أوطان في غاية الروعة.. ولكنها بلا قيادة

  1. في القرن الأفريقي أوطان ثلاثة ، أولها ، إثيوبيا تلك الدولة الكبيرة والتي تتمتع بأنها تملك إمكانيات بشرية ضخمة ، ومساحات جغرافية شاسعة ، وثروات طبيعية هائلة ، ولكنها لسوء التدبير ، وقعت سياسيا في العقدين الأخيرين تحت قيادة قومية واحدة استأثرت الحكم دون غيرها ، وحققت نوعا ما نهضة عمرانية لا بأس بها ، وتبنت في تحقيق مشاريع ناجحة إلى حد ما ، وتحقق كل ذلك بفضل المساعدات المادية الكبيرة من الدول الغربية ، والقروض الهائلة من الهيئات المالية والتي سوف تكون لعنة أبدية على هذا الشعب المسكين ، وثانيها جيبوتي ذلك البلد الصغير ، والذي لا يعاني تضخما في السكان ، فعدد سكانه لا يتجاوز المليون نسمة ، ولكنه يقع في موقع هام واستراتيجي ، إلا أن مشكلته الأساسية تكمن في وقوعه تحت قيادة رجل واحد ، يفكر وحده ، ويخطط وحده ، وينفذ وحده ، فهو لا يمكن أن يرى غيره من القيادات الوطنية ، وثالثها ، الصومال ، ذلك البلد الرائع في موقعه ، يملك أطول ساحل في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا ، وأفضل ما في الصومال ، بكل دولها ، ومقاطعاتها الإنسان الصومالي ، لأنه مختلف عن غيره في الديناميكية والحركية ، وفي المغامرة والعمل في كل الظروف ، ولكن هذا البلد يقع تحت حكام لا عقول لهم ، فعقولهم معلقة في الكراسي ، وكأنهم لا يَرَوْن مصائب الشعب ومعاناته ، ولهذا قلت : إن أزمتنا ليست في القواعد ، بل هي في القيادة .
  2. القيادة في القرن الأفريقي فاشلة سواء كانت القيادة فكرية ، أو سياسية ، فالأولى فشلت في تقديم الرؤية ، والثانية فشلت في صناعة الخريطة للخروج من الأزمة ، وأزماتنا ليست في توزيع الثروة فقط كما تقول المعارضة ، ولا في غياب الديمقراطية كما يقول الغرب ، ولكن أزمتنا أخلاقية من الدرجة الأولى ، هل يستطيع السياسي في القرن الأفريقي ان يكون إنسانا قبل أن يكون سياسيا ؟ هنا تكمن المشكلة في مسارات حياتنا الوطنية .
  3. القيادة في القرن الأفريقي تعيش في أزمة مستدامة ، ولكنها لا ترغب أن ترى الحقيقة كما هي ، وتلك هي أزمة ثانية ، إننا في أزمة مركبة ، من الأزمات السياسية أن نعيش في مشكلة دائمة ، وأن لا نعرف أننا في مشكلة تمثل هي الأخرى أزمة ثانية ، أليس من العجب أن نجد في الصومال انتخابات رئاسية في بلد يعاني الانقسام بكل ما تعني الكلمة من معني ؟! أليس من العجب أن نجد في جيبوتي انتخابات شكلية ، يكون الرئيس فيها المنافس الأهم بعد أن تخلص من المعارضة بالقوة الأمنية ، وينجح في الانتخابات ، ثم يأتي الجيش وحده ليعلن الفرحة وحده دون الشعب الذي قاطع الانتخابات كعادته ؟ أليس من العجب أن تتعرض إثيوبيا لفتنة في كل عقدين من تاريخها مرة ، دون أن تستخلص منها دروسا ؟
  4. القيادة في القرن الأفريقي تعيش في واد ، والشعب في هذه البلاد يعيش في واد ، لقد عرف الناس في كل البلاد أن القيادة تعني التضحية لأجل الشعب ، ولصناعة المبادئ ، ولكن القيادة لدينا هي العيش على حساب الناس ، المتاجرة في السياسة ، ومن الصور الغريبة أنك تجد القائد في الغرب يكون وسيما قبل المنصب ، ويتعب في أثناء مهمته ، ولهذا يتغير كثيرا ، ولكن القيادات لدينا ، لهم صور تنبئ بأنهم من الطبقة الفقيرة قبل الوصول إلى المناصب ، ولكن ما أن وصلوا إلا وتجد لهم صورا تجعلهم لؤلؤا منثورا ، إنها معادلة الحكم في بلادنا ، وهذا هو الدليل القاطع على فشل القيادة في بلادنا .
  5. القيادات في بلادنا تبيع الأوهام ، في العشرين سنة الماضية فشلت القيادة في أثيوبيا تحقيق الوئام السياسي والاجتماعي في هذا البلد المهم ، وفشلت القيادة في الصومال تحقيق الوحدة السياسية لهذا البلد الذي يشبه المعجزة في التشابه ، وفشلت القيادة السياسية في جيبوتي تكوين ثروة متوازنة ولو ضئيلة لهذا المجتمع الصغير الذي يسكن غالبيته في العاصمة في مكان بسيط ( ٤٠٠ ) كم مربع . في عقود ثلاثة تأتي أجيال ، وتذهب أجيال ، ولكن الآمال هي نفسها مرابطة في أمكنتها ، في نهاية العقد السابع من القرن العشرين ، ذكر الرئيس حسن جوليد أن عمله الأساسي سيكون في محاربة العطش ، وقد ذهب الرجل وازداد العطش ، فجاء جيلة ليجدد للشعب هذا الأمل ، ولكنه ذهب بدون رؤية إستراتيجية بعيدة المدى في استقلال القرار السياسي لجيبوتي إلى ما وراء الحدود ، وما يجري اليوم في المنطقة ينبئ بأن الخواء الفكري لدي القيادة السياسية يجعل الأوطان في كف عفريت . قبل ثمانية سنوات ذكر الشيخ شريف بأنه سوف يحقق للصومال سلاما وأمنا ، ولم يستطع فعل ذلك لأسباب سياسية مرتبطة بظروف سياسية خارجية ، وأخرى داخلية ، ولكنه لا يمكن له البوح في ذلك ، فاليوم يرجع إلى السياسية ، ولديه البرنامج نفسه دون تغيير يذكر في برنامجه الانتخابي ، إنها كارثة في عالم السياسة ، ولكن القيادة تستغل الظرف السياسي المعقد في العالم ، وغياب الوعي السياسي عن المجتمع ، وانشغال الناس بالقوت اليومي الذي صار في هذه الأوطان أنذر من الماس .
  6.  القيادة في القرن الأفريقي نتيجة لحالة مرضية ، وليست ناتجة لحالة صحية ، فلا وجود لأحزاب سياسية تفرز القيادات من وسطها ، فهي قيادات تأتي من الفوق ، وقد تحملها مشاريع غربية ، أو عربية ، ولقد دهشت حين رأيت الصراع العربي – العربي في صناعة القيادة الصومالية ، والصراع الأفريقي – الأفريقي في الأمر ذاته ، وليس من السر أن أذكر أن ثمة صراع غربي – غربي في صناعة القيادة الصومالية . لقد حدثني مرة قائدا سياسيا في القرن الأفريقي بأن الغرب منح توصيته لزعيم بأن يقوم في تعديل الدستور لأجل بقائه في الحكم ، وفعل ذلك ، ولكن الغرب أكد فيما بعد بأن ما فعله الزعيم السياسي يعتبر شرخا للعملية السياسية ، وان هذا يتناقض مع الديمقراطية ، فهذا النوع من النفاق السياسي يصنع في بلادنا زعامات سياسية تبدو من الداخل قوية ، ومن الخارج ضعيفة جدا ، فهي قيادات كرتونية لا تملك قرارها السياسي.
  7. القيادات في القرن الأفريقي تعاني إشكالية بنيوية ، فالقائد السياسي يملك الرؤية والحرفية معا ، وهذا ما لاحظناه في القائد السياسي أوردوغان التركي ، وبوتين الروسي ، وجوستان ترودو الكندي . القرآن ذكر ذلك في قوله تعالى : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ) ، فمن لا رؤية له فليس باستطاعته أن يكون خريطة الخروج من الأزمة ، ومن لا حرفة له يتيه عن الهدف ، ومن هنا نستطيع القول بأن البعض من القيادات في القرن الأفريقي لهم رؤية ، ولكنهم لا يملكون الحرفية مثل الزعيم الأثيوبي ملس زيناوي ، والرئيس الجيبوتي الحالي جيله ، ومنهم من لديه حرفة إدارية ، ولكنه لا يملك رؤية سياسية كالرئيس الحالي للصومال ، فالشعوب في لحظات الأزمة السياسية يبحثون عن القيادات الفاعلة ، وليست القيادات ذات الرؤية الضيقة ، أو ذات الإمكانيات الإدارية . اليوم ، نلاحظ في الصومال من يبحث الشرعية في وطن يعيش في حافة الهاوية ، بلد يأخذ الرقم الواحد في الفساد السياسي ، وسقط في امتحان الشفافية ، وهو البلد رقم (١) في فشل الدولة ، ولكن لا أحد من السياسيين يتحدث عن ذلك ، ولا أحد منهم يجعل من برنامجه كيف يتم الخروج من هذه الورطة ؟ أن تكون أعورا في بلد العميان ليس نجاحا سياسيا ، هل تصدقوني إن قلت لكم : لقد مسحت من خريطتي جل هؤلاء السياسيين ؟!
  8. القيادات في القرن الأفريقي دخلت في الشيخوخة منذ أمد ، وهي اليوم تعاني من أمراض الشيخوخة ، وما أكثرها ! ولكنها تستخدم جميع الأدوية التي من شأنها صناعة التهدئة ، يستغلون التدين المغشوش ، ويشوهون على التدين الإصلاحي والثوري ، ويرغبون الحديث عن النهضة العمرانية في بلاد لا تملك بنية تحتية ، ويتم مناقشة النهضة التعليمية من خلال تبني مشروع تعليمي يكون من مخرجاته أشباه أميين ولو حملوا أرقي الشهادات التعليمية . الشيخوخة في القيادة لا تعني تقدم العمر للأفراد ، وإنما تعني تقادم المؤسسات ، وانحطاطها الفكري ، فهذا ما يسمي في لغة القيادة الشيخوخة المبكرة ، وقد ذكر العلامة مالك بن نبي رحمه الله ، أن الأمم في لحظة الإقلاع تعمل في البناء الروحي ، وتعمل من خلال وحي الروح ، وأنها في لحظة العمران تعمل من خلال التوازن في العقل والروح ، وفي لحظة الفناء تفكر في إسعاد الجسد ، فهذا في أمر القواعد والأمة ، فما بالك في أمر القيادة ؟!
  9. القيادات في القرن الأفريقي فاشلة ، ولكنها تستغل الفراغ المعرفي الناتج من غياب الطبقة الوسطى في المجتمع ، والطبقة الوسطى في المجتمع ضرورية لصناعة السياسية ، فلا سياسة ناجحة في بلد ناهض بدون طبقة وسطى ، والطبقة الوسطى ليست طبقة حياتية فقط كما يظن خبراء المال ، وإنما هي الطبقة التي تتشكل من خلال المعرفة السياسية العميقة ، والوعي الفكري المتوقد ، ليس من الضروري أن يعرف بعضهم بعضا ، أو أن يكون لديهم درجات تعليمية فائقة ، ولكن يجب أن يكون هناك طبقة ( opinion publique ) ، هذه الطبقة كانت موجودة في لحظة ما بعد الإستقلال في الصومال الإيطالي ، والصومال البريطاني بشكل جيد ، وكانت موجودة كذلك في جيبوتي بشكل مقبول ، ولكن القيادة السياسية التي حكمت البلاد بالحديد والنار تخلصت منها . اليوم ، نجد في البيئة خليطا عجيبا من المجتمع ، نجد متعلمين لا وعي لهم ، كما نلاحظ تكدسا بشريا من نازحي البادية في المدن ، ولكنهم يتهافتون على العمل السياسي بدون رؤية سياسية ، بل وفي غالب الأحيان يصير هؤلاء قيادات سياسية ، وفي هذه النقطة تكمن بعض مشاكلنا الأساسية .
  10. القيادات في القرن الأفريقي يحكمون بلادا تسير نحو الموت ببطء ، الشباب يهربون بشكل مستمر إلى الخارج ، لأنهم أيقنوا بان لا مستقبل لهم في هذه الأوطان الطاردة للطاقات ، فالوطن لم يعد يعيش فيهم ، ولا هم يعيشون فيه ، هم غرباء في أوطانهم ، ولهذا يقررون الهروب والخروج ، ولا يخافون من الموت في وسط البحر ، ولا يسمعون لغو بعض العلماء الذين لا يقدرون الموقف الشرعي مع مراعاة الحكم الشرعي ، ويفتون لهم بعدم الخروج من أوطان صارت لغيرهم وطنا ، ولهم عذابا . إن القيادات الفاعلة لا تفكر في استدامة السلطة لأنفسهم ولا لبنيهم ، بل يخططون في صناعة الدولة التي ترعى الجميع ، وتحقق التنمية ، ويسعون في تحقيق الوئام بين الناس ، ولكن حين تسمع في المجالس هذا الثراء الفاحش في أهل الحكم ، والفقر المدقع في طبقات الشعب ، وتسمع من بعض الدعاة الذين لا يعرفون فقه الحياة ، الحديث عن الصبر والمصابرة حتى ولو عاش الحكام على الشعب وقضاياه ألف سنة مما يعدون . نحن في أوطان بحكم الموت ، لأنها دخلت في الموت السريري ، ولكنها واقفة بساقيها بحكم الحركة الطبيعية فيها ، فهي في أواخر لحظاتها ، ولكن أشباه الأطباء يظنونها حية بهذه الحركة الطبيعية ، والقيادات الفاعلة في مثل هذه المراحل لا تفكر في حياتها ، بل تناضل لأجل إنقاذها من المصير المحتوم ( الموت البطيء ) .

تعليق واحد

  1. يملك أطول ساحل في أفريقيا بعد جنوب أفريقي
    بل قبل جنوب أفريقيا التي يبلغ طول ساحلها 2700 كلم
    ويبلغ طول الساحل الصومالي 3333 كلم
    انظر قائمة أطول سواحل دول العالم
    https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84_%D8%AD%D8%B3%D8%A8_%D8%B7%D9%88%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%A7%D8%AD%D9%84

%d مدونون معجبون بهذه: