صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [8]

وسيلتان لتقليب الحقائق :

إذا تأملت في اعتقاد عدد كبير من الفرق، وفي سلوك كثير من الطرق، ستجد أنهم يقلبون الحقائق، ويلوون أعناق النصوص، ويحمّلون عليها ما لا تحتمل، ويفسرونها بغير تفسيرها، إما عمدا أو جهلا، ويسمون البدعة سنة، والسنة بدعة، كما يوسمون أهل الأثر والسنة مبتدعة، وأهل الخرافة والقبور أهل السنة، وذلك انطلاقا من قاعدتين :

الأولى: إحداث ألفاظ واصطلاحات غريبة في جسم الدين، وتلميع هذه الألفاظ، وتهويل أمرها، ثم بناء معان وأحكام على هذه الألفاظ ، وما بني على باطل فهو باطل، والتصور الخاطئ ينشأ عنه فكر مثله، وذلك كتفسير قوله تعالى ” والذي خلقكم والجبلّة الأولين” يقولون : هم القادرية.

وقوله تعالى: “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزَّ أهلها أذلَّة وكذلك يفعلون ” هم القادرية.

وقوله: ” يهب لمن يشاء إناثا ” أهل الطريقة ” ويهب لمن يشاء الذكور ” أي أهل الشريعة ” أو يزوجهم ذكرانا و إناثا ” أي علم الشريعة والطريقة ” ويجعل من يشاء عقيما ” أي جاهلا.([1]) ولا أخال أنه يخفى عليك الطامات التي أحدث في الأمة هذه الاصطلاحات الغامضة، وتلك العبارات الفارغة، التي لم يعرفها الرعيل الأول من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فتقسيم الدين بين شريعة وطريقة، ووشريعة ظاهرة وشريعة باطنة، فتح بابا من التلاعب في دين الله، وتقول على الله بلا علم، والركض وراء سراب لا جدوى له.

ومن حاول – كالداعية أبي رملة رحمه الله – أن يرد الأمة إلى اصطلاحاتها الشرعية، الإيمان والعمل الصالح، الإسلام والإحسان، الاستقامة والتزكية، بدل التصوف والطرقية، والخليفية، وعلم الباطن وغيرها من الاصطلاحات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهي عبارة عن فخ في طريق التدين، والسير على منهاج النبوة، ومن حاول ذلك فقد واجهته تحديات كثيرة، أهمها تشويش سمعته، وحرق هويته، والتقول عليه، والحكم بدعته وفسقه، بل وتكفيره واستحلال دمه.

أما القاعة الثاثية: فهي التقمص في اصطلاحات شرعية لاعتقادات وسلوكيات باطلة.

كإدعاء المشركين أنهم سندنة بيت الله الحرام، وسقاة الحجاج، وعمارة المساجد، وكزعمهم بأنهم أهدى من المؤمنين سبيلا، وكبناء المنافقين مسجدا للضرار، فهو ضرار وإن سموه مسجدا، ومن هذه القاعدة انطلق فرعون عندما ادعى بأنه مصلح وأنه لا يهدي قومه إلا سبيل الخير والرشاد، وعلى هذه سَنَن يسلك القبوريون الذين يدعون بأنهم “أهل السنة والجماعة”. والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بينات أهلها أدعياء.

هل يدعي السنة من يحارب السنة وأهلها، ويقدم العقل على النقل، ويرمي السنة عرض الحائط ولو في الصحيحين إذا خالفت المقدمات الفلسفية والعقلية التي اتكأ عليها، والمقدمات أوهن من بيت العنكبوت.

وهل يتستر بالتسمي بالجماعة من انشطر وتزايل عن جماعة الأم ” إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” فسلك سبيل المخالف، وانتهج منهج الخلف!. فقد روى ابن عبد البر في “الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة” أنه أتى رجل إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى فقال: يا أبا عبد الله أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، قال مالك : ما شاء الله لا قوّة إلا بالله، سل! قال: مَن أهل السنة؟ قال:” أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي”. وجملة القول: أن الداعية لما أراد أن يخرج عن هذه الرسومات والألقاب آذته الطريقة وأصحابها.

في زنزانة الشرطة

 ثم اقتيد الأخ (بقل صوم) إلي زنزانة الشرطة، فما زالوا به حتى أغروا عليه الشرطة وألحقوا عليه ضررين؛ِ ضربه في المسجد بلا ذنب، وسجنه بلا جريرة!

عريف يحل المشكلة

تزامن هذا الحادث مع زيارة قام بها في المدينة ( الحاج محمد أحمد ليبان – رحمه الله تعالى – [2]) جدُّ (بقل صوم) من جهة الأم – وهو زعيم يَكنُّ له الناس بجميع فصائلهم كل احترام وتبجيل، وبوساطته أطلق سراح الداعية، وعلى إثر ذلك قفل الشاب الداعية إلى العاصمة “مقديشو”([3])

…………………………………..

الهوامش :

[1] – أنظر كتاب ” جلاء العينين” ص 17

[2]– هو الشاعر الحاج محمد أحمد ليبان ، من حزب وحدة الشباب، ولد في عام 1904، وتوفي 1989م.

[3] – مقديشو: هي عاصمة الصومال، قيل: كان أصلها “مقعد شاه”.

%d مدونون معجبون بهذه: