرت إثيوبيا “إنشاء بونتلاند ككيان مستقل ذاتيا نجاحا إيجابيا منقطع النظير”، “إن بروز إقلبم صومالي استراتيجي آخر بقيادة عبد الله يوسف الحليف القديم كان انتصارا كبيرا لها”.

أمّا عن الحكم الرشيد، فإن التقرير يصور الوضع على الوجه الآتى، “إن عهد ما بعد عبد الله يوسف اتسم بإطلاق العنان للقوى التي كثفت من عوامل الأفول، وتدهور الأمن بشكل خطير، وتفتيت سلطة الدولة، وتأصيل الفساد “، واستطرد قائلا: “إن النظام الانتخابى معيب، ولقد انفلت القانون والنظام، وأصبح البرلمان ضعيفا، وتفاقمت الاضطرابات السياسية”.

وفيما يتعلق بالدستور، ذكر التقرير بالتفصيل المؤامرات التي حيكت لتمريره بسرية، ومن وراء ظهر الجميع ومساهمة المجتمع المدنى والدوائر العشائرية الرئيسية. ويعتقد بعض الشخصيات في النظام، أن المشروع برمته هو محاولة لقطع الأواصر مع الجنوب، وتوجيه بونتلاند نحوالإنفصال . ولقد أجيزت وثيقة الدستور في يونيو 2008 ، وتم إقرارها على عجل من البرلمان . ولقد فسر ذلك بصفة عامة بأنه محاولة للالتفاف على قاعدة عريضة من الرأي العام المعارض. وقد كان رد فعل القوى السياسية المستاءة ومن أعيان العشائر عاصفا وغير مسبوق. إن أربعة عشر من القادة التقليديين المرموقين وقعوا على عريضة انتقاديه حادة تدين العملية ، وزعت على نطاق واسع. وإحدى الخصائص الأساسية لهذا الدستور هي دفع الإقليم بشدة نحو الانفصال، “ولقد تم تغيير الاسم ليصبح دولة بونتلاند الصومالية، واختيار نشيد وعلم، ومنح حاكم الإقليم لقب رئيس الدولة. وهذه الإجراءات المتعمدة مقصودة لتوجيه الإقليم نحو الانفصال التام”..

إن الإصرار على هذا التوجه ينعكس في مواقف قادة الإقليم في إصدار التهديدات المقنعة والمفضوحة بالانفصال إذا لم تلبّ مطالبهم، وإذا لم يفرض النظام الفدرالى على المناطق الأخرى، والتجاهل التام للنظام القائم في مقدشو، والاستمرار بعناد في إدارة السياسية الخارجية والمالية والدفاع باستقلالية كاملة. إن الإقليم يتصرف حسب كل النوايا والمقاصد كدولة مستقلة.

ويكشف التقرير الخطر الكامن وراء المواجهة حول ملكية إقليمى سول وسناغ مع صوماليلاند ، والنزاع حول إقليم مدق مع المجموعات الإثنية المختلفة التي تعيش هناك. ويستخلص الكاتب، أن هذا الصراع يثبت ما يؤكده النقاد الذين يعتقدون بأن تشطير البلاد إلى دويلات صغيرة يفتح أبواب الجحيم من عدم الاستقرار والصراعات الإقليمية والتصدع في العلاقات العشائرية والاستمرارية في النزاعات بشكل مطرد وبلا نهاية.
ويشير التقرير إلى الخطر الداهم المتمثل في الحركة الإسلامية المقموعة بالعنف، التى تملك قوة اقتصادية هائلة وبنية اجتماعية وقوة قتالية منظمة التى قد تتربص لتتحدى السلطة السياسية عندما تكون الظروف مواتية.

ويختتم التقرير بالتنبؤ بانهيار النظام بفعل السياسات المتبعة التى تذكى أوار الإدعاءات المتنافسة بين العشائر المختلفة، وهى العملية التي تسير على قدم وساق في إقليمى سول وسناغ.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن وفد النوايا الحسنة الممثلة للحكومة المركزية في مقدشو برئاسة رئيس الوزراء الدكتور عمر عبد الرشيد الذي زار بونتلاند مؤخرا، لاستكشاف آفاق العمل المشترك لتوحيد البلاد، ولمواجهة الخطر المشترك المحدق من الإرهاب الدولي المجسد فى حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامى الرافضتين لمفهوم الدولة الصومالية، والمتحالفتين مع “القاعدة” برئاسة أسامة بن لادن، تعرض للابتزاز والاستفزاز بتقديم مطالب تعجيزية، يؤدى رفضها إلى مزيد من التلويح بالإنفصال، ومن بينها على سبيل المثال:

1 . الحق في ممارسة الاستقلال الكامل في إدارة العلاقات الدولية، وإبرام الاتفاقات مع الخارج دون الرجوع إلى الحكومة الوطنية. وأنه يتحتم على الحكومة المركزية احترم التعهدات التي يتم الالتزام بها.
2. أن يكون المقر الرئيسى للقوات البحرية فى بونتلاند.
3. أن تكون لحكومة بونتلاند حصتها الكاملة من المعدات والأسلحة والتجهيزات العسكرية التى يحصلها الصومال من المجتمع الدولى.
4 .تمكينها من استضافة مقار مكاتب الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة في غروى (عاصمة بونتلاند)، المخصصة لخدمة القطر الصومالى كله.
5 . أن يتم اختيار (غروى) مقرا للجنة القانونية التى ستكلف بمهمة صياغة الهيكل الدستورى للنظام الفدرالى للبلاد كلها، واعتبار نموذج الدستور الفدرالى لبونتلاند مثالا يجب أن يحتذى به ، وتقليده في كلّ الأفاليم الأخرى.

إن هذه المطالب توضح بجلاء مدى صحة استنتاجات تقرير مجموعة الأزمات الدولية عن بونتلاند، وكيف أنه عاين كبد الحقيقة ببساطة وبتحليله الدقيق المدعم بالأرقام والحجج الدامغة.

ويضع أمام أعيننا الأجندة المرسومة عارية بدون رتوش، إنها بمثابة جرس الإنذار ليذكرنا بالمصير المشئوم الذى نحن ننزلق إليه بسرعة.

إن قادة بونتلاند لايسعون بكل صلف على السير فى طريق الانفصال التام فحسب، بل يعملون بإصرار على دفع الصومال إلى هاوية التفتيت والتمزيق، وتشتيت ما تبقى من الصومال الموحد إلى أشلاء متناثرة تتنفس تحت رحمة الغول الإيثوبى الجشع.

وهم يعلنون عن أهدافهم بدون خجل وبجرأة وبعنجهية مستفيدين من ارتباك الحكومة المركزية، وفقدانها روح المبادرة بسبب ما تواجهها من تحديات أمنية خطيرة في معركتها مع شرذمة التخلف والإرهاب والخرافة.

إن الاضطرابات والتوتر والاغتيالات التى تنتشر فى بونتلاند، والأزمات المأساوية التى تخنق أنفاس صوماليلاند، تبين بغير شك، أن الانفصال لا يشكل حلاّ للقضية الصومالية، بل نذير شر للخطر المحدق للوطن الصومالى شعبا ووطنا ودولة ومستقبلا ومصيرا.

4 تعليقات

  1. كما عودتنا ياسعادة السفير على تحليلاتك القيمه وبنظرتك الثاقبه كلي إجلال وتقدير لك ونتمنى منك أن تتحفنا بآرائك قدر مايسنح له وقتك كي نستنفيد من هذه الخبره المتراكمه عبر سنين من خدمتك في سلك الدوله أيام عزها ومجدها.

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد

    اشكر سيدي السفير على مقالة وصدقني كنت متابع للمقالات اخرى عن حقبة الصومال ايام حركات الوطنية واعمال الرؤساء وزراء السابقين

    لكن سيدي اراء هناك لبس حصل ماريد اقول ان خطأ فادح بالمعلومات المستساقة

    اذا نظرنا بالفعل بونت لاند تعاني من لأمن منذ أتفاقية الذي حصلت بين عدي موسى (رئيس بونت لاند السابق) وعبدالله يوسف (رئيس الفدرالية سابق)

    اذا نظرنا في اتفاقية لرأينا ماهي لامور سوف تؤل لبونت لاند من امنها واستقرارها وهذا الي حصل بالاشهر الذي تلت

    لاتفاقية تقول

    1.على حكومة بونت لاند اعطاء حصة من مدخولها للحكومة الفدرالية

    2. على الحكومة بونت لاند مساعدة الفدرالية عسكريا وشرطيا بدليل تم سحب معظم قادة القوات لامنية وارسالها لمقديشو وكانت هاذي ضربة خطيرة لأمن بونت لاند

    وغيرها من البنوذ لاخرى

    اذا نظرنا بالواقع لأن الحكومة الفدرالية تملك قادة عساكر بونت لاند السابقين في لديهم مناصب حساسة في مقديشو بدليل عودة قائد الجيش دارويش السابق والعامل تحت اوامر رئيس وزراء صومالية إلى بونت لاند لارجاع امانها واستقرارها المعهود

    اذا بونت لاند ضحت باستقرارها وامنها فقط لكي تعود مقديشو امنة ومستقرة من جديد وتكون عاصمة الصومال من جديد

    وخلنا نعود بالبنوذ لاتفاقية

    قبل مانتكلم عنها هل يوحد داخل الصومال من شماله وجنوبه مكان أمن ومستقر نسبياً ويتقبل ان حكومة الفدرالية موجودة هي الحكومة الممثلة بالصومال

    صومالي لاند انفصلت بشكل احادي وماتعترف حكومة فدرالية مقديشو

    اهل سنة والجماعة لديهم اجندة ربنا يعلم ماهي لكن لايعترفون بوجود الحكومة لكن يعاونها فقط للقضاء على حركة الشباب وحزب لاسلامي

    الحركات لاخرى معروف اهدافها

    اذا سيدي السفير بظل هذا المنطق أليس على بونت لاند ان تحمل على عاتقها الصومال بكبره اذا هو مدمر ومشتت ومنفصل

    لهذا لاتتعجب من امور التعجزية وطلبات لان هذا هو الحال الموجود برغم ان شعب بونت لاند كان المنطقة ضمن الجمهورية الصومال الذي لم يتم فيها اي اهتمام من مجال البنية التحتية او لاقتصادية او حتى السياسية طيلة 30 عاما واكثر بظل احتلال البريطاني ولأيطالي

    لهذا سيدي السفير اوافقك لكن المصلحة الوطنية هي لاهم وهي الذي تستدعي ان تكون بونت لاند بالواقت الراهن بمكان مقديشو مؤقتا إلى حين تنتهي مشكلتها وترجع المياة إلى مجاريها

  3. أخي لقد قرأت مقال الكاتب على الجزيرة نت ورأيت الخطأ الذي ورد في كتابة اسم بونت لاند… ولم يقل أن سكان

    هذه المنطقة فقراء ومعدمون بل قال أن لديهم خيرات غير مستثمرة ويعيشون على ما يرسله أقاربهم من الخارج.

    لكن أليس من الصواب أن يعترف كاتبنا بأن الصوماليين جلّهم إن لن نقل كلهم يعيشون على ما يرسله الأقارب

    من الخارج؟

    دعني أقتبس من كلامك يا سعادة السفير: ” إن قادة بونتلاند لايسعون بكل صلف على السير فى طريق الانفصال التام

    فحسب، بل يعملون بإصرار على دفع الصومال إلى هاوية التفتيت والتمزيق”

    أعتقد أن عباراتك فيها مبالغة.. فقادة بونت لاند يرون أن الوحدة لصالحها وأن هذه المنطقة جزء لا يتجزء من الأراضي

    الصومالية.

    الواقع … بونتلاند لديها الحق في فرض مطالبها … والحكومة الفيدرالية المؤقتة لها الحق في الرفض.

    لا تخف يا سعادة السفير… الصومال سيتعافى عندما نكف عن الاحساس بالضيق كلما تقدم البعض

    عندنا نثق ببعضنا ويفهم الجميع أن كل شبرمن الصومال أرضه

    yacni cid kaa ma xigto Garoowe ama Bosaaso ama Qardho am Galkacyo

    taas wa in la fahmo

  4. تحياتي للكاتب .. الحقيقة إن تقرير المجموعات الدولية .. كان بمثابة استنفار إثيوبيا وإعطاء ضوء أخضر لمجموعة الاستخبارات الموالية لأمريكا المعروفة في بونت لاند ( بي .آي .إس) والمنتشرة في مدن قرطو وجالكعيو وبوصاصو، وهناك في الداخل استياء من بعض القطاعات التي ترى اتجاه الرئيس فرولي انحرافا عن نهج عبد الله يوسف الذي كان في حرب لا هوادة فيه مع الإسلاميين في المنطقة بخلاف الرئيس الجديد.. الذي تعرب اختياراته أن يرى فئة الإسلاميين تتمتع بقسط من النزاهة ( يعني نسبية) .
    لا أنسى أخي محمد شريف أنني قرأت في موقع ” الجزيرة نت ” موضوعا كتبته بعنوان ” القرصنة الصومالية والنهب الدولي” وقد ورد فيه تسميتك لهذه المنطقة بـ ” بوت لاند ” بدل ” بونت لاند” ولم يكن هذا تصحيفا ، أو خطأ مطبعيا حيث ورد ذلك في المقال أكثر من عشر مرات . كما وصفت أن المنقطقة منطقة فقيرة ومحرومة ،وأهلها كانوا يتعيشون في مقديشو كجماعة طفيلية ( فحوى الكلام)، وأن عدد السكان حوالي عشر آلاف ..(؟؟؟) . وقد ورد فيه أن القرصنة الصومالية توجد في منطقة بونت لاند حصريا مع أنه كان في أثناء الكتابة ناقلة النفط السعودية كانت محتجزة في هوبيو ، والسفينة الأوكرانية الحاملة للدبابات محتجزة في حراديري .
    تساءلت : ما مصدر هذا الكلام الغير المتوازن .. وهذا الحرص ، الحقيقة أنني لم اكتشف بعد السبب الذي يحمل كاتبا كبيرا مثلك هذا العشق للتعيير بدل التصحيح والتشجيع والتفاؤل .. بونت لاند مستعدة للخيار الوحدوي ، هذا هو الواقع ، وهو حكم الأغلبية ، والمناطق الصومالية يؤثر بعضها بعضا .. فليكن الحل عمليا هو إعادة الأمن إلى العاصمة الصومالية مقديشو وعندها نستطيع أن نتحدث عن طريقة حل انفصال المناطق الشمالية من الصومال ( صومال لاند) وعن المشاكل في بونت لاند ، وإلا سيبدو الأمر لونا من التنفيس لا يليق بكاتب كبير .
    تحياتي للجميع .

%d مدونون معجبون بهذه: