في نعي الراحل وزير البيئة المغفور له برعي محمد حمزة

في الخامس والعشرين من شهر يونيو عام 2016 ، استشهد في مدينة مقديشو رفيق العمر برعي محمد حمزة، في غارة غادرة من حركة الغدر والخيانة والضلال المعروفة “بحركة الشباب”. اغتيل رجل الدولة “برعي” لأنّه رمز من رموز الدولة من قبل حركة معادية لكل طموحات الشعب الصومالي في الدولة والسلام الاجتماعي والتقدم والرفاهية، وتسعى للانتكاس إلى عهد اللادولة والفوضى والدمار، وترهيب البلاد لكي تخضع لسيطرة المرقة وقطاع الطرق والمافيات المتاجرة بالدين.

اختار برعي محمد حمزة في عام 2002 في أعقاب مؤتمر المصالحة الوطنية في عرتة بجيبوتي، المشاركة في الحكومة الأولى التي أنشئت في خضم الحرب الأهلية برئاسة رفيقه في الدراسة علي خليف جلير. وهو عندما قبل أن يكون عضوا في الحكومة كان يعرف المخاطر والأهوال التي كان عليه أن يواجهها، ومع ذلك قبل تلك التحديات، لأنه كان يملك حسّا وطنيا وشعورا بالمسئولية تجاه بلاده وبأن عليه واجبا يجب أن يؤديه للمساهمة في تحقيق الاستقرار والعمل على رفعة البلاد واستعادة كرامة الوطن.

وفي تلك الفترة تقلد مناصب وزارية متعددة، من بينها منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية.

في تلك الأيام الحالكة العصيبة حيث كانت الحكومة مجرد ورقة وهمية لم تكن تملك أيّا من مقومات السلطة، فقد كانت السلطة الفعلية في يد زعماء المليشيات العشائرية التي كانت تفرض حكم النار والحديد في مقديشو، كان معرضا للموت باستمرار ورضي بذلك دون وجل أو خوف.

ولما أقيلت الحكومة حينئذ، آثر أن يرجع إلى كندا في كنف عائلته وذويه التي آوت إلى هناك بسبب الحرب الأهلية بعد انهيار الدولة ومؤسساتها.

واستمر برعي حمزة في كندا يعمل في المجال الأكاديمي ويمارس نشاطا سياسيا في أوساط الجالية الصومالية في إطار توحيد الجهود والقوى للعمل على إعادة الصف الوطني لتجاوز المرحلة الصعبة والخلافات السياسية والإقليمية والعشائرية التي كانت تستغلها القوى المجاورة لتحقيق أهدافها التوسعية في تفتيت الصومال.

وكان شغوفا بإعداد البحوث في مجال تخصصه العلمي والكتابة في الشئون السياسية، وممارسة الترجمة بين اللغات المتعددة التي كان يتقنها.

وأثناء الغزو الإثيوبي للصومال إبان عهد المحاكم الإسلامية، ساهم برعي بنصيب الأسد في نشر المقالات السياسية في المواقع الإلكترونية الصومالية، بفضح الأهداف التوسعية الإثيوبية، والمشاركة في المؤتمرات التي عقدت من قبل المغتربين بالمهجر لتعبئة الجماهير ضد العدوان على البلاد.

واشترك برعي محمد حمزة في مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في جيبوتي برعاية الأمم المتحدة، والذي تمخض عن تشكيل أول حكومة معترف بها دوليا، وانتخاب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا للجمهورية. وأصبح برعي محمد حمزة وزيرا في أول مجلس وزراء اختاره الشيخ شريف شيخ أحمد عندما نصب رئيسا للبلاد. كما كان أيضا نائبا في البرلمان في ولايته الأولى، وكذلك في ولايته الثانية.

وأصبح برعي محمد حمزة، وزيرا للدولة للشئون الخارجية والتعاون الدولي في عهد الرئيس حسن شيخ محمود حتى أكتوبر 2014، وقد برز في هذه المهمة الجديدة بحكم مهاراته المتعددة واللغات التي كان يتقنها وخبراته الأكاديمية وعمله السابق في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الذي دام لمدى عشرين عاما.

تخرج برعي حمزة من كلية العلوم بجامعة يورك في الولايات المتحدة، ثم أصبح أستاذا في المعهد الجامعي في لافولي. وقد اعتمدت وزارة التربية المقرر الدراسي الذي وضعه لقسم العلوم في المعهد. وقد خلق في ذلك المعهد مع رفاقه الأساتذة وتلامذته من الطلبة مودة وصداقات حميمة عاشت معه طيلة عمره المديد.

وبسبب الوضع السياسي الذي كان سائدا في البلاد في ذلك الوقت وبحكم ضيق ذات اليد لانهيار مستويات المعيشة بحيث لم يكن الراتب يغطي الحد الأدنى للحاجات الأساسية للإنسان، هاجر إلى الخارج كغيره من المهنيين واستقر أولا في الإمارات العربية المتحدة لفترة قصيرة حيث عمل في شركة بترولية، ثم التحق بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي تعتبر وكالة متخصصة من ضمن جامعة الدول العربية تقوم بنفس مهام اليونسكو على النطاق العربي، التي مقرها في تونس.

وهناك عمل مساعدا للأمين العام المساعد لإدارة العلوم، ومسئولا عن إدارة مؤتمرات مجلس وزراء التربية والتعليم العرب.

وخلال عمله في الألكسو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)، اكتسب خبرات واسعة في مجال تخصصه وفي العمل الإداري والدبلوماسي.

كان برعي شغوفا بعلوم البيئة، التي اكتسبت أهمية كبيرة في العقود الأخيرة نظرا لتأثيرها في المناخ وأثرها على الموارد الطبيعية والتنمية وعلى مستقبل البشرية. وفي موقعه الجديد في المنظمة العربية اهتم بهذا التخصص وتبحر فيه إلى درجة أنه كان شغله الشاغل ليل نهار.

وفي خلال العشرين سنة التي قضاها في هذه المنظمة اشترك في كل المؤتمرات الدورية لوزراء التربية والثقافة والعلوم.

ورغم أنه تقلد مناصب وزارية متعددة منذ مؤتمر عرتة، إلاّ أن المنصب الأثير إلى نفسه من دون المناصب الوزارية الأخرى هي وزير الدولة للبيئة، نظرا لتخصصه في هذا الصدد، ولإدراكه العميق لدور البيئة في حل مشاكل الصومال الأساسية ، كالفقر والتصحر والجفاف ونضوب الموارد الطبيعية ودورات المجاعات التي تتكرر بين حين وآخر وتحقيق التنمية المستدامة.

ولقد فاقمت الحرب الأهلية تدهور البيئة، الأمر الذي ضاعف من الضغوط لمحاربة تلويث الشاطئ الصومالي بالنفايات الكيميائية والنووية وتقلب المناخ وتناوب الفيضانات والجفاف وحرق الغابات والأشجار لاستخراج الفحم منها للتصدير ولأغراض الطبخ. هذا بعض من الأمثلة من المشكلات العويصة التي كانت تنتظر الحل والعلاج من قبل برعي محمد حمزة.

كان برعي حمزة يمتلك رؤية شاملة لحل كل هذه المعضلات، ولم يكن هذا بالأمر الهين. فمؤسسات الدولة لمواجهة هذه المسئوليات الجسيمة غير قائمة، ولكنه في حدود طاقاته وقدراته والصلات الحميمة التي كونها مع المنظمات والوكالات التابعة للأمم المتحدة ذات العلاقة سعى بحماس لخلق البنية التحتية لعلاج مشاكل البيئة.

واشترك في كل المؤتمرات الدولية المتعلقة بالبيئة ممثلا وحاملا عاليا صوت الصومال. وكما وصفه المعلقون بجدارة “إنه ضمير البيئة في الصومال” لكونه الشخص الأكثر فهما لهذا الموضوع في الصومال والأكثر حماسا للعمل على نشر الوعي البيئي وإيجاد حلول جذرية لمشاكل البيئة في إطار التعاون الدولي.

وقد كان برعي حمزة رجلا دمث الأخلاق، انبساطي، مرح، ومنفتح القلب مع الجميع، لبق، شيق الحديث، لا يمل من المزاح ووفيّ لأصدقائه ومعارفه وكريم اليد لكل من شعر بأنه في حاجة إليه.

وأذكر أنه في أوائل التسعينيات عندما انهارت الدولة، وتشتت السبل بالصوماليين، وكان يعمل عندئذ في الألكسو أن اتصل به أحد معارفه الذي لم تكن علاقته به حميمة، يحيطه علما بحالته المالية القاسية، ولم تكن ظروفه الاقتصادية ميسورة ، وأعباء تهجير عائلته الكبيرة بسبب الحرب الأهلية كانت على كاهله، فما كان منه إلاّ أن ارسل إليه ألفي دولار فورا، دون أن ينتظر منه أيّ مقابل أو رد. وعندما حكى لي هذه القصة، ذهلت لتصرفه، واعتبرته نوعا من الطيش والرعونة، لكنه أصرّ على أن واجبه الأخلاقي يفرض عليه ذلك.

لم يكن منغلقا في هوية ضيقة الأفق، إقليمية أو إثنية أو جهوية، وإنما كان وطني الهوى والمزاج، يحتفظ بصداقات حميمة مع الجميع بدون استثناء بغض النظر عن انتماءاتهم العنصرية، يرى بلاده كلها بكل تناقضاتها ومشاكلها من منظور عام، في وحدة واحدة، معاناة ومصيرا، وأن مستقبل البلاد في دولة واحدة مركزية وقوية جديرة بشعب عظيم.

كان برعي حمزة مثقفا واسع الإطلاع يتقن اللغات العربية والإنجليزية والإيطالية وإلماما واسعا باللغة الفرنسية، علاوة على اللغة السواحلية ولغتيه الوطنيتين.

وقد بدأ حياته الدراسية أولا بالابتدائية الإيطالية، ثم المرحلة الوسطى والثانوية باللغة العربية بمدرسة جمال عبد الناصر المصرية في مقديشو. وفي نفس الفترة التي كان يدرس فيها في المدرسة المصرية، كان يواصل دراسة اللغة الإنجليزية في المعهد البريطاني. ولما تخرج من الثانوية المصرية (قسم علوم)، دخل في مسابقة للحصول على منحة دراسية في الولايات المتحدة تفوق فيها على من تخرجوا من المدارس التي كانت تدرس المنهج البريطاني.

لقد فقدنا باستشهاده رجلا عظيما، عظيما في مثله ومعتقداته السياسية ونضاله الوطني وفي تطلعه لمستقبل بلاده وفي رؤيته الشاملة لحل معضلة البيئة في الصومال، وكان في إمكانه أن ينجز الكثير لبلاده، لولا أن تدخلت يد الغدر لإنهاء حياته الحافلة بالجد والإنتاج والعمل من أجل مستقبل عريض في خدمة وطنه وأهله.

ولد برعي حمزة في عام 1943، وفقد أباه في وقت مبكر وهو في العاشرة من عمره. وتكفل جده لأمه الحاج مؤمن، وهو من أعيان مدينة براوة بتربيته وتعليمه، وكان نجيبا ومتفوقا في جميع مراحله المختلفة، الأمر الذي سمح له بالحصول على منح سخية في دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، ثم فيما بعد لدراسة الماجستير في الجامعة الأمريكية ببيروت وفي جامعة عين شمس بالقاهرة، ومؤهلاته الدراسية العالية سنحت له الفرصة للعمل كأستاذ في الجامعة ثم في وظيفة سامية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

خلف برعي ولدا هو محمد برعي حمزة وبنتا هي رجاء برعي محمد حمزة، وهي حاصلة على إجازة في الحقوق من جامعة كندية وزوجته سودة نورين وكلهم يقيمون في كندا، كما ترك أمه السيدة بيبي حاج مؤمن، وهي امرأة رغم تقدمها في العمر قوية البنية، متقدة الذكاء، قوية الشخصية، تدير شئون عائلة كبيرة مكونة من أخوات وإخوان برعي العديدين وأولادهم وأحفادهم باقتدار وكفاءة، وهم يقيمون في بريطانيا والولايات المتحدة والكويت.

تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.

3 تعليقات

  1. حسبي الله ونعم الوكيل … والله سيرحمه اخونا الغالي الشهيد برعي حمزه ما نقدر ننسى الله يرحمه ويسكن فسيح الجنه الفردوس …إن شاء الله

  2. حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل صومال ملعب الحرب حوبة ربي

  3. الله يرحم الشهيد ابو محمد حبيبي اخوي برعي مات وهو مظلوم مقتول بيد المجرمين
    انا اخت الشهيد ام حمزه

%d مدونون معجبون بهذه: