هل أصبح إسلاميو القرن الأفريقي ورقة انتهت صلاحيتها ؟

 يقع القرن الأفريقي في موقع هام من الناحية الثقافية ، فهو يربط بين القارة السمراء ، والجزيرة العربية ، ولهذا كانت الرحلات العربية تصل إلى هذه المنطقة في وقت مبكّر من تاريخ العرب ، وبهذا ارتبطت هجرة الصحابة إلى أرض الحبشة بهذه العلاقة النوعية التي توثقت من خلال التبادل التجاري والثقافي بين الشعوب في هاتين المنطقتين ، وقديما تحدث العلماء وجود ألفاظ حبشية في القرآن الكريم ( الكتاب العربي المبين ) ، وهذا يدل على عمق الروابط بينهما مرة أخري ، وليس من الغريب أن يجعل بعض العلماء منطقة القرن الأفريقي استثنائية في انتمائها ، فهي ليست عربية خالصة ، كما إنها ليست أفريقية خالصة ، إنها منطقة كوكتيلية ( أفريقية – عربية ) .

المنطقة ليست هامة من الناحية الثقافية فقط ، بل هي مهمة حدا من الناحية الإستراتيجية السياسية ، فهي تربط بين القارة الأفريقية والقارة الآسيوية من جهة ، كما تربط بين هاتين القارتين والقارة الأوربية من جهة أخري ، وازدادت أهميتها حين تم افتتاح قناة السويس ، وتتدفق البترول من الجزيرة العربية ، وأصبحت المنطقة محطة صراعات دولية .

استقبل القرن الأفريقي الطلائع الأولى من حملة رسالة عيسى عليه السلام ، وبهذا فالمسيحية في القرن الأفريقي ليست جديدة ، ولم تأت مع الاستعمار الغربي كما هو شأن المناطق الأخرى من القارة السمراء ، ووصل الدعاة من أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم في وقت مبكّر من تاريخ الدعوة المحمدية ، بل وتؤكد كتب السير والتاريخ بأن كلمة الإسلام وصلت إلى القرن الأفريقي قبل بزوغ فجر الإسلام في المدينة .

  • الإسلاميون في القرن الأفريقي وإشكالية الجغرافيا والتاريخ

العالم الإسلامي واجه أعاصير متشابهة في القرون الماضية ، فقد كان الإعصار الأخير يتمثل بالاستعمار ، والاستعمار لم يكن ظاهرة عسكرية فقط ، بل كان في حقيقته ظاهرة فكرية خطيرة ، وحاول أن يستغل الخواء الفكري الموجود في العالم الإسلامي ( ظاهرة القابلية للاستعمار ) ، ولكن العالم الإسلامي لم يكن في استجابته لظاهرة الاستعمار منطلقا من رؤية واحدة ، ولكن الشيء المهم في هذا الموضوع أن المسلمين أبلوا بلاء حسنا في مواجهته ، وبرز في فيما بعد مرحلة الاستعمار اتجاهان متضادان ، الاتجاه العلماني الذي تبني مشروع الحداثة الغربية ، والاتجاه الإسلامي الذي تبني مشروع الحداثة الإسلامية .

لقد برز من خلال الصراع الجماعات الإسلامية ، فكانت حركة الإخوان المسلمون التي وصلت إلى المنطقة في وقت مبكّر جدا ، وذكر حسن البنّا في مذكراته بأن جيبوتي كانت المحطة الثانية بعد مصر لحركته ، ولكن أحداث التاريخ أكدت بأن هذه النشأة المبكرة لم يكتب لها البقاء طويلا لأسباب سياسية وجغرافية بيد أن رجالا من الذين درسوا في الأزهر الشريف رجعوا من مصر في نهاية الخمسينيات ، وبداية الستينيات من القرن العشرين ، وحملوا مع شهاداتهم التعليمية الفكر الإسلامي المتأثر بحركة الإخوان المسلمين ، فانتشر الفكر بعدئذ من خلال الكتاب الإسلامي المترجم في أوساط الفئة المتعلمة في نهاية السبعينيات ، بل وكان في لحظتئذ موئل الشباب الظامئ للتدين ، وقد ازداد التشبث به حين أعلنت الحكومة العسكرية الصومالية تبنيها المشروع الاشتراكي .

في لحظة الحرب الباردة ، وفي أثناء المواجهة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي ، انتشر الفكر السلفي من خلال استقطاب الشباب الصومالي من قبل الجامعات السعودية ، ومن خلالهم انتشر الفكر السلفي ذو النكهة الخليجية في القرن الإفريقي .

  • خريطة الفكر الإسلامي في القرن الأفريقي

في القرن الأفريقي مدرستان للفكر الإسلامي وهما :
١- المدرسة التقليدية وهي تنقسم إلى قسمين ، المدرسة التعليمية ، وتحاول تدريس الدين من خلال الفقه الشافعي ، والعقيدة الأشعرية ، والمدرسة الصوفية وهي من أفرع كثيرة ، ولكن الطريقة القادرية هي السائدة في الساحة الدينية.
٢- المدرسة الحديثة ، وهي تنقسم في أصلها إلى مدرستين كبيرتين ، المدرسة الإخوانية ، وهي كذلك تنقسم إلى اتجاهين ، اتجاه محلي قاده الشيخ محمد معلم العالم المفسر المعروف ، واتجاه دولي قاده الشيخ محمد نور جريري الداعية الصومالي المعروف ، أما المدرسة الثانية ، فهي السلفية والتي تفرعت هي الأخرى إلى مدارس عدة من السلفية التعليمية ، والجهادية ، والحزبية ، واللاحزبية.

  • مآلات الحركات الإسلامية في القرن الأفريقي

تمر الحركات الإسلامية بمرحلة صعبة في تاريخها ، فقد انتهت المرحلة الذهبية التي تمثلت في حصول الفراغ السياسي بعد سقوط النظام الشمولي في الصومال ، والتحول التاريخي الذي حصل في إثيوبيا بعد سقوط النظام الاشتراكي عام ١٩٩٢م .
في هذه المرحلة تحولت الحركات الإسلامية إلى شبه حكومات في الصومال ، وأقاموا محاكم شرعية ناجحة ، وكانت حالة استثنائية ؛ لأنه لا يمكن إقامة محاكم بلا سلطة سياسية ، ولكن الحالة الصومالية سمحت قيام ذلك ، والسبب هو أن الحركات الإسلامية كانت تحتفظ هذه المرحلة نوعا من التنظيم في حين كان المجتمع الصومالي يعاني التمزق والفوضى في كل المستويات .

مثلت المرحلة في تاريخ العمل السياسي فرصة ذهبية للحركات ، وقد أدت النجاحات التي تحققت في مناطق المحاكم الشرعية فرصة أخرى لصعود الإسلام السياسي بنكهتيه السلفية الإخوانية ، ولكن لأسباب كثيرة منها سيادة الجهل عن مقتضيات الحكم ، وعدم معرفة المحيط الإقليمي والدولي ومدى حضوره القوي في الملف الصومالي ، وعدم الاستعداد للمرحلة ما بعد الفوضى بشكل جيد من طرف الإسلاميين ، ووجود خلافات كبيرة في صفوفهم ، ووجود خطط من الخارج تعمل في إفشال العمل الإسلامي ، وإغراقه في العمل اليومي ، ومحاولة إبعاده عن مواقع التأثير الفكري والعلمي ، كل ذلك أدى إلى إفشال الحركات الإسلامية في القرن الأفريقي .

دخلت الحركات الإسلامية اليوم مرحلة جديدة تتميز بالخلافات الشديدة فيما بينها ، فقد سارت حركة الإخوان المسلمين في القرن بعد أن كانت حركتين – كما قلنا – إلى اتجاهات خمسة ، وذلك بعد أن عصفت الخلافات في أجوائها ، وليست الحركة السلفية بأحسن حالا من الإخوان المسلمين ، فهي كذلك انقسمت إلى أفرع أربعة .

لقد صارت الحركة الإسلامية مشروعا بلا مشروع ، وفكرة بلا فكر ، والسبب هو أنها كانت استجابة لحالة عالمية ، ولكنها لم تنجح كما صنعت حركات مشابهة لها ، ومن هنا ، بدت وكأنها حركة زارت المنطقة من وراء البحار ، فهذا الخواء الفكري المنبثق من عدم تفاعل الحركة مع واقعها المحلي ، والإقليمي ، ودورانها الدائم على الأفكار العالمية ، واستدعاء الفتاوى من خارج الجغرافيا والتاريخ ، كل ذلك جعلها مشروعا بلا مشروع .
انتهي مشروع الحركات الإسلامية في المنطقة في مشروعين ، في مشروع الدولة الذي كاد أن يبتلع مشروع الإسلاميين ، فلا تكاد تحد الفرق ما بين السلطة من دولة عرتا حتى دولة اللحظة الحالية وما بين الحركات الإسلامية ، أما المشروع الثاني الذي كاد أن يبتلع مشروع الحركة الإسلامية هو المال ، فالمال في المنطقة وقع في يد طائفتين من الشعب ، الإسلاميين وقيادات الجبهات سابقا .

إن مشروع لبرلة الحركة الإسلامية نجح من خلال إقامة مشاريع تجارية ضخمة ، ربما كانت وراءها إرادات سياسية سعت بشكل منهجي إشغال الإسلاميين في العمل التجاري ( البسنس ) ، ووافق هذا رؤية شاعت في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة ، ومفادها أن المنطقة سوف يقودها من يملك المال ، والنَّاس يميلون إلى من عنده مال .
لقد انتهت الحركة الإسلامية بعناوينها عند عتبة المال والسلطة ، ومن هنا فقدت الحركة بريقها الفكري والأيديولوجي عند كثير من أبنائها فضلا عند جماهير الشعب في المنطقة ، ولهذا فهي اليوم تعيش في مرحلة تراجع خطير مما يجعل البعض يطرح هذا التساؤل ، هل فقدت الحركة معني وجودها ؟ وهل تحولت إلى شركات مالية ، وجامعات تجارية ، وجمعيات خيرية ذات ربح مادي ؟

لقد انتهي أمل قيام الدولة الإسلامية في القرن الأفريقي بعد أن رأى الناس التطبيق الأشد قسوة على الحياة للإسلام في ربوع الصومال بيد حركة الشباب المسلم ، وهي حركة خرجت من رحم القراءات المختلفة من الإسلام الحركي ، كما أن مشروع المحاكم لم يسلم من الفشل السياسي حين حاول أن يقيم مشروعه بالقوة ، وليس بالإقناع والرضا .

إن فشل الحركة الإسلامية في القرن لا يعني فشل الفكر الإسلامي ، وإنما يعني تجاوز المرحلة خطاب الفكر الحركي ، ورموزه ، ولهذا فإننا نلاحظ بداية مرحلة جديدة ، وهي مرحلة الفكر الوطني ذي المرجعية الإسلامية ، وهي مرحلة مستقلة كل الاستقلال من المرحلة الماضية ، ولكنها ليست مقطوعة الجذور كليا منها ، وتحتاج إلى بلورة مشروع فكري ينطلق من الوحي فهما ودراسة وتنزيلا ، ويتفاعل مع الواقع قراءة وحركة وإنتاجا

نحن في مرحلة ما بعد الحركات ، ولكن أغلب رموز الحركات لا يعرفون مدي التحولات الفكرية للجيل الحالي ، ولهذا فهم يعيشون في هذا اللحظة بمقتضيات فقه المرحلة الماضية ، ما معالم فقه المرحلة القادمة ؟ وكيف سيبدو المشروع الذي يجب أن تتبناه الحركة الوطنية ذو المرجعية الإسلامية حتى لا تكون مشروعا بلا مشروع في منطقة هامة ثقافيا وسياسيا ؟ هذا ما سنتناوله في مقال لاحق بإذن الله ، يقول الدكتور حسن الترابي : إن حركة الزمان لا ترحم الواقفين الجامدين ، ولا تنتظر المترددين الخائفين ، الذين يعيشون عصرا بوسائل عصور خلت ، ولا يميزون بين المبدأ الخالد والوسيلة الفانية ، إن كل توقف يتحول إلى تخلف ، أنا أعتبر الجمود نكسة ، فصلا عن التقهقر إلى الماضي في الفكر أو الحركة ، فأنت إذا توقفت تكون قد انتكست ، لأن ابتلاء الزمن متقدم دائما ، والله سبحانه وتعالى يقلب الظروف يوما بعد بوم ، وكل فجوة بينك وبين حركة الزمن – التي هي الابتلاء الأساسي في الدنيا – هي نوع من الانتكاس .

%d مدونون معجبون بهذه: