ماذا في صيدلية التصوف [1]

لفظ التصوف من الألفاظ الغامضة مبنا ومعنى، إذ لم يرد في القرآن ولا في السنة، ولم يعرفه الرعيل الأول من الصحابة، بل هو لفظ مشاع في جميع الأديان استخدمته الهندوسية، والمسيحية، واليهودية، والمانوية، والبوذية. وقد اشتدت حوله وطيس الخصام بين الكتاب، ولم يختلف المسلمون في شيء كاختلافهم في هذا الاصطلاح، فقيل إنه من الصوف وقيل بل إنه من الصفا، وقيل من الصفو وقيل بل إنه من كلمة يونانية مأخوذة من ( صوفيا) بمعنى الحكمة.([1]) ولأنه اصطلاح يهول بلا جسم، ويتأبط سلوكيات وأفكارا يرفضهما الشرع، وتأباهما الفطرة السليمة. قد يقال: لا مشاحة في الإصطلاح! قلت: هذا مقيد إذا لم يكن وسيلة إلى باطل، فالاصطلاح إذا كان يحدث في الأمة انشطارا وتفرقا واختلافا لا مرحبا به، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر بعض اصطلاحات شرعية عند استخدامها لتفرقة الأمة بأنها دعوة جاهلية،([2] )لأنها تكون عندئذ كلمة حق يقصد بها باطل، فقد حُرم مسجد الضرار ؛ لأنه يضر وحدة المسلمين، ويفرق جمعهم فكل لقب أو اصطلاح أو رسم يفرق بين أهل القبلة ويقسمهم طرقا وأحزابا فهو محرم وإن كان يحمل أسماء المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله. فما ظنك بلقب – كالتصوف – الذي ما أنزل الله به من سلطان.

وفي هذه الصفحات التالية نرى ماذا في صيدلية التصوف؟ هل فيها من العقاقير ما يصلح لشفاء أمراضنا أم فيها من السموم ما يذل قوتنا، ويدمر إيماننا، وينخر أجساد أمتنا، ويفرق أمتنا شيعا وطرقا متعارضة متناحرة؟

أولا: التصوف ومصدر التلقي:

وللتصوف مصادر تلقي العلم غير الكتاب والسنة، وهي:

*- الكشف الذي هو أخذ الدين من الله ورسوله ومن خضر مباشرة بلا واسطة.

ولذلك من أقوالهم: ” نحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، وأنتم تأخذونه عن حي يموت”

“إذا رأيت الصوفي يشتغل بحدثَنا وأخبَرنا فاغسل يدك منه”

“لنا علم الحروف ولكم علم الورق”. وقيل لبعضهم: ألا ترحل لتسمع من عبد الرزاق؟ فقال: “ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق”!([3])

روى ابن الجوزي بسنده عن جعفر الخلدي ، يقول : ” لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا لقد مضيت إلى عباس الدوري ، وأنا حدث فكتبت عنه مجلسا واحدا وخرجت من عنده ، فلقيني بعض من كنتُ أصحبه من الصوفية ، فقال : إيش هذا معك فأريته إياه ، فقال : ويحك تدع علم الخرق ، وتأخذ علم الورق ثم خرق الأوراق ، فدخل كلامه في قلبي ، فلم أعد إلى عباس ” قال ابن الجوزي رحمه الله : وبلغني عن أبي سعيد الكندي ، قال : كنت أنزل رباط الصوفية ، وأطلب الحديث في خفية بحيث لا يعلمون ، فسقطت الدواة يوما من كمي ، فقال لي بعض الصوفية : أستر عورتك”.

وقال أيضا: سمعت علي بن مهدي ، يقول : وقفت ببغداد على حلقة الشبلي فنظر إلي ، ومعي محبرة ، فأنشأ يقول : ”

تسربلتُ للحرب ثوب الغرق **وجبت البلاد لوجد القلق

 ففيك هتكت قناع الغوى **وعنك نطقت لدى من نطق

 إذا خاطبوني بعلم الورق **برزت عليهم بعلم الخِرق([4])

“أنّ الشيخَ أويسَ أمر خَضِرا عليه السلام أن يبني له مسجدا في ( أبايْطَحَن)، فلما أنجز الخضرُ بنائه ، أوْلَمَ الشيخُ أويس ، فَحضَر في الوليمة رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والشيخُ عبد القادر الجيلاني، والسيدُ مصطفى بن سيد سَلمان ، وأهلُ النُّوبة، وهم أربعون من العرب، و أربعون من العجم..”([5]).

: ” أن الشيخ أحمد بن حاج مهدي زار إليه – أويس – فقال له : يا شيخ أويس إني نويت السفر إلى مكة والمدينة لأجل الحج والزيارة. فقال الشيخ أويس : يا شيخ أحمد أنت حاج في بيتك، ولا تسافر إلى مكة والمدينة، فقال الشيخ أحمد: يا شيخ أويس من علَّمك وأنبأك هذا الأمر ؟. فقال أويس: نبئني العليم الخبير. فتأخر الشيخ أحمد ، ولم يسافر إلى الحج “([6]).

“هذه الصلاة فقد تلقنها سيدي أحمد بن إدريس من النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة مرة وبواسطة سيدنا الخضر عليه السلام مرة أخرى”.([7])

أعتقد بأن هذه النقولات من كتب القوم كافية لبرهنة ما ذكرنا، وإن كانت غيضا من فيض.

…………………………..

  • الهوامش :

 [1] – أنظر كتاب ” دائرة المعارف للبستاني.

 [2] – رواه البخاري (4905) ومسلم (2584) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ !! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ !!
فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ( مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ .
فَقَالَ : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) .

 [3] – أنظر كتاب “ظاهر الدين وباطنة السلف الباطنية الشيعة الصوفية” لمحمود المراكبي، ص- 111.

[4] – أنظر كتاب ” تلبيس إبليس”

[5] – أنظر كتاب ” الجوهر النفيس” ص- 121

[6] – أنظر ” الجوهر النفيس” ص 123.

[7] – أنظر ” كتاب الأحزاب”

 

%d مدونون معجبون بهذه: