بعد نصف قرن.. سيد قطب في الخالدين

في بداية القرن العشرين ولد سيد قطب ، ووجد نفسه في عالم جديد بدأ يتكون من جديد ، عالم سقطت فيه الخلافة الإسلامية ،. وأمة مسلمة كبيرة من المحيط إلى المحيط لا رأي لها في سيادة بلادها ، بل صارت كالقصعة تقوم الدول الكبرى في تقسيم ثرواتها وأراضيها ، ووجد الفقه الإسلامي توقف عن العطاء ، بل وأصبحت الأمة متخلفة عن اللحظة ، وعن الرسالة .

جاء الرجل في هذه اللحظة المأزومة ، وقد تشبع الرجل بالفكر العالمي قراءة ودراسة ، وقرأ الفكر الرأسمالي والاشتراكية ، كما قرأ الآداب العالمية ، وكل ذلك تشهد كتاباته الرصينة ، ورأى أن العالم ما بعد الحربين العالميين يعيش في أزمة أخلاقية وقيمية ، فاختار الإسلام كمنظومة حضارية ، وانحاز للإسلام كعقيدة دينية ، ومذهبية سياسية ، ومن هنا بدأ يقرأ القرآن بروح جديدة ، وليس بروح انهزامية ، وتحول الرجل من إنسان يكتب في الأدب والنقد إلى إنسان جديد يكتب في الفكر والحضارة ، ويناقش في التغيير وصناعة الحضارة ، ويكتب في التربية والإعداد ، وليس في الدعوة والوعظ فقط .

سيد قطب شخصية عظيمة ؛ لأنه ينطلق من فكر عظيم ، وهو الفكر الإسلامي ، ويحمل في ذاته مشروعا عظيما ، وهو تحرير إرادة الإنسان من قيد الإنسان ، ويقدم للأمة منهجا عظيما ، وهو الإسلام الحضاري ، وقد رفض يوما ما أن يقال : نحو مجتمع إسلامي متحضر ، فقال : الإسلام هو الحضارة ، وقد اختلف في هذا مع المفكر الجزائر الكبير مالك بن نبي – رحمه الله – في هذه المسألة الدقيقة .

سيد قطب – رحمه الله – يعتبر من القلائل الذين نجحوا في تحويل الفكر الإسلامي من مربع الدفاع إلى مربع الهجوم ، ومن لحظة الانهزام ( لحظة الشعور بالانهزام الفكري ) إلى لحظة الشعور بالاستعلاء الفكري والحضاري ، فكتب كتابه الهام ( الإسلام ومشكلات الحضارة ) ، وكتابه الآخر ( نحو مجتمع إسلامي ) ، وبهذا حقق الرجل هذه النقلة النوعية في حياة الطليعة من الدعاة والمفكرين .

سيد قطب – رحمه الله – يعتبر رجل الوضوح في تصوير الأفكار ، وفي تحليل القضايا ، وفي تأصيل المشاريع ، وفي وضع الأمور في نصابها ، فهو ليس رجلا يتلون مع كل لحظة ، فهو ليس ليبراليا مسلما ، ولا اشتراكيا مسلما ، هو فقط مسلم ، ومن هنا تجد في كتبه هذا الوضوح الفكري والمنهجي .

سيد قطب – رحمه الله – ليس رجلا مهتما بالفروع ، فهو يناقش القضايا الكبرى ؛ لأنه كبير ، ويواجه القامات في الكون ؛ لأنه قامة كبرى ، فكتب كتابه ( هذا الدين ) في لحظة انهزام فكري لذي النخبة المتعلمة والمثقفة ، ووضعها أمام المسؤولية التاريخية ، وناقش الفكر الوضعي بأدلة قرآنية ، وبينات فلسفية عميقة مما جعل الكثير من العقول في هذه المرحلة تعيد حساباتها مع الضمير والتاريخ .

سيد قطب – رحمه الله – كتب كتابه ( المستقبل لهذا الدين ) في لحظة الصدام المفتعل ما بين المنظومة الشيوعية ، والمنظومة الرأسمالية ، وكلاهما من مصدر مادي واحد ، ومن بيئة فكرية واحدة ، ومن جذر فكري واحد ، ولكن الرجل ذكر بأن المعركة ليست بين المنهجين الوضعيين ، وإنما المعركة تكون شديدة بين المنهج السماوي ، والمنهج الوضعي ، ومن هنا تنبأ الرجل بسقوط الشيوعية ، وكذلك الرأسمالية ، ولكن الخطورة تكمن فيمن يتأهل لوراثتهما ، ومن هنا كتب الرجل كتابه الذكي ( المستقبل لهذا الدين ) ، وفي – ظني – أن الأستاذ علي عزت بيجوفيتش المفكر البوسني والسياسي استلهم كتابه هذا ليكتب فيما بعد سفره الضخم ( الإسلام بين الشرق والغرب ) .

سيد قطب – رحمه الله – كتب كتبا عدة وهو حر من كل قيد ، وكتب كتبا عدة وهو مقيد في السجون ، فقد كان عظيما في كل محطات حياته ، وجادا في قراءته ، وفي كتاباته ، ولهذا تجد الرجل ناجحا في إيصال الفكرة إلى الناس ، ذلك لأنه كان صادقا مع نفسه ، ومع فكره ، ومع قضيته .

نجح في الثبات علي الفكرة ، ولم يتغير كما فعل الكثير من أبناء جيله ، ومن جاء من بعده ، فقد رفض أن يساوم في فكره ، وهو القائل : إن هذه الأصبع التي تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله في اليوم خمس مرات ترفض أن تكتب حرفا واحدا لطاغية تطلب منه الاعتذار عن العمل مع الله .

إن هذا الثبات تحول في طريق الدعاة إلى مشروع متكامل ، وهو القائل : إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع ، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح ، وكتب لها الحياة ، وكم كان الرجل عظيما في مواقفه التاريخية التي تكررت منه أكثر من مرة ، فقد جاء إليه مرة رجال السلطة يطلبون من كتابة تقرير فيه طلبا للرحمة فقال : لماذا أسترحم ؟ إن كنت سجنت بحق ، فأنا أرضي بحكم الحق ، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أسترحم الباطل .

إن الأفكار تعيش حين يموت لها رجالها ، وتموت حين يجبن رجالها في المواقف ، إنها المعادلة التاريخية التي تنسي في لحظات الهزائم ، لقد بين سيد قطب قوة شخصيته في طرحه للأفكار الكبرى ، وفي مواقفه الثابتة التي لا تتلون ، وفي ثباته المبهر أمام طغيان العسكر ، ومن هنا فهمنا قوة الكلمة حين تنطلق من رجل يؤمن بها ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) ، فلا عقيدة حية بلا رجال يؤمنون بها ، وإلا فإنها تتحول إلى فلسفة باردة لا فاعلية لها في التاريخ.

لقد أثر هذا الرجل الجيل الحاضر بقوة ، وصنع الصحوة المعاصرة مع آخرين حملوا الهم ذاته ، وأظنه كان أكثرهم تأثيرا ، ولاحظت في قراءتي لفكر الرجل بأنه يتميز عن غيره بالصدق والجدية في الطرح ، فهو كما قال العلامة يوسف القرضاوي عنه : مسلم عظيم ، ومجتهد عظيم ، ومفكر عظيم ، ومجاهد عظيم ، وهي أوصاف أربعة ، وقد رأيت أن أضيف إليها وصفين اثنين وهما ، فهو عندي فيلسوف عظيم ، ومرب قدير ، وتلاحظ هذه العظمة في قراءتك لتفسيره الفذ ( في ظلال القرآن ) ، فهو كتاب لم يكتب مثله في القرون الأخيرة في شرح الكتاب العزيز .

لقد قرأت كتاب التفسير لسعيد حوّي ( الأساس في التفسير ) ، وقرأت كذلك التفسير الرائع لمحمد بن عاشور ( التحرير والتنوير ) ، وقرأت أيضا التفسير المبهر لمحمد متولي الشعراي ( خواطر في القرآن ) ، كما رأيت شيئا من التفسير التوحيدي لحسن الترابي ، ورأيت أجزاء من التفسير الموضوعي للأستاذ محمد الغزالي متأثرا بشيخه العلامة ، محمد عبد الله دراز ، ولكني أكون صادقا إذ قلت : أشعر بالراحة عندما أقرأ تفسير سيد قطب – رحمه الله – ولم أعلم حتى اليوم هذا الشعور القوي في نفسي تجاه هذا اللون من التفسير .

يحاول سيد قطب – رحمه الله – في قراءته للقرآن أن يتأدب معه ، ولاحظت هذا النوع من القراءة الفريدة في كتابه القيم ( مقومات التصور الإسلامي ) وهو كتاب رائع ، ويحتاج من القارئ أن يستعد نفسيا لقراءته ، وتكتمل قراءته مع قراءة كتاب ( خصائص التصور الإسلامي ) ، ولأجل هذا لم يستطع أن يفهم سيد قطب في مناسبة ذكر قوله تعالى : حافظوا علي الصلوات والصلاة الوسطي وقوموا لله قَانِتِين ) في وسط آيات تتناول أحكام الأسرة في سورة البقرة ، فلم يعرف الحكمة منها ، وتوقف إزاءها الشهور المتتالية لا يتقدم إلى الأمام ليقول رأيه في هذا الأمر ، إنه الأدب مع الكتاب العزيز .

لقد كان الرجل عظيما بكل المقاييس ، ولهذا اختلف عليه الناس كثيرا ، فمنهم المحب بلا حدود ، ومنهم المبغض بلا حدود ، ولكننا نحن نقدر عظمته تقديرا علميا ، فلا نقدس أفكاره ، وإنما نراه رجلا خدم أمته بقدر ما أوتي من فكر وفهم وشجاعة ، فأصاب كثيرا ، وأخطأ أحيانا ، وله في كل الأحوال الأجر والمثوبة من رب غفور رحيم ، ومن خالق وهاب عظيم .

إن الرجل ترك من وراءه ثروة ضخمة ، وهي بحاجة إلى جهد جبار في قراءتها وفهمها ، ولكن من العيب أن نترك أفكار الرجل ؛ لأن البعض كتب عنها ، أو لأن بعض المدارس لا تحبذ فكر الرجل ، فقد انتهي زمن التجهيل ، فنحن نعيش في لحظات الانفجار المعرفي ، فلا يجب أن نخاف من الأفكار ، بل يجب أن نقرأ الأفكار بعيوننا ، لا بعيون غيرنا ، وأنا أزعم بأن اللحظة الجديدة في الصراع الحضاري يؤكد في بعض جوانبه صوابية أفكار سيد قطب .

لقد تعلمت من الرجل أن أحب الحياة ، وأن اعمل في الحياة حتى الرمق الأخير ، فقد قال في كلمة جميلة : ( عندما نعيش لذواتنا فحسب ، تبدو الحياة قصيرة ضئيلة ، تبدأ من حيث بدأنا نعي ، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود ، أما عندما نعيش لغيرنا ، أي عندما نعيش لفكرة ، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة ، تبدأ حيث بدأت الإنسانية ، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض ) إنه يعلمنا معني عميقا لا وجود له في حسابات الربح والخسارة ، عند مالكي الملايين الذين لا ينامون في حياتهم كلها ساعة واحدة بلا قلق .

لقد تعلمت من الرجل درسا عميقا في التربية ، في معرفة النفس الإنسانية ، وفي التعامل الذكي مع رجال الدعوة والتغيير ، فقد قرر في هذه المسألة قاعدة ذهبية شافية : ( قليل هم الذين يحملون المبادئ ، وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من أجل تبليغ هذه المبادئ ، وقليل من هذه الصفوة الذين يقدمون أرواحهم ودماؤهم من أجل نصرة هذه المبادئ والقيم ، فهم قليل من قليل من قليل ) ، هل وعت الأمة هذا الدرس القاسي مما يجري اليوم في أرض العروبة والإسلام من الثورة ، والثورة المضادة ؟ وهل وعت التجربة المؤمنة في حركات التغيير هذه الهرولة نحو الطغاة باسم المصلحة الحركية والسياسية ؟

لقد تعلمت من الرجل درسا في السياسة كبيرا ، لماذا يتكبر الطاغية على الشعوب ؟ أين العلة ؟ هل هي في الحكام ؟ أم العلة في الشعوب ؟ يقول سيد : ( ما الطاغية إلا فرد لا يملك قوة في الحقيقة ، ولا سلطانا ، وإنما هي همة الجماهير الغافلة الذلول ، تمطي لها ظهرها فيركب ، وتمد لها أعناقها فيجر ، وتحني لها رؤوسها فيستعلي ، وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغي ) ، إنه درس بليغ ، من رجل ملك البيان ، ولكن المصيبة ليست عندي في الشعوب فقط ، وإنما هي بعض النخب الذين يحسنون للناس الباطل ، ويكتمون ما أنزل الله من البينات .

لقد تعلمت من الرجل أن لا أخاف من التحديات ، ولا من الموت ، فقال الرجل متحدثا عن ذلك : ( لو كان الموت يصنع شيئا لوقف مد الحياة ، ولكنه قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوي الحياة الزاخرة الظافرة الغامرة ! من قوة الله الحي تنبثق الحياة وتنداح ) ، هكذا صور الرجل الأديب بقلمه الدفاق الحياة والموت ، يا له من أديب رائع ، ظلمه الإعلام العربي الرسمي الذي جعله مصدر الإرهاب ، إنها الوقاحة بعينها ، هل هذا الرجل ، وبهذا الفكر الحي ، وبهذا النوع من القلم الراقي يشيع في الأمة لغة الإرهاب ؟ أليس القائل في حق الناس : ( عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس ، نجد أن هناك خيرا كثيرا قد لا تراه العيون أول وهلة ؟ ) ، رفض الرجل أن يقتل الناس باسم الدين ، ولكنه أيضا رفض أن يصبح الدين المحمدي كنيسة في الزمان والمكان ؟
علمني سيد قطب أن لا أقرأ الكتاب العزيز كثقافة ، وأن لا اقرأ كذلك لأجل البركة وطلب الأجر فقط ، وإنما ( القرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من مكابدة الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقية ) ، إننا اليوم نقرأ القرآن ، وتذاع قراءته في كل وسائل الإعلام ، ولكن ثمة مشكلة في الأفق ، أين أثر القرآن في حياة الأمة ؟

لقد غاب عنصر هام في فهم القرآن ، وهو العنصر ( الفهم الحركي للقرآن ) ، القرآن ليس كتابا ساكنا ، بل هو كتاب جاء لتوجيه الحياة ، ومن شأن الحياة التغير وعدم الثبات ، فلا مكان لفهم ساكن لكتاب الله ، فلا بد من فهم متحرك في المكان والزمان ، وفي الجغرافيا والتاريخ ، وفي الحضارة والثقافة ، ومن خلال هذا التفاعل مع القرآن ننشئ ثقافة قرآنية جديدة .

رحم الله الرجل الذي كتب ، وناضل ، وكافح ، وأصاب ، وأخطأ ، ورحم الله ذلك الزمان الذي أنتج للأمة مثل هذه العمالقة من المفكرين ، ورحم الله ذلك البلد ( مصر ) والذي قدر له ولادة العمالقة .

%d مدونون معجبون بهذه: