السِّلم في المجتمع الصوماليّ [1]

يُعتبر السِّلم في المجتمع الصوماليّ من الألغاز المحيرة محليّا ودوليّا ، ومن أكثر القضايا المُعقّدة التي تستدعي التعامل معها – من الفرد العاديّ وممن لمع اسمه في الهرم السياسي – بمنتهى الحرص والانتباه، ولأن بُنود نقاش السّلم والأمن الصوماليّ تضغط على السّاسة الصوماليّين خصوصاً والساسة الإفريقيين والدّوليّين عموما بأن يضعوا ملف الأمن الصوماليّ في جدولهم الزّمنيّ.

 ومن أبرز الأولويات في قائمة القضايا ذات الشأن العام للقارة السوداء لمدى تأثيراتها على السِلم الإقليمي والدوليّ ، وعلى قُدرة معالجة أزمة الأمن في الصومال عُقدت هنا وهناك مفاوضات سِلميّة لمُناشدة ومُغازلة حمام السلام في الصومال، وبُذلت الجهود وسُخّرت الطاقات الإفريقية والإمكانيات العالميّة وعقول المواطنين الصوماليين لجلب سفينة السّلام إلى شاطئ الصومال ، واقتضت الحاجة أحيانا الاستعانة بقوات حفظ السلام لتوفير سُبل الأمن والسِّلم وتحريك عجلة السّلام نحو الأمام .

ولأول مرّة أحاول أن أسطّر في هذا المقال كلمات عن السِّلم والسَّلام وأريد أن اكتشف التحديّات المهدِّدة الموضوعة أمام السِلم والأمن في الصومال، والتي عبثت بأمن المجتمع الصُوماليّ، وكان لها يد بيضاء في زرع الكراهية والبغضاء في المجتمع الصوماليّ ، مع أن المقال يبحث مُمهدات السِّلم ومُقومات السّلام في المجتمع الصُوماليّ لتثبيت وترسيخ الأمن والاستقرار من جديد وبأساس رصين ، ويتساءل المقال أسئلة عدّة نغازل فيها حمام السلام ، ونحاول من خلال عرض هذا المقالات الفذّة من نوعها والوحيدة في إبداعها أن نرفع الوعي السِّلميّ ومفهوم الأمن الايجابيّ لدي أفراد المجتمع الصوماليّ في البدو والحضر .

ومن هذا المبدأ فإن الاستقرار في القبائل البدوية مرتبط ارتباطا كاملا بالأمن في المدن الرئيسية ؛ حيث لا استقرار بدون أمن – فاستقرار المجتمع المدنيّ يعتمد على استقرار المجتمع البدوي واستقرار الدولة يعتمد على أمنها واستقرار مجتمعاتها البدوية والمجتمع المدني ، وأدنى مستوى للاستقرار هو استقرار الفرد ذاته ، فالفرد مثلاً يسعى إلى أن يكون مستقرا في بيته ، حيث إن أي تأثيرات في استقراره قد تؤثّر عليه وعلى أسرته فقد قال صلى الله عليه وسلم (من بات آمناً في سِربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) ، فالإنسان – في نظر الإسلام – هو جوهر العملية الأمنية ، وهو محور الأمن الداخلي والخارجي ؛ لأنَّه مناط التكليف في هذه الحياة الدنيا دون غيره من سائر المخلوقات.

وهنا يمكن لنا أن نعطي تعريفاً للأمن في مفهوم الإسلام فنقول بأنَّه يعني : السلامة الحِسِّيَّة والمعنوية ، والطمأنينة الداخلية والخارجية ، وكفالة الحياة السعيدة للفرد والمجتمع والدولة. فهذا التعريف كما هو ملاحظ يركز على الفرد؛ لأنَّه اللبنة الأساسية والخليَّة الأولى ، والذي يتكون منه المجتمع ومن ثَمَّ الدولة بمفهومها الواسع. وهو طيف لم يتحقق في أمنيات الصوماليين ، وهو سراب تظاهر فقط للمفاوضين من زُعمائنا القبليّين وسلاطيننا التقليديّين وحكامنا الفدراليين وغيرهم ..فكيف يجده الفرد العادي السعادة في الأمن وكيف يستريح المواطن ما لم يجده كبار السّاسة ، وكيف يذوق الإنسان الصومالي البسيط حلاوة السلام ، فاذكر أنه لما زار رئيس البرلمان الصوماليّ ( السيد جَواري)- مدينة طُوسَمَريب عاصمة إقليم غغذود وهي حاليا مركز لولاية وسط الصومال بقيادة فضيلة الشيخ محمد شاكر على حسن ، قال بحرف واحد بعد أن تجول في طرقها ليلا واستمتع بالأمن المتوفر في هذه المدينة قال : “هذه الليلة هي أول ليلة أرى السّماء نقية ويمكن لي أن أعدّ في هذه الليلة نجوم السّماء ” وكان السيد وغيره من أعضاء الحكومة يعيشون ويبيتون تحت فنادق مقديشو ولم يسعف الأمن أن يخرجوا إلى شوارعها ويتقاسموا مع الشعب الأفراح وينظروا السماء ونجومها المزيّنة لأنهم يقبعون تحت حراسة مشددة خائفين من القذائف والصواريخ القادمة من حركة الشباب

يمكن أن نعرّف الأمن :

أولاً: سلامة الفرد والمجتمع والدولة حِسِّياً ومعنوياً.

ثانياً: الطمأنينة وعدم الخوف أو الفزع والهلع.

ثالثاً: أنَّ التعريف يتناول الأمن الداخلي للفرد والمجتمع والدولة ، وكذا الأمن الخارجي.

رابعاً: أنَّ الأمن يكفل الحياة السعيدة – بإذن الله تعالى – للفرد والمجتمع المسلم في هذه الحياة الدنيا، لأنَّه يوفِّر البيئة الصالحة والظروف الملائمة لعبادة الله تعالى وتوحيده ، والإيمان به، والتعاون الفاعل المثمر البناء في مختلف المجالات والميادين.

خامساً: أنَّ المسلم حينما يأمن في هذه الحياة الدنيا ويقوم بعبادة ربه تبارك وتعالى ويوحده، فإنَّه ولا شك سيفوز بمرضاته ودار كرامته في الحياة الآخرة، وذلك تحقيقاً لوعده تعالى حينما قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وقوله سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

سادساً: أنَّ التعريف يتناول ويشمل عِدَّة أنواع للأمن كالأمن العقدي ، والدعوي ، والفكري ، والعقلي ، والعلمي ، والاقتصادي ، والبيئي ، والزراعي ، والعسكري ، والسياسي ، وغيرها .

مفهوم الأمن الفكري :

تتنوع معاني الأمن التي يحتاجها المجتمع ، فهناك الأمن النفسي والاستقرار الأسري، وهناك ما يسمى بالأمن الغذائي وأمن الصحة الوقائي وكذلك الأمن البيئي ، والزراعي مما يوفر حياة سليمة من أمراض العدوى ، وعلى صعيد أخر هناك الأمن العقدي ، والدعوي، والفكري ، والعقلي ، والعلمي ، والاقتصادي وكذلك الأمن العسكري ، والسياسي. فالحاجة إلى الأمن بكافة صوره وأشكاله من أهم الحاجات الفطرية التي لا يمكن أن يكون سلوك الإنسان سوياً بدونها، وكما أنه لا حياة للبدن إلاّ بإشباع حاجاته الفطرية، كذلك لا حياة ولا سرور ولا قرار ولا استقرار للقلب والنفس والروح إلاّ بهذا الأمن. بيد أن هذا الأمن نعمة وعد الله تعالى بها عباده الذين يعبدونه ويوحدونه ويذبون عن دينه ويحمون حماه.

مقومات السّلام في المجتمع :

  • اجتماع الكلمة والحذر من التفرق قال تعالى :” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ” ، وقال تعالى ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم “

أسباب تزعزع الأمن والسلام في المجتمع:

  • إذا كان لتحقيق الأمن أسباب ، فإن لزواله أسباباً أيضا ، ينبغي الحذر والبعد عنها .
  • فمن الأسباب التي تفسد الأمن في المجتمع، وتحرض على الفتنة وشق عصا المسلمين ، وتوغر الصدور على علماء أهل السنة والجماعة : تلك الكتب الفكرية الحركية الوهابية التي تدعو إلى التكفير والتفجير فهي أصل البلية ، وهي ينابيع الشر والتكفير والعنف والفرقة .
  • وعدم رد الأمور المتنازع فيها إلى الثوابت الدينية المتفق عليها . حفظ الله شباب المسلمين من كل سوء.

صيانة الأمن الفكري:

مع أن التشخيص لأسباب الإخلال بالأمن الفكري كان ميسوراً لوضوحه إلا أن وصف العلاج أشد صعوبة في هذه الظروف التي وصل فيها الخلل إلى درجة الاختراق الفكري ، ومع ذلك فإن وسائل حماية الأمن الفكري منها ما هو وقائي ـ وهو الأنفع ومنها ما هو علاجي وهو ضروري ، ذلك أن العيش في مجتمع مزدحم يختلط أفراده، وفيهم الصحيح والسقيم مظنة لانتشار بعض الأمراض فيه بفعل العدوى؛ فإما أن ننتظر حتى تظهر الأعراض على البعض فنبادر بعلاجهم ، وإما أن نسعى إلى الوقاية بأخذ الجميع جرعة من اللقاح الواقي من المرض بإذن الله ، واللقاح الفكري أولى وأكبر تأثيراً . وهو ما شرحناه في صيدلية التصوف … وهي سلسلة مقالات تعالج قضايا الفكر وينشر حاليا عبر هذه الشبكة .

أولا : من الوسائل الوقائية لحماية الأمن الفكري :

(1) إظهار وسطية الإسلام واعتداله وتوازنه : وترسيخ الانتماء لدى الشباب لهذا الدين الوسط وإشعارهم بالاعتزاز بهذه الوسطية ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاَ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) ، وهذا يعني الثبات على المنهج الحق الذي ورثناه عن أجداد الأوائل من أمثال الشيخ محي الدين معلم مكرم والشيخ عبد الرحمن صوفي والشيخ حسين عطا والشيخ عبد الرحمن الزيلعي وغيرهم؛ ممن لا حصر لهم ، وعدم التحول عنه يُمنة أو يُسرة ، وعدم نصرة طرف الإفراط أو طرف الجفاء والتفريط في صراعهما المستمر.

(2) معرفة الأفكار المنحرفة وتحصين الشباب ضدها: فلا بد من تعريفهم بهذه الأفكار وأخطائها قبل وصولها إليهم منمقة مزخرفة فيتأثرون بها ؛ لأن الفكر الهدام ينتقل بسرعة كبيرة جداًّ ولا مجال لحجبه عن الناس .

والغالب أن القلب والفكر محل لمن سبق إليه ، ومن هنا فأهمية السبق بالبيان كبيرة في الوقاية من الفكر المنحرف بإذن الله ، ومثال ذلك أفكار أهل التكفير التي قادت إلى التفجير لو تم مناقشتها بوضوح في بداياتها لما راجت على كثير من الشباب الذين تأثروا بها فيما بعد.

(3) إتاحة الفرصة الكاملة للحوار الحر الرشيد داخل المجتمع الواحد : وتقويم الاعوجاج الفكري بالحجة والإقناع

(4) الاهتمام بالتربية : في المدارس، و إحياء الدور الايجابي لحلقات العلم في المساجد .

ثانياً : من الوسائل العلاجية لحماية الأمن الفكري :

  • الواقع العملي أن البعض قد وقعوا في هذا المرض (الانحراف الفكري) ولم تجد محاولة الوقاية شيئاً في دفعه عنهم ، ومن هنا وجب على المجتمع السعي في علاجهم قبل فوات الأوان ومن وسائل العلاج:

(1) دعوة كبار القوم المخطئين من دعاة الفكر التكفيريّ في الصومال إلى الرجوع عن خطئهم وتمثيلهم أمام الملأ وأمام الكاميرا وأمام مجموعة من العلماء المعتدلين ليتضح الحق للسفهاء الذين حسبوا هذا المنهج حقا وليهلك من هلك عن بينة .

(2) تجنب الأساليب غير المجدية : فالمصاب بهذا المرض لا يعالج بالتركيز على الوعظ والتخويف من عقاب الله؛ فهذا الأسلوب في الغالب لا يجدي معهم؛ لأن أمثال هؤلاء يرون أنهم على صواب ودين فكيف تعظ إنساناً يظن أنه على الدين الحق قبل أن تبين له خطأه الفكري فيما يراه حقاًّ ، ولا يعالج المصاب بهذا المرض بالتركيز على التهديد والوعيد.

(3) وجوب الأخذ على أيديهم : ومنعهم من الإخلال بالأمن الفكري للمجتمع ولو أدى ذلك إلى إجبارهم على عدم مخالطة الآخرين لاتقاء شرهم ، وهو ما لم يحدث عندنا ، فنسمع أحيانا أن الحكومة الصومالية توظف المنسحبين عن حركة الشباب وتقلّدهم مناصب عليا في الأمن القوميّ مثلا ، حتى صار نصف من ينتمي إلى هذه الحكومة الفكر التكفيريّ .

(4) تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة للجهاد في سبيل الله .

%d مدونون معجبون بهذه: