أثر المسلم المغترب في محيطه [1]

سفينة المؤمن المغترب تجري بين الألغام، فلا بد أن يكون عنده، علم يدفع به الشبهات، وبصيرة يدعو بها الناس، وأن يكون عنده دين وخشية يتحصن به عن الشهوات. وكتب العلماء السابقين طافحة بذكر الحقوق والمعاملات مع الكفار المقيمين في بلاد المسلمين، إذ كان الواقع آنذاك أن يتجاور الكفار مع المسلمين، ولكن في الآونة الأخيرة حدثت مسألة عكسية، وهي سكن طائفة من المسلمين في دار الكافرين تأبيدا أو تقييدا، وعليه ترتب على ذلك مسائل عملية كثيرة يجب نشرها، وتعليمها، ومذاكرتها، لتعيش الجالية في محيطها على علم وبصيرة:

أولها: الاستمساك بالدين في كل بيئة:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم‘‘ اتق الله حيثما كنت ’’ وتقوى الله تلازم العبد حيثما حل، وأينما كان، وتلازمه حتى في آخر الرمق، وفي آخر النفس، حتى يلقا ربه ” وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا” وقال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم الاستمرار على تشبث الحق في كل الظروف والزمان، ’’ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين‘‘قال القرطبي: والمراد استمرار العبادة مدة حياته.أهـ والمعلوم أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته.

 فالعيش في البيئة الغربية لا يقتضي استحلال الحرام من الربا والقمار وأكل الخنزير والميتة وغيرها من المعاملات المحرمة، ولا التنازل عن عقيدة الولاء والبراء، قال تعالى “يائها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة” أما من تعامل مع الدين بالانتقاء، ما وافق هواه أخذ وما خالف رده فهذا لم يدخل في الإسلام كافة، ولم يأخذ عرى الإيمان بجميعه، بل اتبع خطوات الشيطان” ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين”

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى” ومما يعقله المسلمون، ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في دار الكفر، والحرامَ في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر..” وقال الماوردي” في الحاوي: فإذا تقرر أن الربا حرام، فلا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب.. وأن كل ما كان حراما في دار الإسلام كان حراما في دار الشرك، كسائر الفواحش والمعاصي..”.

فلا يجوز إلغاء الفارق بين الإسلام والكفر، والإيمان والشرك، والسنة والبدعة، قال تعالى : ” هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ” وقال تعالى: ” أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون” قال قتادة: لا والله ما استووا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة.

قال تعالى:” أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون” سؤال واستفهام تعجبي، وأعجب من ذلك أن يتهجم، ويتهم بالعنصرية من لا يسوي بالولاء والمحبة بين المؤمنين وعباد الأحجار والأشجار، فالمسلمون لهم أصدقاء ولهم أعداء.

ثانيا: المسلم إيجابي لا سلبي.

المؤمن كالمطر أينما حل أفاد ونفع، فهو كالنور أينما حل أضاء، فهو مصلح مشفق في جميع البيئات والأوطان‘ قال الرسول صلى الله وسلم: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” شعاره ” وما أريد أن أخالفكم.. ” فهو يصلح القلوب إذ يدعوها إلى الاعتقاد الصحيح لتسلم، قال تعالى: ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ” فهو يطلب أن يؤتى إليه ليرفع ويعلي الآتين إليه إلي قمة الشرف ” ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا” فإن واجهته التحديات لا يتضعضع ولا يتلكأ وإنما يستمر في طريقه بخطوات ثابتة، ورأس مرتفع قائلا:” فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

يصلح العقول لأنه يؤصل لها طريق تفكيرها، ومنهج تأملاتها، وفق منهج الله خالق العقول، قال تعالى:” سنريهم آياتنا في آفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ” قال تعالى: ” أنظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون” قال تعالى: ” ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ” وقال جل جلاله” قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تعقلون

المؤمن يصلح الحياة العامة، إذ الصلاح والإصلاح هو حزام الأمان، وحماية للمجتمعات، قال تعالى ” وما كان ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

يتقرب إلى الله بهمة الإصلاح، ويعلم أن الإصلاح من أعظم القربات إلى الله، قال تعالى” فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.

و المسلم الذي قدر له أن يعش في الغرب فهو ممتحن بهم، فإما أن يؤدي الفريضة الملقاة على عاتقه فيفوز فوزا عظيما، إما أن يقصر أو يعتدى فتحمل وزرا عظيما، قال تعالى: ” وكذلك جعلنا بعضلكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا“.

فالمؤمن المغترب مفتون بالغربيين وممتحن بهم لأنه سفير الإسلام وممثله أمام هؤلاء، حتى ولو لم يشعر ذلك، لأنهم يعتبرونه بأنه صورة للإسلام ومرآة له.

إذًا على المسلم في الغرب أن يعلم أنه في ساحة دعوة وإرشاد، لا في ساحة حرب وقتال، والفرق بينهما كالفرق بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، إذن فعليه أن يحبب الناس الإسلام، وأن يلين لهم الخطاب، ولا ينفرهم عن الإسلام، وعليه أن يصبر على أذاهم، ويتحمل مشقاتهم، وأن يقتفي في ذلك أثر سيد الدعاة الذي قال له ربه ” ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن” قال تعالى” خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”

فعلى العاقل أن يدرك أننا نعيش في زمن العمل لا في زمن التنظير، فمهما نافحنا عن الإسلام بحناجرنا، وبثرثراتنا، وبجعجعتنا، لن يقدّم ذلك شيئا ولن يؤخر، ولا يكون له أيُّ أثر في الواقع، حتى نكون نحن نموذجا يحتذى به، ومثالا عمليا يترسم على خطواته، ومرآة ينظر الإسلام من خلالها، وقدوة صالحة للبشرية، فيما نقول، كما قال تعالى:” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ” فالخطاب عام موجه لجميع الأمة، “كنتم” كل في موقعه وطاقته، فصاحب المتجر داعية في تعامله مع الآخرين بأمان وإخلاص، والمعلم في حقل تدريسه داعية لأنه يؤدي وظيفته بإخلاص وتفان ونصح إرشاد، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “فكلكم راع ومسئول عن رعيته” و قوله تعالى ” أخرجت للناس” لا على الناس، وإنما لنفع الناس، والناس هنا اسم جنس عام يشمل المسلم والكافر، والبار والفاجر، والقريب والبعيد، والعدو والصديق، والمعروف والغريب، وإلّا إذا كانت أخلاقه منكرة وسيئة، فهو يكره الناس الإسلام، ويصد عن دين الله، وسيكون عقبة كؤود في طريق مد الإسلام وانتشاره، فالشعوب التي نعيش فيها تنظر إلى سلوكياتنا، قبل أن تسمع أقوالنا، قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ” وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ “.

وصدق من قال: ” من خالفت أقواله أفعاله تكن أقواله أفعى له”

وقال الشاعر:

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

%d مدونون معجبون بهذه: