صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [5]

وصول بُقُلْ صَومْ إلى المدينة :

وفي هذا الوقت زارنا الشاب الداعية ” محمد بن أحمد روبله ” الملقب ب(بقل صوم)، في ضمن جولاته الدعوية المشهورة، وكان قد نفض يديه عن الطرق وبدعها، وتوحَّد وصار داعيا لا ترهبه المواقف، ولا ترعبه التهديدات، ولا يخاف في الله لومة لائم، متحليا بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه كان محترقا أسفا بما آل إليه التدين في المنطقة، وما أُدخل في الدين من البدع والشعوذة، والخرافات، والالتجاء إلى غير الله، والارتطام على أعتاب الأضرحة، والتعلق والاستغاثة بها، مما سَلبَ من الدين صفائه، ومن العقيدة إخلاصها، وعندما يَقرأ مثل ما يقوله بعضُ مشايخ القوم ” إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ” ([1]) وقوله ” سبحاني ما أعظم شأني” ([2]) وما في كتاب “مجموعة القلنقولية” قال النعمان المهري: ركبتُ في سفينة إلى الهند فانخرقت السفينة، وضج أهلها، واستغاث كل بشيخه، واستغثتُ بشيخي أبي بكر فأخذتني سنة، فرأيته وبيده منديل قاصدا نحو الخرق، فانتبهت فرحا، وناديت بأعلى صوتي: أبشروا يا أهل السفينة بالفرج! فسألوني. فأخبرتهم بما رأيت ، فرأوا الخرق مسدودا بالمنديل ([ 3])

عندما يقرأ الداعية مثل هذه الترهات، ووجد التلاميذ يصدقون بها بل يطبقونها إذا ألمت بهم الشدائد، فلا يستصرخون إلا بمشايخهم ليفرجوا عنهم الكرب، كانت تعتريه رعدة شديدة أسفا على ما أصاب أهل الدين حيث انحطوا إلى دركات أحط عن قوم تحدث عنهم القرآن أنهم إذا واجهتهم مثل هذه الظروف لا يلجئون إلا إلى الله وينسون معبوداتهم سوى الله “فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ([4])” حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ([5])” فكيف رضوا لأنفسهم ما تحاشا عنه المشركون في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان- رحمه الله – إذا قرأ ما نقل صاحب القلنقولية وهو يصف أحد شيوخه ” كان يتكلم بجميع اللغات من عجمي وسرياني وغيرها، ويعرف لغات الوحش والطير.. وصام في المهد، وأنه رأى في اللوح المحفوظ وهو ابن سبع سنين، وأن قمده لم تسعها الدنيا، وأنه ينقل اسم مريديه من الشقاوة إلى السعادة… وأنه جاوز السدرة المنتهى، وجالت نفسه في الملكوت ووقف بين يد الله تعالى” وكذا ما في نفس الكتاب المذكور بأن شيخه قال: ” أعطيتُ سجلا مدى البصر، فيه أسماء أصحابي ومريدي إلى يوم القيامة ، وقيل لي: قد وُهبوا لك! وسألت مالكا خازن النار: هل عندك أحد من أصحابي؟ فقال: لا وعزة الله. وإن يدي على مريدي كالسماء على الأرض، وإن لم يكن مريدي جيدا فأنا جيد، وعزة ربي لا برحت قدماي من بين يدى ربي عز وجل حتى يُنطلق بي وبكم الجنة”([6])

فإذا فرأ مثل هذه الطامات التي لا يصدقها عقل، ولا يقرها مؤمن بالله وبقدرته، اغتم لذلك واستزاد نشاطا وعرف عظم ما ينتظره من نصح أمته، وطول طريق إصلاحه، وواجبه الملقى على كواهله. ولذلك قام في المسجد الجامع القادري بعد ما صلى صلاة الجمعة فيه، فزلزل أرجاءه بصوته الجهوري مع نحالة في الجسم، وأثار مسائل عديدة تعتبر الخط الأحمر إثارتها عند الطريقة القادرية، إذ هي مصدر رزقها، وسبب هيبتها عند العوام، وتوجيه أي نقد إليها، أو تشكيك في أمرها يعتبر نسف الطريقة. ومن تلك المسائل: التوحيد والحد الفاصل بين الخالق والمخلوق، وزيارة المقابر أحكامها وآدابها، حتى ضج المسجد، وتذمر رجال الطريقة بأقوال الداعية.

ويَبْدو أنه فاجأهم بالكلام فلم يجدوا فرصة كافية للتصرف، ولا وقتا للتشاور؛ لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضده؛ لذلك خرج الأخ سليما معافى من المسجد.

………………………………………..

  • الهامش :

[1]– تذكرة الأولياء، ص1/137

[2]– المصدر السابق، 1/160

[3] – أنظر مجموعة القلنقولية، ص 152.

[4] – العنكبوت، الآية، 65

[5] – يونس، الآية، 22

[6] – القلنقولية، ص، 141.

%d مدونون معجبون بهذه: