صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [9]

غارات جوية تطلق سراحه :

ثم دارت الأيام دورتها، وحاول الداعية أن يدخل المدينة لجولاته الدعوية ولزيارة أقاربه، ولكن مخابرات الدولة بالتعاون مع رجال الطريقة كانت له بالمرصاد، وما أن وطئت قدماه على أرض المدينة نازلا من الحافلة حتى أسرته الشرطة وسجنته، وذلك للحيلولة بينه وبين أي نشاط دعوي ينفذه في المدينة، وبينما هو في سجنه الظالم إذ أغارت طائرات أثيوبية على المدينة، وتعالى لهب وحريق في كل مكان، وسمعت دويات الألغام المتفجرة من هنا وهناك، نتيجة لحرق الثكنات العسكرية القريبة من المدينة، فلما اختلط الحابل بالنابل، وهاج الناس وماجوا ذُهل عنه فخرج من السجن حرا طليقا – بعون الله تعالى- بلا رقيب ولا عتيد من البشر.

بشير وبحوره

وصل إلى المدينة (بشير بن الشيخ عمر شريعة القادري)،([1]) وكان “بشير” قد تصوف على شاكلة والده، ولكنه لم يكن يؤمن بالتصوف كفكرة، وإنما كان يتخذه ذريعة وغطاء، لاسترجاع منصب والده، ولأنه ضاقت عليه سبل العيش فاعتقد بأن الركون إلى هذا السبيل سيدر عليه رزقا هنيئا واحتراما حاضرا. بُني عند قبر والده مسجدٌ وسلم إليه مفاتيحه، وهناك كان يسكن، إلا أنه كان لا يقوم للصلاة، ولا يصلي مع المصلين، بل يدخل المصلون في المسجد لصلاة الفجر وهو يرقد فيه، ثم يوقظ للصلاة فيخرج من المسجد ليقضي حاجته ثم يعود إلى مكانه ليرقد فيه من جديد بلا صلاة!. وكذلك كان لا يصوم، ومما لم يزل عالقا في ذاكرتي، حاضرا في مخيلتي، أننا كنا في متجر الحاج ” أحمد طيري ( الطويل ) إذ دخل فيه قاصدا إلى البرّادة فتناول زجاجة من شراب كوكولا فتجرعه أمام الملأ في رابعة النهار، وفي ظهيرة الصيام!. فقلت له: ألست صائما؟ فأجاب: وهل أؤمن بمن صمت له؟!

فتجاذب (الحاج أحمد) طرف الحديث قائلا: دعوه وشأنه! هو ولي من الأولياء، وللأولياء أحوال وبحور تخصهم، أما علمتم أنَّ والده طار فوق نهر “شبيله” بدون طائرة؟.([2]) فاستسلم الحاضرون للسكوت. وبما أن اقتصاد المدينةِ كان في يد رجال الطريقة، إذ التجارة بصفة عامة كانت في أيديهم، وكذلك كان لهم نفوذ كبير لدى الشعب، وكانوا يحتكرون منصب الزعامة الدينية، ولهذا حاول ” بشير” أن يجاملهم في بداية أمره، فحضر في حفلاتهم وشارك بنشاطاتهم، وانتمى إلى طريقتهم، ورغم ذلك كله لم يعيروا إليه أي اهتمام، ولم يوسعوا له أي مجال.

احتدام بين بشير وعمر

كان رجل اسمه “الشيخ عمر مِدِلِ” أي صاحب المُدية، – لقب بهذا اللقب، لكثرة ما ينحر من الجزور وما يذبح من الأغنام علي المرضي والممسوسين- له مركز عند مسجد (بشير)، وكان “الشيخ عمر” من قادة الطريقة القادرية، فحدث تنافس على العامة بينه وبين “بشير” حتى إن تلاميذ “مِدِلِ” هاجموا على “بشير” ورجموه بالأحجار والأشجار، ولكنّ “بشيرا” كان متحضرا أكثر من “عمر” لذا استعان لعلاج المرضي بالحيل والعقاقير والأدوية.

تخدير المريض

مرض شاب اسمه ” يوسف” من الريف “غَدُون” ولم ينعم بالنوم في عدة شهور، فجيء به إلى “الشيخ عمر مدل” ليطبّبه إلا أنّه أخفق، فلما بقي عنده عدّة أشهر ولم يتحسن وضعه نقل إلى عند “بشير” ليعالجه، ولما رأى أن الشاب لم يكتحل بالنوم منذ أمد بعيد قال لأقارب المريض: إمهلوني حتى أقرأ له “التهليل”،([3]) فقام متواريا في مسجده، ثم طحن عدة أقراص من المنومات فخالطها في الماء، فعاد بها عاديا، فقال: هذا “تهليل” اشربه! فلما شربه تصبب عرقا ثم استسلم لنوم عميق، وسمع له غطيط وشخير. عندها تهلل الناس وكبروا، وعظموا الرجل واعتبروه من أهل الكرامات وخوارق العادات، ويومها صار له صيت، وطارت سمعته إلى جميع الجهات، حتى قيل: إنه استطاع في لحظات معدودات أن يعالج ما عجز عنه “الشيخ مدل” شهورا طويلة، ومنذ ذلك اليوم راج سوقه وتغيرت أحواله، وتدفق إليه العوام من أقطار شتى.

……………………..

  • الهوامش :

[1] – بشير – رحمه الله – هو الأخ الأصغر من المغنية المشهورة ” مَغٌول”.

[2] – الشيخ عمر شريعة توفي في ظرف عجيب وقصة مشهورة، رواها الحاج محمد أحمد ليبان – رحمه الله تعالى، وشافهني بها “بشير”. وخلاصتها: أن الشيخ مختار الشيخ حمد علي ميّة” شيخ الطريقة الأحمدية آنذاك، كان من عادته أن يزور المنطقة في كل سنة مرة واحدة، ليستلم أموال الزيارة، وبينما الناس يجمعون له الأموال – وهو واقف- برز بين الجموع الشيخ عمر شريعة وهو قادري منافس، فقال: يا قوم: أنا من العشيرة، وهذا رجل غريب فأنا أحق بزيارتكم(أموالكم) منه. قال الحاج محمد أحمد ليبان: كان الشيخ عمر ورائي فجلست في الحال حتى لا تصيبني عين الشيخ ” مختار” عندها نظر الشيخ مختار إلى الشيخ عمر شزرا، فوقع الأخير في الحال مصروعا، ثم فاضت روحه إلى بارئها.ولما سألتُ “بشيرا” القصة قال: “كان الشيخ مختار ساحرا عيّانا، لا يذهب لجمع المال إلا إذا كان معه سحره..”

[3] – الصوماليون يسمون الماء الذي نفث فيه القرآن والأذكار تهليلا.

%d مدونون معجبون بهذه: