حيل إبليس لإغواء البشر

 لما خلق الله الأبوين: آدم وحوّاء عليهما السلام أسكنهما الجنة، وأباح لهما كل شيء في الجنة عدا شجرة واحدة حدد لهما، وحذرهما من مغبة الاقتراب منها بالأكل، وبين لهما ما يترتب على أكلها من عواقب سيئة، وهو كونهما من الظالمين.

ولكن إبليس الذي كان يكنّ لهما عداوة سافرة، وضغينة شديدة، وكان يتمنى لو ظفر منهما مدخلا لإلحاق ضرر بهما ، وفعلا وجد منهما ثغرا فاستغل منه، وحصل منهما مدخلا فتسلل منه، ألا وهو “الحرص” الحرص على البقاء، الحرص على الخلود، الحرص على التملك. لم يكن إبليس يتوقع على أنه يظفر بالوالدين، وإنما كان يراهن بذرياتهما، ولذلك تجد أن جميع سهام تهديداته موجهة إلى ذريتهما، لكن إبليس بعد ما اتصل بالأبوين وعجم عيدانهما، وأيقن أنه يمكن أن ينال منهما شيئا، بدأ بتنفيذ خطته المرسومة، وحيله الفعّالة، فتقمص بلباس الناصح الأمين، والصادق المشفق، ودعّم مزاعمه بالقسم بالله العظيم، إيغالا في الغرور” وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين”. وإبليس – وهو خبير النفسيات – يعلم ما يحبه البشر، ويعرف من أين تؤكل الكتف، وعنده أساليب وحيل متنوعة، وعنده خيارات مفتوحة، إذا لم تنجح واحدة يجرب أخرى، وإذا فشلت طريقة استعاض بها أخرى، وهو يحادي ” لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم” .

الوسيلة الأخرى التي افتعلها إبليس هي وسيلة قلب الحقائق، وتسمية الأشياء بغير اسمها، ليروجها عندهما، وليعطيها شيئا من الذوق ونكهة القبول، فسمى الشجرة الممنوعة” شجرة الخلود” ويرمي وراء ذلك الذي يأكل منها يكون من الخالدين في الجنة، المقيمين فيها سرمدا، وهو هدف منشود لدى جميع الأحياء. وكان يعلم يقينا أنها شجرة ” الخروج” لا الخلود كما ادعى، وكان عنده من اليقين ما يترتب على أكلها من نتيجة عكسية وخيمة.

هذه الحيلة أعني قلب حقائق الأشياء، وتسميتها بغير اسمها يعتبر حجر زاوية في حبال اصطياد إبليس بني آدم وإغوائهم، ومنذ ذلك الزمان ما زالت هذه الوسيلة فعّالة لتسويق الوساوس الإبليسية، وتأتي أكلها كلّ حين، ألا ترى أنه يسمي ” العري” موضة وحضارة وتقدما، يجمع الحسنوات الفاتنات في معرض ليعرضن مفاتن أجسادهن، ولحومهن البادية، في مشهد مهيب من الرجال، فيتحركن أو يُحركهن مقبلات بأربع، مدبرات بثمان، أمام رجال مسعورات بالشهوات فيستشرفونهن، فإن أشاروا بالبنان إلى إحداهن بأنّ لها قدح المعلى لإثارة الفتنة، ولجذب الرجال، وإثارة الشهوات، يعطوها ميدالية إبليس الموضوية، ويسمونها بـ” موضة العام” ويروج لها في الإعلام، ويؤجر لها سماسرة الكلام، وعباقرة اليراع، لمدح هذه الموضة وتسويقها، ووسم المرأة المتخلفة عن اقتنائها ولبسها بأنها متخلفة سفيهة.

ومن هذا النمط تسويق الشركيات والأصنام باسم ” الموضة، والعصرانية”. اليوم بعد صلاة الظهر استقل بسيارتي شيخ داعية معروف، وأحد أبنائه لأصلهما إلى بيتهما، فلما نزلا عن السيارة لفت نظري كتابة عريضة جاثمة على صدر فنيلة ولد الداعية، وهي ” نيك، Nike”. وسألت الولد بحضرة والده عن هذا الاسم؟ فأجاب ما هو ” إلا موضة عالمية وماركة معروفة”. فقلت: لو كتبنا في فنيلتك “باللات “والعزى”، أو “ودا وسواعا” بدل “نيك” هل كنت ترضى بلبسها وحملها على صدرك؟ فأجاب بالنفي! فقلت : أليس “نيك” اسم صنم لإغريقي يسمونه إله النصر. فالذي أعمى الناس عن هذه الحقيقة هي “الموضة”، فالذي سوغ لحمل هذا الصنم على الصدور هو قلب الحقائق وتسمية الأمور بغير اسمها، التي اصطنعها ” الإبليس”. ومن هذا القبيل تسمية الخمر والمخدرات بـ” المشروبات الروحية” وهي على عكس ذلك مشروبات قتل الأرواح. وكذلك سموا الربا والقمار بـ” فوائد الفوائد” والزنا بـ “العلاقة”، وتسمع كثيرا “لي علاقة بولد أو ببنت”! والقائمة طويلة، ولكن اللبيب تكفيه الإشارة!.

%d مدونون معجبون بهذه: