خواطر دعوية [11] التزكية في دهاليز الحركات

قال : درست العلم الشرعي لدى أحد مشايخي الفضلاء ، وقد كتب لي تزكية لأكون عضوا في حركة إسلامية ، وبعد فترة من الوقت حصل بيني وبينه خلاف في مسألة لا علاقة لها بالشرع والدين ، بل في الرأي والنظر الذي تختلف فيه أنظار الناس ، ولا يوجد هناك مبرر شرعي أو عقلي يوجب القبول بها بلا تردد ، ولكن الأستاذ الفاضل استشاط غضبا وأصدر أوامره إلى الجماعة بمنعي من مزاولة التدريس والتعليم ، مع إعلانه سحب التزكية التي منحها إياي من قبل واعتبارها لاغية وغير صالحة للاستعمال.

. وقال آخر : الأخ (… ) طالب علم ، وله جهود في الدعوة ، ولكن لا نستطيع التعامل معه؛ لأنه لا يحمل تزكية من مشايخنا ، وأن التعليمات تنصّ عَلى عدم التعاون إلا من زُكيَّ ورُشح من قبلهم .

وقال آخر : لا يمكن أن نسمح لك بإلقاء كلمة أو موعظة في المسجد ؛ لأن ذلك بمثابة تزكية مجانية من قبلنا ، وهذا ما لا نريده لك؛ وقال : الشيخ فلان عالم جليل ، ولكنه متساهل في التزكية، ويمنح التزكية لكل من لاحت منه أمارات العلم ، ولذا لا نستطيع قبول تزكيته، فابحث عن شيخ آخر نثق به أكثر ، لكي نسمح لك المشارك في أنشطتنا الدعوية .

 قلت : من غرائب هذا الزمان وعجائبه بأن الحركات أو بالأحرى بعض منظري الجماعات الإسلامية يضعون شروطا ما أنزل الله بها من سلطان أمام كل طالب علم يتطلع إلى المشاركة والإسهام في تنمية وتطوير مسيرة الدعوة ، لأجل الحيلولة بينه وبين الجمهور ، والذنب الوحيد الذي ارتكبه هو عدم قبوله بالرأي المجرد الذي تتبناه الحركة أو الجماعة، والذي لا يستند إلى منقول ولا معقول ، ويراد منه بأن يكون مجرد آلة تتحكم فيها الحركة، مع إعلانها بأن منهجها هو طبق الكتاب والسنة، وهذا المنهج الرباني لا يشترط إلا البصيرة والعلم مع الخلق السوي ولين الجانب ومعرفة أحوال الناس، ولأجل هذه التصرفات المخالفة للشرع والدين أصبحت مزاولة الدعوة صعبة المنال ، ومرتقى صعبا لكثير من طلبة العلم الفضلاء، ولذا فتحت أبوابها لمن ليس لها أهلا؛ لأنه حظي بتزكية حركيّة من جماعته ، وأغلقت الأبواب دونها لمن لها أهلا ، لأنه فشل في استخراج الرقم السري الذي يؤهله للعبور، حتى ظنّ كثير من الناس بأن التزكية هي الشرط الأول والأساسي لمزاولة ومشاركة الأنشطة الدعوية، مما جعل كثير من الناس يسيؤون الظن بمن يتصدرون المشهد بلا حياء ووجل؛ لأنهم استطاعوا الوصول إلى منابر الدعوة بسبب التزكيات التي تمنحها الحركات لأبنائها من غير اعتبار ولا اكتراث للخلق السوي.

 وقد سئل الشيخ العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد ا حفظه الله تعالى ، من علماء المدينة النبوية والمدرس في مسجد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم هذا السؤال : هل يشترط لمن أراد أن يدعو إلى الله تبارك وتعالى أن تكون معه تزكية من قبل أهل العلم ؟ . فأجاب الشيخ قائلا : ما ينبغي للإنسان أنه يقدم على الكلام، وكلام الناس إلا أن يكون ذا علم، ولا يلزم أن تكون معه تزكية … لا يلزم أن تكون معه تزكية، ولكن إذا كان مجهولا أمره، وأنه – يعني – الناس غير مرتاحين إليه وأرادوا أن يتعرفوا، وهو مجهول عندهم، وأرادوا أن يعرفوه عن طريق بعض الناس المعروفين الذين أتى (بشيء) يبين أنه أهل وأنه يُستفاد منه هذا قد .. يعني يكون هناك يعني … وإلا إذا كان الإنسان عنده قدرة، وعنده تمكُّن، ولا يكون عنده محذور، يجوز وإن لم يكن معه تزكية. وكل من كان عنده شيء من العلم يأتي به، والرسول قال ( بلغوا عني ولو آية ). نعم . يقول في تتمة سؤاله: وإذا لم يشترط أن يكون معه تزكية، كيف نعرف هل الداعية مؤهل للدعوة خاصة إذا لم يدرس على أيدي العلماء ؟ . إذا كان الإنسان مجهول يُتوقف في أمره، وإذا كان معلوما؛ أنه معروف بفائدته، سواءٌ كان عُرف أنه درس وعنده دراسات وعنده مؤهلات، وقد يكون الإنسان يحصل هذا بالاعتياد والدراسات الخاصة، ليس بلازم أن يكون الإنسان عنده شهادة يعني متخرج من كلية، أو أنه ملازم شيخ مدد طويلة، من كان عنده شيء من العلم ومتمكن فيه، ولو كان فائدة أخذها من عالم فإنه يبلغها لغيره ) انتهى كلام الشيخ [ المنقول من شريط ]

 قلت : ما قاله شيخنا العلامة العباد ، هو عين الصواب والحق الذي لا مناص منه ، وكل من اشترط شرطا لا يتوافق مع مقاصد الدين ومصالحه ، فلا يقبل وإن صُدِّر باسم الدين وحمايته ، ولكن بعض ضعاف النفوس لا ينقصهم الحيل في تفسير أقوال العلماء حسب أهوائهم ومصالحهم الخاصة . وإذا أريد للدعوة بأن تتقدم بسهولة وأريحية يجب إزالة كل العقبات والحواجز المصطنعة التي لم تكن يوما من الأيام في صالح الدعوة ، بل أضرت نصاعتها ووجهها الجميل والمشرق

 اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه .

%d مدونون معجبون بهذه: