مراهقون تحت التعذيب

لم يكد يظهر ذلك الانسجام الثقافي والبيئي والاجتماعي ويلوح في الأفق نوع من القبول المتبادل ، حتى صدم المغتربون الصوماليون في بلاد الغرب – الذين كافحوا لتحقيق ذلك الوئام المؤقت – بأن ذلك الانسجام لم يكن إلا سحابة صيف خادعة، وسرعان ما انكشفت مع أول لحظة بلوغ لأبنائهم؛ فكان الآباء كمن كان يشاهد من بعيد تلك الاختلافات التي كانت بينهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه على أنها اختلافات لا تعني لهم بشيء ، ولكن عندما بدأت تلك الاختلافات تغزو عقر بيوتهم ، اختلف معهم الأمر ، وبدا كل شيء صادما ، وغريبا ، ولأول مرة يجد الآباء أنفسهم أمام تحديات تفوق نطاق قدراتهم التربوية المحدودة أساسا، فوقوف أبنائهم على عتبة المراهقة ، كان بمثابة إعلان دخول مباغت لكل من الآباء والأبناء في صراعات ، وتجاذبات مربكة بين ما تمثله القيم والمبادئ والعادات الغائبة عن إدراك الأبناء ، و بين الواقع بكل أركانه ، قوانينه ، وبريقه الحاضر .

ذلك التفرد القوي لواقع الحضارة الغربية والمفترسة لأي ثقافة أخرى، جعل بعض الآباء المغتربين في حالة من اليقظة والاستنفار التام ، ونفض غبار العجز، والمحاولة بكل الوسائل الممكنة لإنقاذ الأبناء ، وجعلهم في محيط إلى حد ما يقارب الجذور الغائبة .

ولكن في بعض تلك المحاولات الأبوية يصح أن تطلق عليها وسائل “تعذيب المراهقين ” أكثر من اعتبارها وسائل تهذيب ، وإلا ما معنى إرسال المراهق دون ذويه وأقرانه وعالمه واستئصاله من واقعه الغربي البحت إلى عمق ثقافة تغاير ثقافته التي تربى عليها أول مرة برضا والديه ، ويُجبر دون سابق إنذار ، بل أحياناً بوسائل ملتوية لا تمت للقيم السامية بصلة لما فيها من الكذب والخداع ووضع المراهق في واقع غريب ، دون حتى إجراء مناقشه بسيطة معه عن تبعات ذلك الترحيل القصري ؟

قد يكون للوالدين بعض الحجج والأعذار التي يتسلحون بها عند قيامهم بتلك الإجراءات ، مع أنه ليس هناك ما يبرر لهم وضع فلذة كبدهم “المراهق ” في أعماق البادية بدون رؤية تربوية ومعيشية واضحة ، أو جعله يعيش مع أقارب يشابهونه بالدم ، يخالفونه في كل شيء ، فيكون لهم كالمادة الخام التي تصلح لأن يجري بها كل شخص إصلاحاته الخاصة ، فالصغير يحاول أن يعدل من مشيته ، والكبير يتدخل في طريقة كلامه ، والأكبر سناً يصدر عليه أحكامه القاسية ، وهو بينهم يدور كالنعجة المذبوحة التي تحاول إيجاد أي مخرج لها ، فيعيش معهم سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك أو أقل ، دون أي تغيير فكري عميق ، فيعود إلى موطنه ليكون غربيا أكثر من الغربيين أنفسهم .

ولكن كل هذا لا يعادل أمام ذلك العلاج الأسري الأخرق والذي يتمثل في سجن المراهق في ما يسمى بمراكز الإصلاح المنتشرة في ربوع الوطن ، باعتبارها أفضل حل ممكن في نظر البعض، وقد كان هذا الحل من القسوة بأن قتل في الوالدين إحساس الرحمة والشفقة ، فهذه المراكز أقل ما يمكن وصفها بأنها ” سجون رخيصة المستوى ماديا وفكريا” ولا يمكن أن تكون تلك الأماكن الجوفاء مراكز للعطاء . .

أنا شخصياً لا أنسى تلك الحالة التي عايشت فصولها والتي كانت مع مراهق وُضع في أحد تلك المراكز الواقعة في مدينة بوصاصو الساحلية والمعروفة بحرارتها المرتفعة في أغلب شهور السنة ، بحيث تجبر تلك الحرارة مغادرة أغلب سكانها منازلهم إلى مدن ألطف مناخاً إلى حين اعتدال الطقس ، لكن ذلك الطفل الصغير الذي كان قادماً من شمال أوربا الباردة جداً بقي لوحده بعد أن غادرت والدته مع أول رحلة منطلقة عائدة إلى ديارها ، دون أن تفكر بما قد يواجه صغيرها بين أحضان هؤلاء الغرباء ، فكان وجوده الهزيل وجلده الذي كان يتساقط من شدة الحر ، بمثابة صرخة في وجه ذلك التفكير اللامنطقي الذي قيده هناك .

قد تتشابك الهموم وتتعاظم ، وقد ترهقنا مشاكل الغربة وتتفاقم ، ولكن أن يصبح أبناؤنا ضحية لفقرنا التربوي ونستسلم نحن لذلك الفقر بل نوصي بعضنا بعضا بفاعلية تلك الحلول غير المجدية فهي مصيبة لا عزاء لنا فيها سوى سرعة تدارك الموقف من أجل فهم أعمق لطبيعة واحتياجات المراهقين على ضوء ظروف نشأتهم الأولية في المهجر الغربي ؛ على اعتبار أن المراهقة ما هي إلا استكمال لما سبقها من مراحل الطفولة و طرق مواجهة مشكلاتها بما يتناسب مع طرق التربية التي خضع لها المراهق أول مرة .

%d مدونون معجبون بهذه: