الفكر الوّهابيّ المُرمِض في المجتمع الصومالي [7]

  • مشروعية التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وآثاره والأولياء يحذون حذوه :

أَطْبَقَ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَيْهِ مِنْ التَّبَرُّك بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّوْضَة الْكَرِيمَة ، وَدُخُول الْغَار الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْر ذَلِكَ ، وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَة شَعْره لِيَقْسِمهُ بَيْن النَّاس ، وَإِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِقْوَة لِتُكَفَّن فِيهِ بِنْته رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ، وَجَعَلَهُ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ ، وَجَمَعَتْ بِنْت مِلْحَانِ عَرَقَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَمَسَّحُوا بِوُضُوئِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلَّكُوا وُجُوههمْ بِنُخَامَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَشْبَاه هَذِهِ كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي الصَّحِيح ، وَكُلّ ذَلِكَ وَاضِح لَا شَكّ فِيهِ). انتهى – وهذا محل إجماع بين السلف والخلف، قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم : (هَذَا فِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَسَّهُ أَوْ لَبِسَهُ ، أَوْ كَانَ مِنْهُ فِيهِ سَبَب ، وَهَذَا نَحْو مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ .

وقد استند هذا الإجماع على أدلة كثيرة، فمن ذلك :

  • ما رواه البخاري ومسلم، عن عِتبان بن مالك الأنصاري رضي الله  عنه وهو من أصحاب رسول الله صلى الله  عليه وسلم أنه قال : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ…)
  • والشاهد في الحديث قول عِتبان رضي الله عنه (فأتخذه مصلى) وفي إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – ومعنى قول عتبان هذا : لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلي فيه.
  • ما رواه البخاري ومسلم أنه (كَانَ سَلَمَةُ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا.
  • والشاهد في الحديث هو تبرك سلمة رضي الله عنه بالصلاة في الموطن الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فيه .
  • في التلخيص : صحيح – وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأسا، ورواه عنه ولده عبد الله بن أحمد .
  • فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة ؟! قيل : لأنهم عاينوه حيا وتملوا به وقبلوا يده وكادوا يقتتلون على وضوئه واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه ، ونحن لما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني ! كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول : يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
  • ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا : ألا نسجد لك ؟ فقال : لا , فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما قد سجد إخوة يوسف -عليه السلام – ليوسف.

التبرك بآثار الصالحين :

  • وإلى جواز التبرك بالصالحين ذهب الجماهير من المحدثين والفقهاء والأئمة قديما وحديثاً : قال الإمام المحدث الحافظ الفقيه ابن عبد البر في التمهيد بعد أن ذكر حديثاً عن عبد الله بن عمر بن الخطاب : (وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم وإلى هذا قصد عبد الله بن عمر بحديثه، هذا والله أعلم .
  • وقال الإمام ابن بطال المالكي في شرحه لصحيح البخاري : ( قال المهلب : وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد الفاضلين. وفيه : أنه من دُعى من الصالحين إلى شيء يتبرك به منه، فله أن يجيب إذا أمن الفتنة من العجب .
  • وقال الإمام حجة الإسلام الغزالي في الإحياء : ( كتاب أسرار الحج : ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته).
  • وقال الإمام الفقيهُ المحدِّثُ الحافظ أبو العبَّاس القرطبيُّ المالكي رحمه الله في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم معقباً على حديث (كان يؤتى بالصبيان – إلى النبي صلى الله عليه وسلم – فيبرِّك عليهم ويحنكهم – : (ويؤخذ منه التبرك بأهل الفضل، واغتنام أدعيتهم للصبيان عند ولادتهم) .
  • وقال الإمام المحدث الفقيه يحيى بن شرف النووي في شرح مسلم معقباً على حديث إتيان أم قيس بنت محصن بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( فيه استحباب تحنيك المولود وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل وفيه استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم.
  • وقال الإمام النووي أيضاً معقباً على حديث تسابق الصحابة على فضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم : (فَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَاسْتِعْمَال فَضْل طَهُورهمْ وَطَعَامهمْ وَشَرَابهمْ وَلِبَاسهمْ .
  • وقال الإمام المحدث بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري شرح صحيح البخاري معقباً على حديث: (فيه الدلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين) . اهـ
  • وقال الإمام المحدث الفقيه ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه المغني : (وكان إمامنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه , من أوفاهم فضيلة , وأقربهم إلى الله وسيلة , وأتبعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمهم به , وأزهدهم في الدنيا وأطوعهم لربه , فلذلك وقع اختيارنا على مذهبه. وقد أحببت أن أشرح مذهبه واختياره , ليعلم ذلك من اقتفى آثاره , وأبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه , وأذكر لكل إمام ما ذهب إليه , تبركا بهم , وتعريفا لمذاهبهم) .
  • وقال أيضاً في المغني : ( وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ; لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ, وَكَذَلِكَ فِي الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِمَا {أَنَّ مُوسَى – عليه السلام – لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدْنِيَهُ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ, قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) .
  • وقال الإمام الفقيه المرداوي الحنبلي في الإنصاف : ( ويستحب للضيف أن يفضل – أي : يُبْقيَ – شيئا، ولاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته، أو كان ثم حاجة ) .
  • وحجة أهل العلم في جواز التبرك بآثار الصالحين هو القياس على التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أصل مجمع عليه، وقد أقَرَّ هذا القياس واعتمده الجماهير من أئمة الإسلام كابن عبد البر والبغوي والنووي وابن قدامة المقدسي وغيرهم .
  • على جواز التبرك بالأنباء والصالحين وآثارهم :

فإذا كانت هذه البركة العظيمة والشفاء الكبير ليعقوب عليه السلام حصل بإلقاء قميص سيدنا يوسف عليه السلام على وجهه ، لأن هذا القميص مسّ جسد يوسف عليه السلام ، فكيف بقميص نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وما كان من آثاره الشريفة ، أو شعره المبارك ، فهو بلا شك أكبر بركة وأعظم فائدة ؛ لأن شعره الشريف خرج من جسده صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم كله بركة بلا شك ، وهذا دليل من القرآن على حصول الشفاء وذهاب الأمراض الشديدة بآثار الأنبياء والصالحين بإذن الله.

– أخرج البخاري في صحيحه بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه قال : “جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببُردة ، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البُردة ؟ فقال القوم : هي شملة ، فقال سهل : هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، فقالت المرأة : يا رسول الله أكسوك هذه ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها فلبسها ، فرأها عليه رجل من الصحابة فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها ، فقل : (نعم) فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه فقالوا : ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها ، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه ، فقال : رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن بها.

ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء بنت أبي بكر قال : أخرجت إلينا جبة طيالسة كسروانية ، لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج فقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت ، فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبَسُها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها” ا.هـ.
قال الحافظ النووي في شرحه على صحيح مسلم : وفي هذا الحديث دليلٌ على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم.

قال الله تعالى : { وقال لهم نبيّهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقيّة مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إنّ في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} (سورة البقرة) .
كان بنو إسرائيل يحافظون على التابوت ، وهو صندوق التوراة المبارك ، وكان من خشب وعليه صفائح الذهب ، طوله عدّة اذرع بعرض ذراعين ، وقيل إنه أُنزل على سيدنا آدم عليه السلام ، فتناقله أولاد آدم من الأنبياء حتى وصل إلى موسى عليه السلام ، فبقي عنده إلى أن مات ، وكان من أمر التابوت أن فيه السكينة وهي روح من خلق الله تتكلم ، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت وحكمت بينهم ، وكانوا إذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم فينشر في قلوبهم سكينة واطمئنانًا ، ويبعث في قلوب أعدائهم هلعًا ورعبًا ، تحمله من فوقهم الملائكة أثناء العراك ، فإذا سمعوا منه صيحة استيقنوا النصر ، وكان فيه بالإضافة إلى السكينة طست من ذهب كانت تُغسل فيه قلوب الأنبياء ، ولوحان من التوراة وعصا موسى وهارون وثيابهما وعمامتاهما وشيء من متاعهما ، وذكر أمر التابوت الطبريُّ في تاريخه وأكثرُ المفسرين .

قبل الختام فهل نُخدع بعد اليوم بالرموز السلبية التي تربطها البروغاندا الوهابية بطرق الصوفية بكل ما تحمله معني الخرافة والشرك طمعاً منهم في إفساد رأي الجمهور حول الموضوع الذي يريدونه. فهم بدلاً من أن يستعرضوا هذه الأدلة والحقائق الواضحة يقومون باللمز من خلال استغلال الرموز السلبية التي تلطخ سُمعة شخص ما أو مؤسسة ما. وإن استخدام ألفاظ ناريّة ضد شخص معين هي من نوع الدعاية ، فمثلاً يتم وصف شخص معين بأنه “خنزير” أو كلب وغير ذلك من التسميات التي تستعار عادة من المملكة الحيوانية.مع انه إنسان مسلم متطهر يحمل كرامة شامخة .

 

2 تعليقان

  1. شكراً للدكتور على مقالالته القمية‘ اونقده العلمي للوهابية ‘ التبرك بآثار الأنبياء ‘ والصالحين الأحياء ‘ والتوسل بهم بعد موتهم أمر مجمع عند علماء المسلمين قبل ابن تيمية ‘
    لكن هل يعد تبركا طلب غفران الذنوب ‘ ودخول الجنة ‘ والشفاء ‘ مما لا يقدر عليه إلا الله من قبور الأولياء ‘ والعكوف عليها بدل الزيارة الشرعية ‘ والتذكر بالأخرة ؟ وهل كل ما يحدث من انتمى إلى الصوفية يعتبر أمرا مقبولا لا يمكن رده وتضليه إذا خالف الشريعة ؟
    كإهمال الأذكار الثابتة عن الرسول – صل الله عليه وسلم – أو تقليل أمرها ‘ والإعتماد على أقوال وأدعية بعض العلماء ‘ والمنامات‘ أليس من الواجب أن يكون الصوفي قدوة للآخرين في الإعتناء بمتابعة المصطفى قولا وفعلاً

  2. ما شا الله بارك الله د.حسن البصري فلا شك ان التبرك وارد في الكتاب والسنه واقوال السلف من الصحابة ومن بعدهم الا قوم اراهم الله الحق باطلا والباطل فضلوا واضلوا

%d مدونون معجبون بهذه: