مشكلة قيادة الحركة الإسلامية في جيبوتي.. وكيف نتعامل معها ؟

بقلم: عمر يعقوب سليمان (أبو هدى) :

كنا مند فترة بعيدة وعن حسن النية نعتقد أن الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) هي الحركة الوحيدة التي من الصعب أن تصل إلى درجة الانقسامات أو الانشقاقات، حتى ولو اختلفت قيادتها في أمر من الأمور؛ لأن الاختلاف خاصة في وجهات النظر شيء طبيعي عند الإنسان، مهما كان كبيراً في عمره أو في عقله ومهما بلغ من العلم مبلغه. وكان هذا الاعتقاد يأتي لنا من خلال شدة وضوح منهجها وفكرها ونظامها، وأنها لا تستبطن غير ما تعلن به، وأنها أيضاً من أكثر الحركات اعتدالاً ويسرا، وأقواها تطبيقاً وتمسكاً واحتراماً على اللوائح، لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن.

فقد رأينا أخيراً أنها دخلت في مرحلة تصدّع واضح أفرادا وجماعات في أكثر من دولة في العالم العربي، آخرها دولة جيبوتي. فمنهم من هو متمسك بعضوية الجماعة وبقانونها الأساسي وسياساتها العامة، ومنهم من سار عدوها اللّدود بعد أن عاش فيها برهة من الزمن، ومنهم من تنازل عن عضوية الجماعة فقط وحافظ على دعوته وعلى نهجها. ونحن لا نستغرب هذه الاختلافات بين القادة، فقد اختلف الذين عاشوا في خير القرون، حتى وصل منهم الأمر إلى إشهار السلاح في وجه بعضهم البعض، إلا أننا لا نتهم طائفة منهم أنها سعت إلى مصلحة دنيوية أو سياسية وغير ذلك، فقد ظنت كل طائفة منهم رضوان الله عليهم جميعاً أنها على الحق، وعلى هذا الأساس أشهرت سلاحها ضد الأخرى، وهذه هي عقيدتنا تجاههم جميعاً، لكننا نتهم بعض قادة الحركة الإسلامية في العصر الحديث أنهم غيروا مسارهم ونواياهم ودخلت الأطماع في نفوسهم، خاصة لما رأيناهم يعتدون أو يترفعون أو لا يبالون على أنظمة ولوائح ومبادئ الحركة التي وضعوها هم أنفسهم.

والغريب أن تجد في بعض البلدان فئة منهم تدعي بعضوية الجماعة وأخرى كذلك تدعي بعضويتها أيضاً وهما في نفس البلد، ومع ذلك لا يلتقيان لا في التنظيم ولا في السياسة ولا في العمل الدعوي مثل الأردن والصومال وجيبوتي أخيراً.

والذي يقف وراء مشكلة الحركة حالياً في جيبوتي هما فئتان ذات مصالح خاصة أولاها: بقايا قادة حركة الإصلاح في الصومال أمثال الدكتور علي شيخ أحمد رئيس جامعة مقديشو السابق، وثانيها: أفراد من مصر تعيش في القرن الأفريقي قد لا نحب ذكر أسمائها هنا، وبين الفئتين مصالح مشتركة على حساب الحركة والدعوة، وهو ما أوصل الحركة إلى هذه النهاية المأساوية كلا من الصومال وجيبوتي.

ومن الغرائب أيضاً أن التقرير النهائي المعدّ من قبل لجنة تقصي الحقائق لتشخيص المشكلة التي تعاني منها الحركة خاصة في الصومال آنذاك، برئاسة الشيخ إبراهيم شريف رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته، بتاريخ 11/ فبراير/ 2012م، ذكر أن مؤسسات الحركة ليست ملكاً للحركة، مع عدم الشفافية في إدارة أموال الحركة، وأن كثيراً من العقارات والأراضي والمزارع مصيرها مجهول وغير واضح، وكذلك القيام بحملات انتخابية لصالح بعض أفراد الحركة في بعض الأقاليم، وإهانة شأن العلماء والدعاة وأنهم دراويش ولا يستوعبون الواقع…وغير ذلك من الحقائق إلا أن مسار قادة الحركة لم يتغير بعد ذلك بل ازداد سوءاً وفحشا.

ونحن هنا نشهد أن معظم القادة خاصة في جيبوتي مخلصون في دعوتهم وفيما آمنوا به وفي إنقاذ أمتهم الإسلامية، ويسعون ليل نهار للدفاع عن ذلك فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ * وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب الآية 23) لكن أفراداً منهم خاصة في الطرف الذي اختار البقاء تحت عباءة بقايا حركة الإصلاح في الصومال هم الذين ضلّوا عن الطريق وقليل ما هم.

ومشكلة الحركة ليست مشكلة صعدت من القاعدة وإنما نزلت من القمة أي أن مشكلتها مشكلة قيادية، وليست مشكلة أتت من القاعدة، وهم الذين يتحملون المسؤولية أمام الله. وهذا ما أكده التقرير المذكور آنفاً بأن مشكلة الحركة لا تأتي من قاعدتها ولا من خارجها وإنما تأتي دوماً من قادتها. فقد دخلت المصالح فيهم، وفقدوا ثقة بعضهم ببعض، وانتشرت الاتهامات بينهم، وصار من الصعب أن تعرف الصادق منهم عن الكاذب حينما يتكلمون والمخلص منهم عن المتهم.

جذور المشكلة :

  1. هذه المشكلة لم تظهر في صفوف القادة إلا لما أقحموا الحركة في السياسة واتخذوا مساراً جديداً في مسيرتها، مسار تأسيس إطار سياسي جديد للحركة، مع أنها كانت في غنى عنها حسب رأي كثيرين من أفرادها، وانشغلوا بها أكثر من انشغالهم في الدعوة إلى الله، بل قدموها عن الدعوة في بعض الأحيان، مع ما صاحب في ذلك من محاولة إقصائهم عن العمل السياسي واستعمال القوة والبطش ضدهم لمنعهم من التأثير في القرار السياسي. فمع هذا الانخراط في السياسة بأوسع أبوابها وبدون دراسة حقيقية تذكر حولها، بدأت الحركة تنقسم إلى جناحين: جناح يرى أن الظروف والمرحلة الحالية لا تسمح الانخراط في السياسة وفي هذا الوقت بالذات، وجناح يرى العكس بأن هذه المرحلة هي الأنسب وستأتي أكلها قريباً بإذن الله. من هنا ظهرت بوادر المشكلة بين القادة وبدأت تزداد سعة حتى آلت إلى ما آلت إليه اليوم. وهذه النقطة هي جوهر الخلاف بين القادة لكنهم لا يعلنونها أمام الأفراد. فمنهم من يريد أن يعود الجميع إلى الأصل بعيدين عن السياسة وعن متاهاتها، وأن قرار دخول السياسة هو الذي دمر مكتسبات الحركة كل هذه السنين من جمعيات ومؤسسات ومراكز فضلا أنها سبب إيقاف النشاط الدعوي من محاضرات وندوات وخطب وغير ذلك…. ومنهم من يرى أن لا رجعة للوراء، وأن هذا هو قرار الأغلبية، وأن القافلة قد انطلقت ولن تتوقف مهما كانت الظروف، وأن ما واجهته الحركة من اضطهاد وصعوبات شيء طبيعي جدا وكان متوقعاً وقد كانت على علم بذلك قبل الدخول في السياسة.
  2. هذه النقطة أشعلت النيران على خلافات سابقة كانت بين القادة مند فترة التسعينات والتي مفادها هل بقاء الحركة الإسلامية في جيبوتي كجزء من الحركة الإسلامية في الصومال (الإصلاح) كما كان الأصل أفضل أم تنفصل عنها وتبقى كحركة قائمة لذاتها في جيبوتي. ولما تستمع كلا الطرفين قد تعذر لكليهما، فلدى كل طرف دلائل وأسباب مقنعة، إلا أن بإمكانك كمتابع أن ترجح إحدى كفتي الميزان إذا نظرت إلى الموضوع بالعقل المحايد بعيداً عن المصالح الخاصة والفئوية ؛ لأن هناك حجج واهية وأخرى قوية.

إن الخلق المفقود بين القادة هو خلق التسامح، والذي يقتضي التنازل عن الحقوق والإنصاف عند الاختلاف وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (الشورى: آية 40 ). وجواز التنازل عن بعض الواجبات لتحصيل ما هو أوجب منها شيء وارد في الإسلام، فكيف إذا كان التنازل عن رأي مجرد قد يكون الآخر على صواب. إن بقاء الحركة الإسلامية في جيبوتي تحت عباءة حركة الإصلاح في الصومال لا تجعل السماء أن تقع على الأرض، وليس في ذلك ضرر يذكر على الحركة في جيبوتي، فقد بقيت جزءاً منها سنين وسنين بل مند نشأتها إلى يومنا هذا، بحجة أن حركة الإخوان ليست بجماعة تستهدف قومية وطنية ولا تقتصر دعوتها على أمة بعينها ووطن بعينه، فمع اهتمامها بقضايا الوطن فالأصل أنها حركة عالمية.

وبعكس ذلك لو انفصلت الحركة في جيبوتي مثلاً عن حركة الأم بالنسبة لها في الصومال ( حركة الإصلاح ) مراعاة لظروف مستجدة فيها حاليا، كدخولها في السياسة مثلاً، أو انفصلت عنها نظراً لما تمر به حركة الإصلاح في الصومال من انشقاقات حادة في صفوفها وانقسامها إلى ثلاثة أجنحة متضادة أو أكثر، أو وجدت أن صاعدها قد أشتد وأنها قادرة على أن تقف لحالها، فما الضير في ذلك يا ترى؟ ولماذا البعض يقيم الدنيا ولا يقعدها؟ ولماذا كل هذه الصولات والجولات لبعض القادة بين أفراد الحركة كأنهم يدافعون بيت المقدس عن خطر داهم ومميت؟. إن البقاء كجزء من الحركة الإسلامية في الصومال لا يضر والانفصال عنها لا يضر أيضاً، أما المصيبة والتي تفضلها القيادة حالياً وجعلت خيارها الأخير هو انقسام الحركة إلى شطرين، حيث يسير كل شطر في واديه الخاص وهو الذي انتهى به الأمر حالياً. إذاً هل تستحق مثل هذا القيادة التي لا تستطيع التنازل عن رأيها حفاظاً على وحدة الصف، وتفضل خيار الانقسام أن نسميها قيادة فعلاً وهل تكن الإخلاص والحب لدعوتها؟ أم نتهمها بمصالح وأجندات مخفية لا يعلمها الأفراد كما يتهم بعضهم بعضا؟.

قد يتساءل القارئ عند هذه النقطة أين مبدأ الأغلبية في الحركة عند اتخاذ القرار؟ ونقولها بكل وضوح إن الطرف المغرور ببقايا حركة الإصلاح في الصومال قد جعل هذا المبدأ وراء ظهره دون مبالاة.

  1. ثم طهر بين أفراد الحركة حسب ما يتداول به البعض مرض خطير جداً، كان الجميع يعتقد أنه استأصل جذوره من داخل الحركة من خلال التربية الإسلامية وتكوين شخصية تستطيع الزجر عن نفسها حتى النطق بكلمات تتم عن عصبية قبلية، وهو مرض العنصرية والتعصب القبلي المتفشي في المجتمعات الصومالية كما هو معروف لدى الجميع، المرض الذي يزرع الشقاق والفتن بين الناس. فقط رأينا في الآونة الأخيرة أن فيروس هذا المرض بدأ يدب على كثير من نفوس أبناء الحركة، ومع أنه لا يوجد وبشكل حتمي أدلة واضحة على انتشار هذا المرض بين أفراد الحركة إلا أن جلبته وضجيجه في أوساط الأفراد كثير جداً، وهناك أخبار شبه مؤكدة مفادها حدوث لقاءات واجتماعات مغلقة لبعض أفراد الحركة والذين ينتمون جميعاً إلى قبيلة واحدة، كما رأينا بأم أعيننا قادة في الحركة ومن الجيل القديم لا يقدمون لك الخدمة التي تريدها منهم إلا إذا عرفوا قبيلتك أولاً، ثم يشيرون لك إلى ركن شديد من قبيلتك في الدولة لتقديم طلباتك له، كما رأينا بأم أعيننا أن أفراد القبيلة الفلانية في الحركة قد ذهبوا جميعاً بحذافيرهم مع الطرف الفلاني، وأفراد القبيلة الأخرى مع الطرف الفلاني الآخر وبحذافيرها أبضاً، هل يا ترى هذا السلوك نصر لدين الله ولدعوته أم تعصب عنصري قبلي بغيض. نذكر هنا أن الذي ينادي بالعصبية وإلى نصرة عصبته والتألب معهم بغض النظر ظالمين كانوا أو مظلومين يكون من جثا جهنم يوم القيامة أي من حطبها وإن صلى وصام وادعى أنه من الدعاة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ) ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله) رواه الترمذي

إن ما يربط بين القادة الإداريين هو العمل فقط، ولهذا فإن أي مشكلة تحصل بينهم فحلها في نهاية المطاف بسيط وهو ترك العمل وتقديم الاستقالة، لإنهاء المشكلة، وقطع هذا الرابط الوحيد وهو العمل.

أما ما يربط بين القادة الدينيين والذين هم تحت مظلة جماعة واحدة، فهو يختلف عن ذلك بكثير، وإذا حصلت مشكلة بينهم فمن الصعب إيجاد حل لها؛ لأن الرابط هنا قوي فهو عبارة عن مبادئ وقيم دينية وإيمانية ودعوية تجعل أحدهم ينقاد للآخر رغما عنه في العسر واليسر من خلال السمع والطاعة وفيما يرضى الله عز وجل.

والمشكلة المستعصية هنا هي موقف القاعدة أو الأفراد الذين ينتسبون لهذه الجماعة أو لهذا التنظيم وينقادون لهذه القيادة المختلفة في أمرها، هذه المشكلة التي جعلتهم تائهين حيارى في اتخاذ القرار، مادا يكون موقفهم من هذه القيادة؟ فهل من الأفضل لهم الترك والابتعاد عنهم وعن ما يربطهم بهم خاصة إذا وصل الصراع بين القادة إلى درجة يبتعدون عن الأخلاق وعن المبادئ الأساسية في الإسلام مثل الصدق في القول والإخلاص في العمل، وغير ذلك من الأسس والمعايير التي يجب أن ينطلق منها المسلم فضلاً عن الداعية، حيث تراهم يكذبون في الأخبار وفي التقارير وفي نقل المعلومات للأفراد لا لشيء آخر وإنما لتكون كفتهم هي الأقوى فقط … أم الأفضل لهم وضع استراتيجيات تفيد في التعامل مع هؤلاء القادة، خاصة إذا كان لا بد من البقاء معهم نظراً لحاجة الأفراد العيش تحت هذه العباءة الروحانية الدينة والدعوية التي قد لا يجدونها بعيدين عنهم.

استراتيجيات التعامل مع هذه القيادة

حسب رأي الكاتب قد نختصر لمثل هذه الاستراتيجيات ما يلي:

أولا: تبدأ هذه الاستراتيجية بأن تعرف حق المعرفة بعيداُ عن الطن والتحامل (الحكم المسبق) ومن خلال التأني والدراسة الدافع وراء سلوكيات القادة والذي أحدث مثل هذا الاختلاف الجذري حتى في الثوابت، فهل هو نابع من الإخلاص لله ولدينه أم هو من مصلحة سياسية، عشائرية، ذاتية…..والمشكلة هنا تكمن كيف تفرق بينهم أنت كفرد إذا كان الجميع يلبسون أمامك لباس التقوى والإخلاص في خطبهم وفي محاضراتهم وندواتهم، مع أن ألسنة بعضهم أحياناً تكشف وتنطق عن غير قصد أو عن قصد منهم ما تبطن به ضمائرهم من حقائق مختلفة عن ما يقولونه، مما يجعل المسألة برمتها تعطى حكم الظاهر وليس شقاً ما في القلوب أو نقبها كما يتوهم البعض، حيث أن الذي يحكم السر وأخفى هو الله وحده عز وجل.

ثانيا: التمسك بالقواعد والمبادئ والأهداف الراسخة لديك والتي من أجلها سرت سامعاً ومطيعاً يوما ما للقادة يوم أن كانوا على العهد سائرين، والتي تؤمن أنها تقربك إلى رضى الله عز وجل، فلا تسمح للوسيلة والتي قد تكون محور الخلاف بين القادة، تفقدك عن هدفك الأصلي وهو الدعوة إلى الله والتي يجب أن تكون لله وحده عز وجل. فحافظ على الأصل مهما تغيرت الوسائل فالقيادة ستذهب والوسائل تتغير دائماً وستبقى الدعوة رغم أنف الجميع.

ثالثا: تعامل مع المشكلة من باب النصرة على الحق وليس من باب الوقوف مع قائد ما أو مع فئة ما تربطك بها مصلحة ضد قائد أو فئة أخرى، وتذكر أن الله مطلع على قلبك وسيحاسبك به يوم القيامة.

رابعاً: إذا وجدت أن الطرفين يسعيان للحق وإنما اختلفا على الوسيلة فاذهب مع الطرف الذي تراه أنه أقرب إلى الحق فمن المستحيل أن يقفا على زاوية واحدة عن الحق، وإن وجدت أن كليهما على باطل ولا أظن ذلك، فعليك بتغيير القيادة إن استطعت؛ لأنها ضلت عن الطريق في هذه الحالة، وقد تواجه عملية التغيير هذه من القيادة الحالية مقاومة شديدة في بدايتها لكن بإمكان الأفراد تحقيق ذلك لأن السمع والطاعة لا يلزمان هنا. وقد اهتم الفكر الإداري الحديث بموضوع التغيير بشكل كبير لما له من تأثير إيجابي يعود على المنظمة والأفراد التابعين لها. وإن لم تستطع القيام بتغيير القادة وظلّوا على هذا الضلال فتوكل على الله واعبد ربك وحيداً حتى تأتيك اليقين فإنها عين الفتنة. في الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن). فالابتعاد عن الجماعة وعن مواقعهم يحفظ لك دينك ويبعدك عن الشرور والمحن.

أما إن وجدت أن أحد الطرفين على الخطأ بعد علم ودراسة فابتعد عنه دون تشهير أو إيذاء به وسأل الله له أن يهديه. وكن حذرا في هذه الحالة أن تغطي هفوات من تحب وتقف معه في كل صغيرة وكبيرة، وأن تحامل من تكرهه وتغطي على حسناته وإن كانت كثيرة. فهذا هو الجور الذي نهانا الله عنه وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ( الأنعام: 152). وهنا قد نجد فلان بن فلان مع الطرف المخطئ بكل ما أوتي من قوة، مع علمه أنه على باطل؛ لأن له مصلحة فيه، فهيئات أن يكون مثل هذا داعية مخلصاً في دعوته حتى وإن أطال اللحية وظهر عليه أثر السجود.

الخلاصة

إن الحركة الإسلامية في جيبوتي انتهت وحدتها كما انتهت وحدة حركة الإصلاح في الصومال، بعد صراع حاد بين القادة أكثر من سنة، هذا الصراع الذي فرض حالة من الارتداد إلى الوراء وخسارة ما حققته الحركة من مكاسب على مدار تاريخها في البلد. فقد انتهت مرحلة ترميم الصف، وذهب كل فريق في واديه الذي رسمه لنفسه. والمطلوب الآن ليس الاستمرار في إعادة اللحمة بين الفريقين؛ لأن هذا قد انتهى، وإنما الواجب هو الانتقال إلى مرحلة جديدة مرحلة التعايش والتسامح بين الفريقين ما داموا على فكر وعلى منهج واحد، والمحافظة على أدب الاختلاف فيما بينهم.

%d مدونون معجبون بهذه: