خواطر دعوية [10] عدد الحضور لا يتناسب مع مكانة الشيخ..!

 

قال : نعيش في بلدة نائية من بلاد الغرب وعدد سكان الجالية الصومالية فيها قليلون ، ولا يوجد فينا من يستطيع القيام بمهمة الدعوة والتعليم والتوجيه بالصورة المطلوبة، كما لا يوجد مركز أو مسجد تابع للجالية بل هي ضيف على مراكز الجاليات الأخرى؛ لأن إمكانياتها القليلة لا يسمح لها بإقامة مرفق خاص لها .

قلت : فهي مشكلة كبيرة تعاني منها الساحة الدعوية الصومالية في أرض المهجر قاطبة ؛ لأن عدد الدعاة المؤهلين للقيام بهذه الوظيفة الشريفة أقل من القليل ، وعدد أفراد الجالية في ازدياد مستمر ، وحاجتهم إلى علماء ودعاة ومعلمين وموجهين تزداد كل يوم ، وليس في الأفق أو المنظور القريب أي حلِّ لهذه المعضلة؛ لأن إعداد جيل جديد يستطيع التحمل هذه المسؤولية العظيمة يحتاج إلى زمن ووقت غير قصير ، مع ندرة وجود مؤسسة أو منظمة تعليمة متخصصة في هذا المجال.

ولو حاول العدد القليل من الدعاة والعلماء الموجودين في الساحة بجمع جهودهم وتوحيد كلمتهم ، وتحويل قدراتهم كعمل خلية النحل من غير كلل ولا ملل لما استطاعوا بتغطية حاجة الناس الدعوية والتعليمية ولو واحد في المائة ، فكيف إذا تفرقوا وتشتتوا ، وغنى كل على ليلاه ، ولكن يكبرُ الخطب ويسوء الحال وتعظم المصيبة ، عندما يحاول بعض الفضلاء والأخيار احتكار الساحة الدعوية، وتحويلها إلى محميات لا يجوز الاقتراب منها وتوظيفها لمن يشاطرهم فقط في المشرب أو يوافقهم في المذهب ( الرأي) أو يشاركهم في الحركة ، أو تتقاطع معهم في المصالح، واستبعاد كل من لا يتماشى مع هذا الاتجاه أو لم يقيد اسمه في دواوين الحركات ولو كان يحمل علما شرعيا وخلقا سويا، وفي مقدوره إفادة المجتمع وإسهام مسيرة الدعوة .

ثم قال : ولأجل حاجتنا للدعاة والعلماء نحاول بين الفينة والأخرى الاتصال بالعلماء والدعاة للقدوم علينا والإفادة للجالية ، ولكن نواجه مشكلة عويصة لا قبل لنا بها ، وطلبا لا يمكن تحقيقه ، وسؤالا لا نستطيع الإجابة عنه ، وهو : كم سيكون عدد الحضور في المحاضرة ؟ ، فنجيب من غير تلكؤ : نحن قليلون، وقد لا يتجاوز العدد في حدود العشرين !، فيأتينا الجواب من غير تردد ولا خجل : بأن – فضيلة الشيخ والداعية الكبير لا يتناسب مع مكانته وشهرته مع هذا العدد القليل – ارتباطات الشيخ المسبقة تحول بينه وبين تحقيق طلبكم ، نحن آسفون جدا .

قال : أنا رجل عامي ليس لدي علم شرعي يذكر ، ولكن سؤالي هو : هل هذا التصرف يتماشى مع هدف الإسلام في الدعوة إلى الله تعالى وأخلاق الدعاة والعلماء ، أم أن هناك أمر آخر .

قلت : الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الطاعات وأقرب القربات ، وهي عمل الأنبياء وصفوة المرسلين ، فقال الله تعالى ( وَمَن أَحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّني مِنَ المُسلِمينَ )، والدعاة إلى الله تعالى من أفضل الناس ، ولم أعلم أن عالما أو داعية واحدا اشترط بكثرة عدد المدعوين ؛ لأنهم يعطرون بأسماعنا في كل مجلس من مجالس الوعظ والتذكير حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج يوماً فقال: “عُرضت عليَّ الأمم، فجعل يمرُّ النبيُّ ومعه الرجل، والنبيُّ ومعه الرجلان، والنبيُّ ومعه الرهط، والنبيُّ ليس معه أحد، فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق، فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق، فقيل لي: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً قُدَّامهم يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون”. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم؟ قال: “اللهم اجعله منهم”. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال: “سبقك بها عكاشة” متفق عليه .

والدعاة إلى الله تعالى يحدوهم الأمل بإن يجعل الله تعالى في أيديهم هداية الناس إلى الخير ليتحقق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم ) متفق عليه، وإن كان الحديث ورد في شأن أبي الحسنين ، ولكنه عام لكل من دعى إلى الحق واهتدى الناس على يديه ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

والأمثلة في هذا الشأن كثيرة ولا يمكن حصرها في هذه العجالة ، ولا أظن أن طالب علم أو داعية أو عالم كبير أو صغير يكون همه الأول والأخير معرفة عدد المدعوين من قلتهم وكثرهم ، ثم يربط دعوته بهذا ، وقد يتأثر الإنسان بالعدد قلة أو كثرة ، ويرتفع نشاطه وحيويته تارة أو يخبو ويهبط همته تارة أخرى حسب ظروفه الزمانية والمكانية ، وهو أمر مشاهد ومعروف ، ولا يلام الإنسان فيه ؛ لأنه من طبيعة البشر ، ولكن أن يكون همّه الأول والأخير في عدد الجمهور المتوجه إليه، فهو أمر غريب ، وقد عدّ العلماء هذا النوع من التصرف أمرا مشينا لا ينبغي لطالب أن يتسرب إليه ، فقد أورد أبو نعيم في حلية الأولياء هذه القصة العجيبة : قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله : كنت أجلس يوم الجمعة في مسجد الجامع فيجلس إلي الناس، فإذا كانوا كثيرا فرحت، وإذا قلوا حزنت، فسألت بشر بن منصور فقال: هذا مجلس سوء، لا تعد إليه، قال: فما عدت إليه .

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا .

%d مدونون معجبون بهذه: