صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [7]

حادثة الجمعة :

  وفي آخر الأسبوع عدنا إلى المدينة، وأصحاب الطريقة القادرية قد حبكوا خيوط مكرهم، وتعاهدوا على اتخاذ الإجراءات اللازمة ضده؛ كيلا يحل عليهم ما حل عليهم في الجمعة الماضية،كان ” المعلم عبد الله السليماني” ـ حسب ما يقال ـ هو الذي تولى كبر هذه المؤامرة وأشرف عليها، وتأكد مفعوليّتها ، إذ أنه جهز عددا من الشباب خاصة الأقوياء الأغمار منهم في الصف الأول من المسجد وعند المحراب، ليؤدوا واجبهم من ضرب الداعية (بقل صوم) إن تسولت له نفسه أن يعتلي منبر المسجد كما فعل سالفا .

الأعمال بالأيادي

 وشاء الله أن برز الشاب الداعية من بين صفوف المصلين، يخال كأنه ظل يتحرك لنحافته، فيمم وجهه نحو المنبر فلما اعتلاه، استهل حديثه بخطبة الحاجة الثابتة عن نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وفي خلال سرده تسابقت إليه الأيادي وجاءت الأكف إليه من كل صوب وحدب، حتى دحرجوه من أعلى المنبر إلى صعيد المسجد، وفي خلال تنقلاته كانت الأيادي في شغل، هذا يصفعه، وهذا يغمزه، وهذا يكزه، حتى إذا سقط علي الأرض، تكالب عليه الناس حتى جُر من بين الجموع المُكفَهرّة العابسة وهو في حال خطرٍ بحيث كاد أن يموت بحبس التنفس.

تقبيل الأكف

 والغريب فى الأمر أن مريدي الطريقة بدأوا يتسابقون إلى تقبيل الأيادي الصافعة، والأكف الآثمة، وذلك باعتقاد منهم بأن اليد النائلة بإيذاء بدعيّ مباركة تستحق أن تتبرك، وخصوا تبركا وتقبيلا زائدا بكف “عبد الولي اليَبَرطَوْرْكَعِي” الذي يقال: إنه ضرب الداعية بقوة.

وأذاعت الطريقة بوسائلها المتنوعة بأن الداعية “بقل صوم” بدعي يستحق الضرب والتأديب ومنع الكلام والخطابة، لأن الطريقة تعتقد باستغاثة الأموات، وتتضرع للخلق كما تتضرع للخالق، وكما تعتقد بأن الله يسمعها كذلك تعتقد بأن الأموات تسمعها، بل تسوي بين الله وبين خلقه .فهاك نتفا من أشعارها ونثرياتها الدالة على ما قلناه.

قال الشيخ عبد الله وهو يتحدث عن شيخه:

هو شيخ كل عالم وعارف مكرم *** هو شيخ ملك وجن ثم كل المُقْرَم

هو نجل حسين من دعا بغوث الأعظم *** يجد له مطلوبه و لو ببحر القُلزُم

 هذه الأبيات وغيرها الكثيرة تدل دلالة واضحة إلى أنه يذهبون بأن الأولياء تتصرف في هذا الكون فمن نادى بها يجد في الحال قضاء حاجته! بل ذكر في شرحه الأبيات المذكورة بأن يد الشيخ عبد القادر الجيلاني تدور حول العالم وأنه مع تلميذه حيث كان ، حتى وإن كان في المغرب والشيخ في المشرق، فإنه يقضي له حاجته، و إن كشفت له عورة مدد يده من المشرق وسترتها! ألا تستغرب طول يد الشيخ!” قال: “وعزة ربي لأقفنّ يوم القيامة على باب جهنّم حتى يعبرها كل مريد لي، فإن الله تعالى أعطاني أن لا يدخل لي مريد النار.. وقد أخذت العهد على منكر ونكير أن لا يروّعا مريدا لي في القبر “([1]). ” وجاءه ـ الشيخ عبد القادر ـ الخطاب مرارا من الله العزيز، وقال تعالى في آخر الخطاب :”جعلت أسماءك مثل أسمائي في الثواب والتأثير، ومن قرأ اسما من أسمائك فهو كمن قرأ اسما من أسمائي” ثم قال: “والشيخ الجيلاني ” من المشايخ الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم كتصرفهم في حياتهم إلى يوم القيامة”([2])

  مثل هذه الأفكار كان الداعية ينكر عليهم ، وبالتالي بدَّعوه، ليشوهوا سمعته، لكيلا يسمع منه الشعبُ التوحيدَ الخالص لله تعالى الذي يدعو إليه، ومما قال رحمه الله تعالى:

 قال تعالى: ’’ فذكر إن نفعتِ الذكرى، سيذكر مَن يخشى” أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه المنزل أن يذكر الناس ويعظهم، وخاصة هؤلاء الذين يستفيدون عن التذكير، وينفعهم الوعظ، أمره الله أن يدعوهم إلى المعروف وينهاهم عن المنكر، ثم بين سبحانه في وحيه الذين ينفعهم القول وتلين أفئدتهم بالوعظ، وتعمل جوارحهم لدين الله، أنهم الذين يخشون ربهم، ويعلمون أن ورائهم عذاب شديد، كل أحد يخشى الله وما أعده من العذاب في القبر وفي غيره، فإنه يستجيب لنداء الله بكل سهولة، ثم بين سبحانه أن كل شخص عديم الخير الذي ليس له عقل ولا علم، وليس له سمع يسمع به الحق، وليس له بصر يبصر به الحقيقة، فإنه يفر عن سماع الحق، وهو من أهل النار، يقول سبحانه وتعالى: ” ويتجنبها الأشقى” يبتعد عن النصيحة إذا دعي إلى وحدانية الله، ويموت كمدا إذا ذكر الله وحده، وإذا دعي إلى سنة رسول الله يتذمر بها كل شقي الذي وجبت له النار، قائلا: مُنعتُ عن عاداتي وتقاليدي، والشقي هو الذي ” يصلى النار الكبرى” وأهل النار ـ عياذا بالله ـ “لا يموتون فيها ولا يحيون” وهذا يتناول كل من يستكبر عن آيات الله، ويقابل سنة الرسول صلى الله عليه بالرفض والإعراض)[3]

……………………………………………………

الهوامش :

[1] ـ المجموعة القلنقولية: صـ ١٤١ـ١٤٥

[2] ـ أنظر المصدر السابق.

[3] ـ وسأكمل المحاضرة في ضمن محاضرات الداعية إن شاء الله.

%d مدونون معجبون بهذه: