إلى أين تسير الأوضاع في إثيوبيا ؟ 

قراءة خلدونية للأوضاع ومآلاتها :

لقد كتبنا سابقا مقالات ثلاثة عن الحراك السياسي الجاري في إثيوبيا ، وقدمنا من خلالها قراءة مختلفة ، وذلك لأن الوضع في إثيوبيا مختلف جدا ، فهذه الدولة ليست دولة طبيعية ، ولكنها ليست كذلك دولة استثنائية ، فهي دولة تختلف عن أغلب الدول الموجودة في القارة الأفريقية لسببين ، أنها ليست من صنيعة الاستعمار ، ذلك لأنها لم تتعرض للاستعمار الخارجي إلا قليلا ، وفي أجواء مقاومة كبيرة ، والسبب الثاني يكمن في كونها دولة ذات بعد تاريخي طويل ، لم تكن نشأتها مرتبطا بتوزيع الكعكعة الأفريقية للغرب في القرن التاسع عشر الميلادي ، بل كانت كما تشير بعض الدراسات جزءا من القوي التي حضرت في التقسيم والتوزيع .

نحن نحتاج حين ندرس ظاهرة الدولة في هذا البلد إلى أمرين أساسيين ، أحدهما مرتبط بالفهم السياسي لنشأة الدول ، وهو أمر يحتاج هو الآخر إلى توسيع المدارك لدي الجماعة السياسية في المنطقة ، والأمر الثاني يرتبط تعميق الفهم لدراسة السنن التي تحكم الدول من حيث القيام ، والاستمرار ، ومن حيث السقوط والتلاشي .

ابن خلدون ظاهرة فكرية متجددة

لدينا في الفقه الحضاري ظاهرة متمثلة بشخص عظيم في الفكر الإسلامي ، وهو المفكر السياسي الكبير ابن خلدون رحمه الله ، تلك الشخصية التي برزت في ساحات الفكر قبل قرون عدة ، وذلك قبل أن يظهر في الساحات توينبي ، وكارل ماركس ، وماكس فييبر وغيرهم ممن قاموا بتفسير الحياة من منطلقات حضارية ذات جذور مسيحية ومادية فقط في أغلب الأمور .

درس هذا العملاق الدولة باعتبارها شخصية معنوية ومادية ، ولها كيان مستقل عن الأشخاص ، ولها عمر مفترض ، وتعيش في حيّز جغرافي معين ، وفي حيّز زماني معلوم ، وتتعرض لأمراض ، قد تشفي منها ، ولأمراض خطيرة ومزمنة قد لا تشفي منها ، ولكنها في نهاية الأمر تؤدي إلى وفاتها .

لقد استطاع الرجل أن يبرز من خلال تأملاته العميقة قواعد عدة ، يعرف من خلالها مدي هشاشة الدولة ومتانتها ، فقد كتب عن سنن قيام الدول والحضارات ، كما كتب بقوة عن الأسباب التي تؤدي إلى سقوط الدول والحضارات ، والرجل فيما يكتب يشبه الطبيب الماهر الذي يقوم بتشخيص المرض كما هو ، ولا يجلس طويلا عند أعراض المرض كما هو شأن غالب من يكتب في السياسة في العصر الحديث .

ابن خلدون وعلامات سقوط الدولة

تناول الرجل بقلمه الهادئ أسباب سقوط الدولة ، ولكنه لم يكتب مقدمته التي صارت فيما بعد المرجع الأساسي للكثير من علماء الفكر الاجتماعي والسياسي إلا بعد أن استخدم جهده العقلي في فهم ظاهرة التفسخ الحضاري من بدء الاجتماع الإنساني حتى عصره ، وهذا النوع من التأمل ليس سهلا ، فهو يحتاج إلى قراءة عميقة لجميع الظواهر السياسية والاجتماعية في التاريخ ، وهو أمر لا يكون سهلا في هذا العصر ، فكيف يكون أمرا سهلا في عصر ابن خلدون رحمه الله ؟ !

استطاع الرجل قراءة المجتمع من خلال السنن والنواميس ، وربما كان أول باحث في التاريخ فيما نعلم غاص في هذا الموضوع ، وقد ذكر المفكر ذلك في كتابه ، ولكنني لست في شك بأنه استفاد من الكتاب العزيز الذي قدم إشارات كبيرة وعميقة في هذا الشأن من خلال سوره وآياته ، وإلى هذا أشار المفكر العراقي الدكتور عماد الدين خليل في كتابه (ابن خلدون إسلاميا ) .

لدينا قواعد ستة في سقوط الدولة ، ولكنها ليست كل القواعد في هذا الشأن ، فهناك قواعد كثيرة ذكرها العلامة في كتابه القيم ، ولكن لأسباب منهجية ، أحببنا أن نقتصر على هذه الستة وهي :

القاعدة الأولي : إن عامل الترف والبذخ ينتج جيلا مترفا ، يحتاج في أموره إلى الخدم والحشم ، ويعجز عن معالجة كبار الأمور والمهام .

إن أغلب الناس لا يلاحظون هذه القضية كسبب أساسي في سقوط الدولة ، لأن الدولة في فهمها التقليدي تحتاج إلى هيبة ، والهيبة في نظر العامة محصورة في القوة والسلطان ، ولا أثر لهذه القوة والسلطان ما لم يستخدم صاحب السلطة المال والجند ، ومن هنا تكثر في لحظة السقوط اتباعا لهذه السنة الاجتماعية البذخ في حياة الحكام ، ولأجل أن يصبح البذخ ثقافة عامة ، فإن المرتزقة الذين يكونون دائما حول السلطان يحاولون أيضا اتباع السنة ، وهذا النوع من الحياة تجعل المجتمع إلى طبقتين ، طبقة مترفة جدا ، وطبقة معدمة جدا ، فلا توجد بينهما طبقة ثالثة .

القاعدة الثانية : يقلب الحاكم في هذه المرحلة توجسه وغيرته من شعبه إلى خوفه على ملكه ، فيأخذهم بالقتل والإهانة ، فهذه هي لغة ابن خلدون ، وهي اللغة السائدة في عصره ، ولكنها في لغة عصرنا هي ( المرحلة البوليسية ) ، وهي المرحلة التي تفكر فيها السلطة ألف مرة كيف تحافظ ملكها عن شعبها ؟ ومن هنا يكون الانقسام السياسي حادا في الداخل ، والشرح عميقا في النسيج الاجتماعي .

يفكر الحاكم في تكثير العيون بين الناس ، ويفكر المجتمع في البحث عن الخروج من هذا الظلم ، ويكون الحديث في بداية الأمر تحت الطاولة ، ولكنه لن يبقي هناك طويلا ، ذلك لأن السلطة السياسية لن تقف عند حد ، بل تستخدم القوة البوليسية ( فيأخذهم بالقتل والإهانة ) ، وهذا هو الذي يؤدي دوما إلى الثورة ، أو إلى العصيان الذي يبدأ تدريجيا ، فيتحول إلى طوفان فيما بعد .

القاعدة الثالثة : الحضارة غاية العمران ، ونهاية لعمره ، ومؤذية بفساده . لا شك في أن الحضارة مطلب الشعوب الراقية ، ولهذا قال المفكر المسلم ابن خلدون : الحضارة غاية العمران ، ولكن هل العمران غاية لذاته ؟ وهل الحضارة هدف لذاتها ؟

نحن نجد أن ثمة سلطات كثيرة تهتم ببناء الأحجار دون الإنسان ، ومن هنا نجد اليوم في عدة عواصم في العالم الثالث نهضة عمرانية هائلة قد لا تجد لها مثيلا في العالم المتقدم ، ولكن الإنسان في هذه الدول ما زال يعيش في عالم ما قبل الحضارة ، فلا تجد نهضة سياسية ، ولا وجود لمجتمع مدني ، ولا لخدمات اجتماعية تقدم للإنسان الذي يعيش في داخل هذه المنظومة من العمران الحجري .

إن هذا النوع من العمران يؤذن بالفساد السياسي والاجتماعي ، وبالتالي فهو في طريقه إلى الإنهيار والتفسخ عاجلا أو آجلا .

القاعدة الرابعة : وجود فساد كبير في عصبية الدولة ، وانتشار روح المنافسة على السلطة .
لقد وجد ابن خلدون أن الدولة لا تقوم بدون عصبية سياسية ، والعصبية السياسية قد تكون عرقا اجتماعيا في المفهوم القديم ( القبيلة ، أو القومية ) ، وقد تكون كتلة سياسية في المفهوم الحديث ( الحزب ، والتحالف ) ، وقد تكون أيديولوجيا عقدية ( الشيوعية ، الرأسمالية ، الليبرالية ، الإسلامية ) ، ولاحظ أنها ضرورة لتكوين الدولة ، واستمرارها ، ولكنها تكون في الأخير فيروس الفناء للدولة .

القاعدة الخامسة : الظلم مؤذن بخراب العمران ، وعلى قدر الظلم يكون التقاعس عن العمل .
لا بناء لدولة ، ولا دوام لحضارة مع الظلم ، فهذه قاعدة تقررت في التاريخ ، فنحن لا نجد عدلا مطلقا إلا في اليوم الأخير من نهاية الحياة ، فالعدل النسبي يؤدي إلى نوع من الاستمرارية ، والظلم بكل أنواعه إذا ساد يؤدي إلى الخراب .

القاعدة السادسة : الهرم إدا نزل بالدولة لا يرتفع .
هذه قاعدة هامة في علم الاجتماع السياسي ، والهرم هو ما قبل نهاية الحياة ، ولا دواء للهرم الطبيعي حتى اليوم ، ولا كذلك للهرم الاجتماعي ، فقد نجد في بعض الأحيان مسكنات لبعض آلام الهرم ، ولكن أن بتم الحصول لعلاج جيد لهذا المرض هو من مطالب المستحيلات ، والدولة قد تتعرض لشيخوخة مبكرة ، وقد تتعرض لشيخوخة تأتي في الوقت الطبيعي ، ولكن أغلب الدول تجري عليها سنة شيخوخة المبكرة إلا ما نذر ، وهو ما تنبه له البعض في الدراسات السياسية الحديثة حيث يخططون في إطالة عمر الدولة .

مآلات السلطة في إثيوبيا الحديثة والقراءة الخلدونية 

لقد قامت الدولة في ثيوبيا على عصبية سياسية معينة ، وكانت على التحالف السياسي الذي جري بين الشعوب الأساسية في العصبية الإثيوبية ، وتتكون ما بين الشعب التجراي ، والأمهري ، والأورومو، وشعوب جنوب إثيوبيا.

هذه العصبية بتكونيتها المختلفة هي التي كونت العصبية السياسية للدولة الحديثة ، والدولة في مفهومها الخلدوني لا تقوم إلا على العصبية ، ولكن كما تكون العصبية سببا هاما في القيام ، تكون سببا كبيرا وأساسيا في التفسخ.

الدولة تحتاج إلى عنصرين من الناحية الاجتماعية كما يقرر ابن خلدون ، العصبية ، وهو البعد المعنوي للدولة ، ويشرح فلسفيا لمن هذه الدولة ؟ ولكنها كذلك تحتاج إلى بعد مادي ، وهو العنصر المادي ، وهو المتمثل في القوة والمال والتجمع في المدن .

نلاحظ اليوم في هذا البلد نوعا من التفسخ في العصبية السياسية ، كما نلاحظ ردما سياسيا كبيرا في تفسير العصبية ، وشرخا هائلا في العنصر المادي ، ولهذا يرى البعض احتكار السلطة والثروة بشكل غير عادي في البلاد عند البعض دون سواهم ، وهذا أدى إلى التصدع الكبير في شكل العصبية التي قادت الثورة والتغيير ، بل وقامت معا في بناء الدولة الحديثة .

في الوسط الإثيوبي يلاحظ بشكل واضح وجود خلل في العناصر الأساسية للدولة ( المال ، الجند ، العدل ) ، فقد ارتفع المال عن الجمهور ، وصار الفقر من حظهم ، بينما الغني الفاحش صار لدي طبقات معينة عند بعض القوميات ، وعند البعض من المرتزقة ، وهذا النوع من الخلل الاجتماعي ينبئ غالبا كمقدمة في التفسخ السياسي .

لقد حاولت قومية سياسية من العصبية السياسية في البلاد استحواذ السلطة والثروة بشكل كبير ، وهذا هو الذي صنع الحراك السياسي الحالي في البلاد ، ويلاحظ في البلاد أن ثمة خريطة جديدة بدأت تتكون من عصبية جديدة ، ولكنها على أرضية مختلفة عن السابق .

إن الدول في مراحلها الأخيرة تكون خاويا من القيم السياسية ، وتحاول أن تستخدم القوة والمال في إسكات الأصوات المعارضة ، ولكنها لا تنجح غالبا ، لأنها في هذه اللحظة تكون منهمكة في الترف ، وحب الراحة .

إن النظام الإثيوبي اليوم يحاول الدفاع عن الشرعية ( النظام ) ، وليس عن الشعب ، ولهذا فهو يعجز عن معالجة كبار الأمور والمهام كما يقول ابن خلدون رحمه الله ، وهناك جهات أخرى تحاول رسم خريطة جديدة ، وذلك بعد أن شعرت بالظلم والإهانة .

النظام السياسي الإثيوبي – في رأيي – يمر بمرحلة متقدمة ما قبل السقوط ، ونحن نفرق ما بين الدولة والنظام ، فلا يعني سقوط النظام في إثيوبيا سقوط الدولة ، وهما في هذه البلاد لا يتلازمان ؛ لأنها دولة مركبة ، وليست بسيطة كما هو شأن الدول في القارة الأفريقية ، والصراع في هذه الدولة ليس بين الشعوب التي تحاول في الهامش ، وليست جزءا من العصبية ، وبين المركز ، ولكن الصراع هو ما بين أطراف العصبية التي كونت التحالف السياسي الذي يحكم الدولة ، ويذكر ابن خلدون بأن التفسخ السياسي للكيان يأتي من خلال هذا التصدع ، لأن طرفا من العصبية يحاول احتكار السلطة ، وحينها تفسد العصبية ، ويكون روح المنافسة قويا في داخل المؤسسة السياسية ( العصبية ) بالمفهوم الخلدوني.

%d مدونون معجبون بهذه: