الفكر الوّهابيّ المُرمِض في المجتمع الصومالي [6]

هل هناك عُبّاد لقبور مشايخ الصوفية في الصومال ؟

الدعاية الوهابية :

لا شك أن معظم الحقائق للطرق الصوفية في الصومال ظلّت مدفونة تحت رحمة البروباغندا الوهابية فكنا نسمع وتبهر عيوننا وتصم آذاننا ، وربما تعبث بعقولنا. وتحيط بنا أن معظم هذه الحركات الوهابية لجأت إلى أسلوب الدعاية من أجل التأثير على سلوك الطرق الصوفية من أجل تحقيق أغراض كثيرة عن طريق إقناع اتباعها بما يريدونه من تشهير دورهم الدخيل على الأمة الصومالية . يا لها من وسيلة بشرية ذكية. في كل يوم يتم قصفنا بالبروباغاندا الذكية من أجل سرقة عقولنا وقلوبنا معاً. وتساهم وسائل التكنولوجيا الحديثة في دعم الدعاية الوهابيّة ونشرها من أجل أن تتغلغل في جميع نواح حياتنا. يستعمل هؤلاء الشتائم والفضائح ولكن بكلمات مغلفة يتم اختيارها بعناية.

المتخصصون من أبناء الحركات الإسلامية في فنّ الدعاية يسوقوننا نحو ما يريدونه ، بإثارة عواطفنا من أجل كسب تعاطفنا مع الأفكار التي يتبنونها ، وهي عادة دأب عليها أغلب المشايخ الذين يطيلون اللحى ويحسنون الخطاب على المنابر والفضائيات ويجيدون التعبير على الفيسبوك وتويتر ، بل ويتباكون عند قراءة القرآن للتأثير على عواطف الناس وينشرونها في يوتيوب تخويفاً للمجتمع بشكل غير مباشر. فهم يحاولون الإيحاء بأن العقيدة الصحيحة في خطر إذا لم يهبّ الجميع لاعتناق أفكارهم الوهابية التكفيريّة والتفجيرية والانضمام إلى صفوفهم. إنهم يعرفون علم النفس جيداً ويسخرونه لمصلحتهم ، فعلى سبيل المثال تلجأ الدعايات الوهابية إلى نشر صور لزوّار قبور الأولياء وهم جالسون عند الضريح المنشغلين بقراءة ما تيسر من القرآن ثم يهدون ثواب القرآن إلى روح المرحوم – وهذه جلسة لا التباس ولا لبس فيها شرعاً لكنّهم يستغلون هذه الصور بنشر دعاياتهم المضللة قائلين – لجمهور من العوام شوفوا عبدة القبور من الصوفية وهو يطوفون حول الصنم وهم في قمة الشرك ويعنون بالصنم – الشيخ المرحوم المزار تمهيداً لإقناع الناس بأن الشرك وصل إلى قمة هرمه للحصول على معونات من إخوانهم الوهابيين في الخارج ، تلك الشعارات البراقّة سلعة يتاجر بها أهل الحركات الإسلامية ( أرباب البروباغاندا) فهم يلجأون إلى وسائل يتمّ تسويق شرور بعينها مثل الحرب والدمار على أنها ضرورة لا يمكن تجنبها ، فكل شيء يهون من أجل الشعارات الجميلة ، حتى الصواريخ التي يطلقونها على المجتمع الصومالي عليها تسميات لطيفة لها إيحاءات لدى بعض الفئات من الناس من أجل تبرير استخدامها في قتل مخلوقات الله من البشر والحيوانات والنباتات.، لكن الحقيقة كما يقول المناضل الهندي غاندي ” هي الحقيقة وإن كان الجميع ضد واحد ” أو “أحيانا لا يرغب الناس في سماع الحقيقة ؛ لأنهم لا يريدون أن تتحطم أوهامهم كما يقول -{ فريدريك نيتشه }- ولا شك أن مقولة (إن الصوفية عبّاد القبور ) تعني نشر المعلومات بطريقة موجهة أحادية المنظور وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من المجتمع الصومالي. وتعد قبور الأولياء والصالحين من أكثر الأمور التي ظهرت فيها نقاشات الحركات الإسلامية ، مع أن القبر مكان مبارك يقصد لدعاء صاحبه والاستغاثة به؛ لأنه توفي على الإسلام ويثني الناس عليه خيراً فهذا يرجى له الخير ، وله الفضل والكرامة ، وهو مفتقر إلى إخوانه المسلمين يدعون الله له بالمغفرة والرحمة وهو داخل في عموم قوله – تعالى – ‏:‏ ‏[‏والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ] وليس كما يزعم أدعياء الصحوة بأنه يُطاف حوله ويُعبد صاحب القبر من دون الله ، وهذا كلام فارغ لم يقل به أحد من العلماء ، وقد أطبقت الأمة على جواز التبرك بآثار الصالحين ، وأباحت الشريعة على لسان صاحبها الأعظم (صلى، الله عليه وآله وسلم) زيارة القبور ، بل رتبت عليها آثارا دنيوية وأخروية ، ففيها الاعتبار وفيها الثواب ([1])، وفيها التوسل وفيها الشفاعة .

وهذه البروبغاندا مضادة للموضوعية في تقديم المعلومات ، علماً أن الدعاية الوهابية في معنى مبسط ، هي عرض المعلومات بهدف التأثير على المتلقي المستهدف. كثيرا ما تعتمد البروباغندا على إعطاء معلومات ناقصة ، وبذلك يتم تقديم معلومات كاذبة عن طريق الامتناع عن تقديم معلومات كاملة ، وهي تقوم بالتأثير على الأشخاص عاطفيا عوضا عن الرد بعقلانية. والهدف من هذا هو تغيير السرد المعرفي للأشخاص المستهدفين لأجندات حزبيّة فهي تعني الترويج .

  • زيارة القبور 

إن زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية وتربوية هامة ؛ لأن مشاهدة المقابر التي تضم في طياتها مجموعة كبيرة من الرفات الذين عاشوا في هذه الحياة ، ثم انتقلوا إلى الآخرة ، تؤدي إلى الحد من الطمع والحرص على الدنيا ، وربما يغير سلوك الإنسان فيترك الظلم والمنكر ويتوجه إلى الله والآخرة . لذا يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : ” زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة ” . فنهى النبي ” صلى الله عليه وآله وسلم ” عن زيارتهم ، ولما كثر المؤمنون بينهم رخصها بإذن الله عز وجل ، وقال : ” كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر في الآخرة ” . وقالت عائشة : إن رسول الله رخص في زيارة القبور ، وقالت : إن النبي ” صلى الله عليه وآله وسلم ” قال : أمرني ربي أن آتي البقيع وأستغفر لهم . قلت : كيف أقول يا رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم ” ؟ قال : قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، إنا إن شاء الله بكم لاحقون .

  • وجاء في الصحاح والمسانيد صور الزيارات التي زار بها النبي صلى الله، عليه وآله وسلم البقيع . قال مؤلف كتاب ” الفقه على المذاهب الأربعة ” : زيارة القبور مندوبة للاتعاظ وتذكر الآخرة وتتأكد يوم الجمعة ، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرع ، والاعتبار بالموتى ، وقراءة القرآن للميت فإن ذلك ينفع الميت على الأصح ، وبما ورد أن يقول الزائر عند رؤية القبور : ” السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ” ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصا مقابر الصالحين .
  • إن زيارة مراقد هذه الشخصيات من أولياء الله الصالحين من أمثال الشيخ يوسف الكونين رائد ومؤسس فكرة – الِفْ لَكَرْطَبي – التي سهّلت لأبناء الصومال التهجي بحروف اللغة العربية لكن بنطق صومالي مستقل – هو نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم وإعلام للجيل الحاضر بأن هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى ، والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة ، وهذا لا يدفعنا إلى زيارة قبورهم فحسب ، بل إلى إبقاء ذكرياتهم حية ساخنة ، والمحافظة على آثارهم وإقامة المهرجانات ، في ذكرى مواليدهم ، وعقد المجالس وإلقاء الخطب المفيدة في أيام التحاقهم بالرفيق الأعلى ، وهذا شيء يدركه كل من له إلمام من الثقافة .
  • ألا يستحق الأولياء والصالحون من أمثال الشيخ أويس البراوي والشيخ حسن برسني والشيخ محي الدين معلم مكرم وغيرهم التكريم والدعاء لهم والشكر على ما بذلوه في سبيل الحفاظ على الرسالات السماوية ؟! ألا يستحق هؤلاء العلماء الذين بذلوا مهجهم في سبيل إضاءة الطريق لغيرهم ؟ كلا وألف كلا يستحقون لأنهم هم همزة الوصل بيننا وبين الله ونبيه محمد صلى الله، عليه وسلم ونحن لم نر رسول الرسول ولا الرسول نفسه ولم نسمع خطاب الله لنبيه بل عبر جهود أقطاب الصوفية المتواضعة والمخلصة وصلت إلينا رسالة الله إذا الشكر موصول لهم بعد فضل الله أولاً ويجب أن نثني عليهم من المناقب الفضيلة والمواهب الربانية ولا ننسي على الأقل دورهم وهو ما تعطيه رمز الحولية التي في السنة مرة نجتمع لذكرى مناسبة وفاة هذا العالم وهو ما يعرف عند المجتمع الصومالي ( الزيارة ) ترى أنهم يحترمون قادتهم و رجالاتهم العظام ، ويبجّلون ويكرمون علماءهم ، فتراهم يقيمون الاحتفالات بذكراهم ويقصدون أضرحتهم ومراقدهم ، هذا هو المقصد والغاية من حولية أو زيارة الشيخ ونحن نحكم بالظواهر ولا نشقق قلوبهم فإن أصاب البعض فله الحمد وإن حدث خلل من بعض العوام بجهالة نصحح ولا نبالغ ولا نمس أصل المسالة كالصلاة إن أخطأها المصلي نصحح أخطاءه فقط دون أن نمسّ أركان الصلاة، والعجب من المتجرئين على الله ورسوله الذين يصفون قبور وأضرحة الأنبياء والأولياء بالأصنام والأوثان ، ويفتون بهدمها بحجة أنها أوثان تعبد من دون الله!
  • ولأجل ذلك ترى أن الأمم الحية يتسابقون في زيارة مدفن رؤسائهم وشخصياتهم الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل نجاة الشعب ، وإنقاذه من مخالب المستعمرين والظالمين ، ويقيمون المجالس لإحياء معالمهم ولذلك تابعت هذا الموضوع فوجدت : –
  1. أنه لا يوجد في الصومال من يعبد القبور – فقط الأمر التبس عند الوهابية ولم تسعفهم المعرفة بالمفهوم الشامل بتبرك بآثار الصالحين ولم يدركوا بأن التبرك عند معظم المجتمع الصومالي لا زال سليماً من الزلل و الشبهات مهما بالغت الوهابية ووصفته بالشرك، فهناك أمثلة عدّة لهذا الموضوع فمثلا تري لو سقط مصحف قراني من يدك تقبّله بقبلة حارّة – الذي نقبّله هو الغلاف للمصحف تبجيلاً له بمجاورته وحمله كلمات الله ، والشيء يكسب الشيء بركة بمجاورته لشيء فيه بركة ففي أرض المدينة المنورة بركة ، وهواؤها فيه بركة ، وترابها فيه بركة وهذا التبرك اقتبست من النور المحمدية ، ولذلك كان الإمام مالك رضي، الله عنه يمشي فيها ولا يركب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مدفون فيها ، ولأنه كان يرجو أن يصيب بقدميه الحافيتين موضعًا أصابته قدم النبي صلى الله عليه وسلم تبركًا فالشبيكة المباركة المعروفة اليوم باسم المواجهة الشريفة ، يتبرك لأنها جاورت الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فيقال أن الصحابي الجليل خالد بن زيد أبا أيوب الأنصاري رضي، الله عنه رجع بعد موت الرسول صلى الله عليه ، وسلم ، وحفر وأخرج الجذع ووضعه في بيته كما روى ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني ، وما ذلك إلا للتبرك بالجذع الذي كان الرسول يستند إليه ويلمسه. ولما سقطت عنه قلنسوته يوم اليرموك شدّ عليها شدّة حتى أخذها فأنكر عليه بعض الصحابة ذلك قبل علمهم بما فيها من شعر رسول الله صلى الله عـليه وسلم لظنهم أنه خاطر بنفسه على قلنسوة عادية فقال خالد : إني لم أفعل ذلك لقيمة القلنسوة ، لكن كرهت أن تقع بأيدي المشركين وفيها من شعر النبي عليه الصلاة والسلام ، فرضوا عنه وأثنوا عليه .

ويدلّ أيضا التبرك بالحجر الأسود وهو لذاته حجر مبارك ، أصلُه من الجنة ، أُهبط مع آدم عليه السلام ، لا يخلق نفعًا ولا ضرًا لأحد ، غير أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قبّله أصبح الناس يقبّلونه في كل شوط في الطواف ، وكانوا وما زالوا إذا ما عجزوا عن تقبيله قبّلوا ما يُشيرون إليه ، وإن كان عصًا أو حديدًا أو يدًا.

 ……………………………

  • الهوامش : 

[1] – في زيارة القبور عبر وتأملات – يشعر الإنسان بإعادة النظر في سلوكه وحياته وشعوره بالمسؤولية الكبيرة أمام خالقه والناس. وتضع الآخرة بأهوالها نصب عين الإنسان لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة). (صحيح ابن ماجة ج 1 ص 113)

%d مدونون معجبون بهذه: