صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [11]

صيد ثمين :

وفي إحدى الليالي ظفر (بشير) بصيده الثمين، إذ وجد ( المعلم عبد الله) و(جامع أحمد نور) وهما واقفان في زاوية مظلمة بجنب دكان ( جامع أحمد نور) فسلّ سيفه من غمده فواراه بين أحشاء ( المعلم عبد الله) وطعنه كذلك عدة طعنات متلاحقة، من ضمنها ضربة قويّة على اليد التي أطالت وتعدت على (بُقُل صَوم).

هرولة إلى الشرطة:

وأما (جامع) فولى هاربا إلى مقر الشرطة، فتوسط في مجلسهم مذعورا، وأخرج نفسه مزفرا. فلما سئل الذي روّعه، صاح – مرتعشا- : ألحقوا الرجل، وأنقذوا حياته فقد قتله (بريكاري)! أتدري من هو (بريكاري)؟ إنه رجل مجنون مشهور في البلد.

لم يتأكد (جامع) ضارب صاحبه لما أصابه من الهلع المفاجئ، والخوف الخالع، فالتبس عليه الأمر فظن أنه (بريكاري) المجنون. هرعت الشرطة إلى مكان الحادث، فوجدت (المعلم) يسبح في حوض من الدم فأسعفوه.

اختفاء بشير:

 أما (بشير) فلما قضى مهمته، وأروى غليله، دلف إلى اتجاه مقر الشرطة تعمية لها، فاختفى بضعة أيام في بيت يقع في منطقة لا يتبادر إلى الذهن أنه توارى فيه. فلما تبين له أن الوضع قد هدأ، وأن القضية كادت أن تكون خبر كان، خرج عن مغارته، وركب حافة قاصدا إلى العاصمة (مقديشو). وقد روى لي خبره عندما التقيته قدرا في (سِينَاء مَقديشو).

وهكذا شلت اليد التي أطالت بالأذى على الداعية (بقل صوم)، ودبرت ضربه في يوم مشهود.

لقد حدثني الأخ الفاضل (دران طير( الطويل السليماني): أنه رأى نفس اليد (المعلم عبد الله) المذكورة آنفا وقد أصابتها طلقة من الرصاص، فازدادت شللا إلى شللها. وصدق الله تعالى إذ قال: في الحديث القدسي:-

من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب”.([1])

 وقد يعجل العقوبة ويقتص من الظالم في هذه الحياة، وقد يؤخرها إلى يوم القيامة. ولكن الذي لا شك فيه أنه تعالى يعدل بين الخصماء، ويحكم بين الفرق إذ صح عن النبي صلى الله وسلم أنه قال: “ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين “([2])

طلبه العلم :

لقد كان الشاب الداعية ( بقل صوم) كبير الهمة في الطلب، وكان جادا لا يعرف الدعة أو الراحة الزائدة، كان ليله سهرا بين صفحات الكتب، والتقلب بين الركوع والسجود، وكانت سحابة نهاره دعوة إلى الله تعالى، وطلب العلم الشرعي. في زقازق الشوارع يقابلك وهو يعدو إلى هنا وهناك، مطاردا الحكمة، ومكاثرا مثافنة العلماء.

درس زمنا يسيرا في مدرسة(الشيخ صوفي) النظامية، لكنه أعرض عنها، لأنها لم تشبع نهمته، لأن محصولها العلمي كان ضئيلا مع ما يضيع فيها من نفائس الأوقات، إضافة إلى فيها من الفسق والفجور والاختلاط الذي لا تستطيع أن تصبر عليه نفسٌ أبية مثل (بقل صوم)

أغضبت مقاطعته المدرسة أخواله الذين كان يسكن معهم إلا أنه لم يعبأ به، فبدأ مثافنة العلماء بتلهف، وملاقاة الفقهاء بسغب، ومطالعة المؤلفات بصبر منقطع النظير حتى تحصّل من العلم ما فاق به أقرانه، وعندما سئل الشيخ المفسر (عمر فاروق) رحمه الله تعالى عنه قال: “هو أعجوبة الزمان وأوعية العلم، لا ندري من أين تحصل هذا العلم”

وقد شارك معي بعدة شيوخ منهم:

  • الشيخ محمد معلم([3])
  • الشيخ محمد نورقوي([4])
  • الشيخ إبراهيم سولي([5])
  • الشيخ محمد أو يوسف([6])

…………………………………………………..

  • الهوامش :

[1] – أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة.

[2] – أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وصححه الشيخ ناصر في السلسلة.

[3] – الشيخ محمد بن معلم بن حسن رحمه الله تعالى: (1934-2000/) العلامة المفسر، الفقيه، النحوي، المتكلم، واجه الشيوعية والاشتراكية بكل ثبات، وأحيا الحس الديني في الصومال، لذلك أوذي في الله، وسجن في (لباتن جرو) أكثر من تسعة أعوام.

[4] – هو الشيخ محمد نورقوي بن عثمان، العلامة السلفي، دخل في الصومال من ضمن البعثة الأزهرية، ثم التزم ونفض الغبار عن علمه، وكان يقول: (كنت كنزا مدفونا)، فربى الفتية وعلمهم، وكان مسجده (مسجد الرياض) في منطقة (بلاج عرب) يعج بالمصلين، لا يوجد فيه موطأ للقدم، لكثرة الحاضرين، خاصة يوم الجمعة.

[5] – هو الشيخ: إبراهيم علي محمد الملقب بـ (سولي) ولد في عام 1929- 2009م. وهو أول من أحيا علم الحديث في الصومال، خاصة العاصمة (مقديشو).

[6] – هو الشيخ: محمد أو يوسف بن محمد، توفي في عام 2011م ، المفسر، الزاهد، السلفي.

%d مدونون معجبون بهذه: