الفكر الوهابيّ المُرْمض في المجتمع الصوماليّ [8]

كانت الأجواء مستقرة ، وكانت نفوس العوام مطمئنة ، وكانت قلوبهم مرتبطة بمربيها ، ولم يكن من دأب العلماء ولا من شِيم العوام التشاجُر والتنازعُ في قضايا العقيدة ، ولم تحل كلمة اين الله ونظائرها (من المسائل الساخنة في العقيدة حاليا) حيز وجود في قاموس الصوماليين عواما وعلماء ، وظلّت دواعي فتن مسائل التوحيد والتدابر تتجنب عن مجالس النحارير ، ولم تكن هفوات العلماء تطال علي عمق مسائل معضلة في العقيدة صوناً للقلوب الضعيفة ولم يتعوّد المجتمع ثقافات الصراع العقائديّ كما لم يتعوّد من سماع مسائل من شأنها أن تفتح التشويش في المجتمع وتمدّ حبل التباغض وتفرّح العدوّ الدّاني والقاصي.

  • مسائل من شأنها أن تَفتح كومة من الرصاص الحيّ علي قلوب المستضعفين في العقيدة .
  • مسائل من شأنها أن تُثير القلق الاجتماعي والبلبلة السياسية والفوضي الحالقة والفكر المرمض.
  • مسائل من شأنها أن تُوسّع هُوة الخلافات بين أنصار السنة في الصومال .
  • مسائل لم تَتَداول علي ألسِنتة فُحولنا القدماء ، ولم تَجْرِ بها أقلامهم .
  • فظهر في المطاف أن الذي كان يطْرَبُ بصوْت البُلبُل، بدا ينْفِر من أصوات البُوم والغِرْبان، وطفق ينْبُو عن المنهج المرمض الذي رسم للمجتمع من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه .
  • قبيل انهيار حكومة “سياد بري” اجترأت بضعة من عناصر القوم أن تفتح بابا من الخيال والوهم في قضايا مُعقّدة من التوحيد واحلقوا كثير من شرائح المجتمع الصومالي على سماوات التيه وبِيْد الحيرة .
  • لم نتعهد من عالم صومالي من أتباع الصوفيّة أن يقوم على المتاجرة بالدين ومصاحبة الهيئات الخيرية وجلب مصالحها لصالح جماعته ، ورأينا علم اليقين نتائج تلك الحسرة .
  • لم أهزّ رأسي يوما ولم الُك بلساني عبارات الثناء والإعجاب لهذا الفكر المرمض مهما تلوّن بتلون الغُول ومهما احتلّ قمة الرفعة في الحكم وفي جوانب الاقتصاد والسياسة؛ لأن زَبده يذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .
  • استعلي رُوّاد هذا الفكر المُرمض من فوق منابر المجتمع الصومالي فأمطرت على حضورها وجماهيرها وعظا في وعظ ، وعظ يتباكى ملقيها ليهزّ شعور الجماهير وليكسب وجدان شيعته .
  • تتغير كل يوم شعاراتهم كما تتغير السِلع والبضائع في الأسواق وتتغير طرز الأشياء ، فأمس القريب كنت اسمع اسم الإخوان المسلمين ، واليوم لا ادري أين هؤلاء ، هل رحلوا من ديارنا ونكصوا على أعقابهم – مهدهم ومنطلقهم الأساس – وهو حضانة أرض كنانة ، واليوم تتداول ألسنة الناس أسماء غريبة ، مثل جماعة الدم الجديد ، وجماعة دم القديم ، وهما جناحي حركة الإصلاح ، وأي إصلاح أصلحوه في بلد الفوضى ، أم الاسم هو مجرد NGO فقط أم حسبوا أن إقامة دوارات لكسب الجماهير أنهم بسببها يمثلون الدعاة الإسلاميين ، وهو رمز أضلّ كثيرا من المجتمع الصومالي ، وأين اسم جماعة الاتحاد الإسلامي ، هل صار مجرد نقع أثير ، أم مجرد سراب خلب طمع أرباب الظمأ ، وأين اسم الجماعة الفلانيّة ووو..

وحسبنا أن نقرأ أحداث البلد الصوماليّ لنُدرك ونَستوعب بداية تاريخ هذه الحركات الإسلامية إلى نهاية وخلاصة إنجازاتهم في ميادين السيّاسة والدّعوة وغيرها ، وهذه هي المهمة الفكرية التي تتطلع من خلال قلب صفحات مقالاتي حول الفكر الوهابيّ المُرمض في المجتمع الصوماليّ ويمكنني أن أقول بحق : إن هذه المهمة قد أصبحت أكبر ميزة خاصة لمقالاتي ، وهي تعمل على إبراز الحقائق المدسوسة في الحقل الوهابي في الصومال ، باحثا عن إبرز المواطن في كفاحهم المرير ، ويكون المقال من باب (وشهد شاهد من أهلها) والمقام ليس مقام تهنئة لأهنئ أبناء الصحوة بما أنجزوه على ظهر الأرض من الفوضى الحلّاقة بكل ما تحملالكلمة من معنى لأكون منافقا يُبدي خلاف ما يُكنّ قلبه ووعيه الاجتماعيّ بل المقام هو مقام عزاء وتعزية، ولن أتوانَى عن ذكر الحقيقة وتشخيص الدَّاء ليعرف الشعب المريض نوع مرضه والتاريخ الذي أصيب بهذا الداء؛ لأنه من المعروف في دوائر الاقتصاد أن الاحتكار إذا تحقق لمركز إنتاجي في سوق معينة فإن من المتوقع أن يبدأ المنتج في إفساد السلعة ، بتقليل جودتها اعتيادا على الاحتكار المتاح له وطمعا في ربح أوفر.

طبيعة الطرق الصوفية :

شعارهم هو {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون }

لم تشكل الطرق الصوفية يوما أي تكتل حركيّ سبّب في تفريق كلمة المجتمع الصومال ، ولم يوجّه طاقات الشباب نحو التباغض والتدابر والقطيعة المؤلمة ، والتحزب ، لكن الطرق الصوفية أدلت دلوها في الدّلاء بأساليب حكيمة ومن أجل رعاية مصلحة الأمة والبلاد ، ولم يرو الرواة يوما أنه حدث تفجير أو تكفير أحد من المجتمع الصومالي ، ولم يكن الشعب يوما ضحيا بسبب فتوى أصدره شيخ صوفيّ يعيق أمن المجتمع وتطوره .

من الدروس التي تعلم المجتمع الصومالي من الإسلاميين فن تجزئة الجزء الكبير إلى أجزاء وفن تضعيف حركة المذبوح وفن تفكيك الأسرة الواحدة ، ومن هنا نجد أن موضع الاقتداء بالجيل الأول رعيل الصوفية – أوسع بكثير مما قد يبدو عند الوهلة الأولى ، وأن قضايا كثيرة يلزمنا أن نرجع فيها إلى تلك الفترة ، نتدبرها ببصيرة مفتوحة ، ونستلهم منها طريقنا في الدعوة ، ونتطلع إلى فضل الله أن يلهمنا فيها الصواب.

لا شك أن شعار الطرق الصوفية في الصومال يلوّح ويناشد الألفة واجتماع القلوب ، والتئام الصفوف ، والبعد عن الاختلاف والفرقة ، وكل ما يمزّق الجماعة أو يفرّق الكلمة ، من العداوة الظاهرة ، أو البغضاء الباطنة ، ويؤدّي إلى فساد ذات البين ، مما يُوهن دين الأمة ودنياها جميعا. فلا يوجد دين دعا إلى الأخوة التي تتجسد في الاتحاد والتعاون ، والتضامن ، ويَشهد الواقع صدق هذا الشعار؛ حيث تكاتف المجتمع الصومالي تحت راية الصوفية ، وساد التآلف والتساند ، وصفهم القائل فيهم ، فقال :

هيْنُون ليْنُون أيسَارٌ بنو يَسَرٍ … سُوَّاسُ مَكرُمَةِ أبناءُ أيسَارِ

لا يَنطقُون بغيرِ الحقِّ إن نطقُوا … ولا يُمَاروُنَ إن مارَوُا بإكثَارِ

مَن تَلق مِنهُم تَقُل هذاك سَيِّدهُم … مِثلُ النُّجُومِ التي يُهدَى بها السَّارِ

مذهب الصوفية مبني على التسليم والصدق والتصديق ، مجلسهم مجلس حلم وعلم وسكينة ووقار ، إن تكلم كبيرهم أنصتوا فالأدب الذي ربّيناه صغاراً عند الصوفية كان ركناً عظيماً ، بل هو رُوح التصوف ، وقطب دائرته الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى ؛ لئلا تميل بهم إلى شيء من السِّوى ، وتحرروا من رقّ الطمع ، وتوجهوا بمهمتهم إلى الحق وحده في صفة مشي الصوفية : أنهم يدبّون على أقدامهم دبيب النمل ، متواضعين خاشعين ، ليس فيه إسراع مُخل بالمروءة ، ولا اختيال مُخل بالتواضع أنهم هيّنون ليّنون كلَّفة حرير ، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن ، ولا يفعلون إلا ما هو حسن ، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون . من رأوه مقبوضًا بسطوه ، ومن رأوه حزينًا فرّحوه ، ومن رأوه جاهلاً أرشدوه بالتي هي أحسن . وهم متفاوتون في هذا الأمر ، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية ، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله .

بصراحة لا أخفي :

  • لم تستعد الطرق الصوفية كغيرها من المجتمعات المدنية والمنظمات الأهلية ومجالس أعيان القبائل في التعامل مع الأزمة العاجلة التي حاقت بالشعب الصومالي بداية التسعينيات ، ولم تكن في مخيلته هذه الجموع موازين التعامل مع الواقع ، والتي غلب عليها طابع التسرع والفوضى ، وكان بالذات على الطرق الصوفية التمعن بمن لبس العباءة الدينية المزورة ، وبحث ومتابعة أفكار ومنهج العناصر المتسربة ، وتحليل اتجاهات الأصولية قبل أن تعبث بالدين وبالوطن وبالمجتمع ، لكنها مع الأسف وبقدر كُتب في اللوح المحفوظ ، اتّكلت على جهودهم المتواضعة ، وحسبت واعتبرت حملة هذه الأفكار تلامذتهم متفائلين لا متشائمين ؛ لان أبناء الأصولية كانوا من جملة من يرتاد في حلقات العلم لمشايخ الطرق الصوفية ، وكان لسان حالهم يقول ، ” مرحبا يا تلامذتنا العائدين من أرض الحجاز المباركة أو الجامع الأزهر المسلّحين بثقافة العصر ” هذا قبل أن تتخذ الجماعات الأصولية لأنفسها خُطة لئيمة والتي لوّحت فيما بعد تفكيك المجتمع الصومالي ، وقبل أن تتلقي نُفورا من جميع أقطاب الطرق الصوفية ، وبمرور الزمن وتدريجيا افتضحت أفكارهم ومناهجهم والتي بدأت بالتحمس والمواعظ المبكية والشعارات البرّاقة وفي المطاف انتهت بالسطو والتمهيد للحكم السياسي والتفجير والتفكيك والتشطير وغيرها . : (وقل الحمد لله ، سيريكم آياته فتعرفونها) ولم يكن يتصور أحد .
  • أنه ( سوف يتحول النظام إلى فوضي )
  • وأن نظام سياد بري سوف يطاح بعجالة .
  • وأنه (سوف ينعدم التوازن وضبط النفس والتمسك)
  • (سوف يتفشى الشر في كل مكان)
%d مدونون معجبون بهذه: