خواطر دعوية [9] حسن استغلال المنبر

كنت في زيارة قصيرة في بلدة، وكان بجوار البيت الذي أسكن فيه مسجد كبير وواسع ولكنه يضيق على الناس في أوقات الصلاة بكثرتهم ، وجرت عادة أغلب الناس بعد أداء صلاة الفجر البقاء في أماكنهم وقراءة وردهم اليومي من القرءان الكريم ، وكان منظرا جميلا ومفرحا لكل من يشاهده ؛ لأن الأصوات الخارجة من حنجرات القرّاء تشبه صوت دوي النحل .

والداعية الفطن يتحين الفرص لإبداع أسلوبه الدعوي واستغلال الجو المتاح له لإبلاغ رسالته الدعوية ، وكان رأيي وتجربتي المتواضعة أن لا يشغل الناس في هذا الوقت الثمين بشيء غير ما اختاروا لأنفسهم وتعودوا عليه من ترتيل كتاب ربِّ الأرباب ، وقد يخالفني الآخرون فيما ذهبت إليه ، ولهم الحق في ذلك .

وفي يوم من الأيام بعد انتهاء صلاة الفجر ترجل أحد الفضلاء من طلبة العلم كلمة وجهها إلى الحضور، تناول فيها عدة قضايا ، ولكن اللافت من كلامه بأنه تناول أسماء أشخاص إما بالإطراء أو بالتعريض ، ولم أعرف حتى الآن الأسباب التي حملت الأخ الكريم الإقدام على ذلك ؛ لأنِّي لم أجد أية علاقة بين الكلمة والأسماء المذكورة ، وأخبرتُ فيما بعد بأن هذا الصنيع قد تكرر عدة مناسبات مختلفة .

والمراد من إيراد هذه القصة وغيرها من القصص الكثيرة التي يتناول على عتبات المنبر هي المعرفة التامة بوظيفة المنبر ودوره في المجتمع ؛ لأن المنبر يمثل رمزا للطهارة والعفة وصيانة اللسان من كل شيء؛ إلا تعظيم الله تعالى والتوقير لمكانة الحبيب صلى الله  عليه وسلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومخاطبة الناس بالتي هي أحسن ، وتوضيح وبيان ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم ، وألا يتخذ وسيلة للنيل والإساءة للآخر ، أو بوقا لأجندة جزبية أو فئوية ، أو محطة إذاعية لتوجيه الناس حسب سياسة السلطة والدولة.

وقد ظهرت في الأزمنة الأخيرة تصرفات وأخلاقيات بعيدة كل البعد عن وظيفة المنبر وما أقيم له من أجله ، حيث كان الواجب أن يعتلي به أهل العلم والدعوة والإصلاح من غير التفريق بينهم بسبب الانتماء العرقي أو الجهوي أو اللغوي أو المذهبي أو الحزبي ؛ فاحتكرت كل حركة وجماعة وحزب منابرها ، ولا يعتليها إلا من قيد اسمه في سجلاتها أو كان من مناصريها ، فكل من لم تتوفر فيه الشروط السرية التي وضعتها الحركات لمراكزها ومساجدها فلن يسمح له الاقتراب أو الاعتلاء على المنبر ولو كان من أهل العلم والديانة ، مما جعل كثير من الناس يزهدون عن حضور مجالس العلم والوعظ واستماع المحاضرات والدروس .

فالواجب على العلماء والدعاة والقائمين على المراكز والمساجد إعادة النظر في وظيفة المنبر ، وإرجاعه إلى وضعه الصحيح ، ليؤدي دوره الشريف بكل اقتدار وجدارة ، وأن لا يبقي رهينة أهواء وآراء لا نهاية لها .

وفقنا الله تعالى لما فيه صلاح ديننا ودنيانا.

%d مدونون معجبون بهذه: