الفكر الوّهابيّ المُرمِضْ في المجتمع الصومالي [4]

أخلاقيات أرباب الصحوة في الصومال !!

أفهم شخصياً أن الطرق الصوفية كانت ولا تزال نُواة الصحوة الإسلامية في الصومال، وأُدرك أن معني الصحوة هو التيقظ لمخاطر الأعداء وتوعية المجتمع ككتلة موحّدة قلباً وقالباً لتصدي المؤامرات المدبَرة ضدّهم وتهيئة الأجواء الداخلية لمقاومتهم وتعليم الناس شرع الله وتهييج الجماهير ضدّ العدوّ الخارجيّ، وهذا النوع من التيقظ حصل عند الطرق الصوفية حين جابهوا الاستعمار وقاوموه أكثر من عشرين عاما ، وعلّموا الناس شرع الله، وقادوا زمام الدين مستخدمين فلسفة هادئة ومنهجاً سلساً يجتمع الكل تحت مظلته، وهذا مؤشّر إيجابي يدلّ على أن الصّحوة بمفهومها الصحيح سبقت إلى الصوفية قبل أن يدّعيها غيرها من الحركات الإسلامية المتواجدة في الساحة الصومالية .

  • ومن الأمثال العامة لصحوة الصوفية أنهم كانوا يسمّون المدارس الغربية التبشيرية Isqool, التي فتحتْ للتضليل والغواية فقط؛ وليست مدارس دينيّة إرشاديّة فتحت للتعليم ، ، وهو ما آثر كثير من أفراد المجتمع الصومالي كتخدير مسبق من عدم اعتناق دين المبشرين، وهو دين الغواية ، وجذب نسبة إسلام الصوماليين 100% فأي صحوة أكثر توعية من هذه ،،،، صحوة تعمقت في قلوب الصوماليين ورست سفنها تحمل رايات الوحدة ( العقيدة – أشعرية – المذهب شافعي – القراءة قراءة أبي عمروالسلوك الطرق الصوفية ) ، فأي صحوة أكثر مباركة من صحوة الطرق الصوفية؛ حيث لم تُتح لأفكار المبشرين أن تتبوأ قلوب المجتمع الصومالي ليوجدوا أتباعاً من القبائل الصومالية – أتباع ينتمون الى جلدتنا وينطقون بلغة الأم ( الصومالية) لكنهم في العقيدة موافقون تمام إلى دين النصارى واليهود ، والحمد لله إلى هذه اللحظة لم توجد قبيلة صومالية تنتمي إلى دين اليهود أو النصارى أو البوذية ، وهذا الفضل يعود أولا وآخر إلى الله الذي أيقظ ووفق زهاده من أقطاب الصوفية القيام بهذا المهام الصعاب دون مساعدة من وزارة الأوقاف ووزارة الدفاع ، بل جاهدوا بقلمهم ورمحهم ونيتهم الصافية وأنجزوا إنجازات عظيمة في مجتمع قبليّ معاند يرفض الانصياع مثل الصومال ، ولكن بحمد الله دانت لهم الرقاب بسبب دعواتهم الخالصة ، عكس ما سمي أخيرا بالصحوة التي مزّقت الكيان الصومالي، وشوّهت صورة الإسلام المعتدل وجذبت مفاهيم مغلوطة ودعت إلى انقسامات داخلية لدواعي التحزب ، وشحنت الشباب بأفكار التكفير والتفجير ..وووو….
  • ومن أمثال الصحوة الصوفية العامة منهج التهجي التعليمي السائد في الصومال وهو منهج أَلِفْ لَكُرْطَبَيْ للشيخ يوسف الكونين أحد مؤسسي الطريقة القادرية في قرن أفريقيا ….
  • ومن الأمثال العامة نظام لَقْبُوفي شرح معاني الكتب الدينيّة باللغة الصومالية المحضة ..وغيرها والتي نتحدث عنها مرة أخرى في مقال مستقل.

الفجر الصادق :

كانت الطرق الصوفية تقتبس النور من شُعاع الفجر الصادق حين تخيط أطراف الثوب المجتمع الصومالي بالخيوط الإيمانية والنسج الرُوحانيّ ، و لم ترضَ الصوفية أن ترى رقاعا أو خرقة طفيفة في ثوب المجتمع الصوماليّ منذ أن تولت خياطة الثوب الإيماني في المجتمع الصومالي، دع عنك التمزيق الكلى؛ فتجلي دورها الذهبي في حقل تعليم المجتمع – القرآن وتلقينهم بالأحكام الفقهية المنطلقة من المذهب الأصيل في الصومال، وهو المذهب الشافعي حتى ظهر الفجر الكاذب في وقت الغِلس، وفي وقت اشتد الظُلام وحينها التبست الأمور وبسرعة اعترض الفجر الكاذب في الأفق مادّا ذيله الخلاّب الشبيه بسرحان الذئب ؛ لأنّه يوهم النّاظر إليه أنَّ الفجر بدأ ، فعندما يزول سريعاً ، يُكتشف أنّه ليس هو الفجر الصادق المقصود ، وعندما يبدأ الفجر الصادق وتظهر ملامحه ينتشر الضَّوء بشكل تدريجيّ .

الفجر الكاذب :

  • ومن ملابسات الفجر الكاذب شعاع ما سمي بالصحوة التي شاعت على ألسنة الناس في هذه الأيام، وهي كلمة تحتاج إلى تأمّل ؛ خصوصًا في المجتمع الصومالي الذي ما زال متمسّكا بالإسلام ، ولم يكن غافلا عنه أو نائما ثمّ استيقظ وصحّ ؛ فهذا التّعبير إن صحّ في بعض المجتمعات ؛ فإنه لا يصحُّ في المجتمع الصومالي الذي تأصلت فيه جذور الصحوة والتيقظ. فيهم علماء ربّانيّون وطلبة العلم يتعلّمُون العلم النّافع على أيدي العلماء ، (وفي مصطلحاتنا الصوفية : الصحوة : هي رجوع إلى الإحسان بعد الغيبة بوارد قوي) وهناك من استخدم كلمة (الإحياء) بدل الصحوة لما يعنيه من بعث روح جديدة في نفوس الناس. وبدت الصلة وثيقة بين هذين الاصطلاحين وبين اصطلاحي (اليقظة) و (النهضة) اللذين شاعا منذ أكثر من قرن في المجتمع الإسلامي للدلالة على طور انبعاث حضاري ، تنتقل به الأمة من حالة النوم والقعود إلى حالة اليقظة والنهوض ، وتتجاوز السكون إلى الحركة. التجديد) الشائع في تاريخنا، وشاع عندنا أيضا مصلح التجديد والمجدّد المنطلق من القول المأثور بأن الله يبعث على رأس كل مائة سنة في أمة الإسلام من يجدّد لها دينها) ويمكننا أن نعرفها : أنّها حالة تجد الأمة فيها نفسها وقد وعت ذاتها وعرفت من حولها وأدركت أبعاد عصرها ، فاستشعرت قدرتها على الاستجابة للتحديات التي تواجهها )
  • فإذا كانت تعني كلمة الصحوة تعني تحقيق أهداف الدعوة وسائل تجمع بين الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجهاد في سبيل الله والتربية ومواجهة الأعداء بالقوة نبشرّهم بأن الطرق الصوفية سبقتهم إلى هذا المضمار.
  • وإن كانت تعني كلمة الصحوة أن تضع نصب عينها أهدافاً تعمل لتحرير الوطن من الاحتلال الأجنبي والقضاء على الاستعمار فقد حصل للطرق الصوفية أن أفشلت أطماع المستعمرين الذين غزوا الصومال وأقرب مثال لهذا هو النضال الطويل للسيد محمد عبد الله حسن صاحب اللواء لطريقة الصالحية الصوفية الذي كافح الاستعمار أكثر من عشرين عاما .
  • لا شك أن الصحوة تتمثل في بشر ، وهم الذين يحاولون الالتزام بمبادئ الدين وليسوا بمعصومين بل يعتريهم ما يعتري البشر من أمراض العقائد، وهي أخطرها وأنكأها ، وأمراض السلوك وأمراض الأفكار وأمراض الشبهات والشهوات ، فهم اليوم أكثر الناس عرضة للإصابة بهذه الأمراض ، بحيث يغلب على الصحوة طابع العنف وعسكرة الدعوة؛ فمن الطبعي أن يصيبها غبار من هذا الركام الهائل من الانحراف ، ومن الطبيعي كذلك أن توجد فيها بعض السلبيات ضعف الفقه في الدين – في العموم – على الرغم من وجود الحرص على التحصيل الشرعي، وعلى الرغم من كثرة الوسائل المعينة على هذا التحصيل ، إلا أنه تنقصه المنهجية المتمثلة في التلقي عن العلماء مشافهة والتأدب بآداب طالب العلم ، مع مراعاة المنهج السليم في تلقي العلوم الشرعية من حيث التدرج والانتقاء والمواصلة ، لتتحقق معاني : العلم والعمل ، والاتباع والاقتداء والاهتداء والاعتماد على الأسانيد في تلقي العلم الشرعي – لأن الإسناد من الدين ، ولولا الإسنادُ لقال مَن شاء ما شاء، ونري اليوم أنه يقلّ. الشباب الذين يتلقون العلم الشرعي عن المشايخ بالتلقي المباشر .

بعض الشباب والمتلقين للعلم الشرعي يكتفون بالتلقي عن الوسائل دون العالم القدوة ، وأقصد بالوسائل ، الشريط والكتاب والجريدة والمجلة ، وهذا في نظري كارثة أدت إلى الانقطاع عن العالم الإمام والشيخ القدوة المربّي ، وحجبت بركة مجالس العلم والذكر ، وهذا نوع من العلم الذي لا ينفع ، وقد استعاذ منه النبي – صلى الله عليه وسلم – ، بقوله : ” اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع

  • الفرق بيننا وبين القوم :

ركزت الحركات الصحوية على برامجها الخاصة المستوردة من الخارج وتطبيقها على الشعب دون الغربلة بمحتوياته ودون تنميطه وتمييعه في الواقع ، وهو دأب تميزت به الحركات الإسلامية المتواجدة في الساحة الدعوية الصومالية ، فلو تابعنا تاريخ مؤسّس المنهج التهجي في الصومال نجد أنه اخترع منهجا تتذوق فيه الهُوية الصومالية؛ حيث اخترع منهج ما يعرف بألِفْ لَكَرطَبَي الذي سهّل لأطفال المدارس القرآنية التهجي بالحروف العربية بأصوات صومالية وبلهجة معروفة عند المجتمع الصومالي؛ رغم أن الشيخ يوسف الكونين تعلّم العلم الإسلامي في الخارج لكنه مشي على تحقيق متطلبات الواقع وغربل منهجه وثقافته الدخيلة وسيّرها على المنهج التعليمي وصار منهجه مقبولا حتى من قبل أطراف تعادي النهج الصوفي من أرباب الصحوة؛ فهم تعلموا ودرسوا القرآن على هذا المنهج ، فلو رأينا أحدا منهم ينقد الصوفية نقول له لا داعي لنقدك ، أنت بمثابة من يحقر حقوق المرأة التي أنجبته على الأقل ننزع منه الرعاية الأمومية ونشوف كيف سيحيا شابا وليدا بدون رعاية أمه ، ومثله منقذ الصوفية فقط نشوف كيف تكون شكل تعليمه بعد نزعه عن المنهج الصوفي الأساسي الذي تعلم القرآن بواسطته.

لم تظفر الحركات الإسلامية في تأسيس تجمُّعات إسلامية كبيرة توحّد شرائح المجتمع ، كما نجحت الطرق الصوفية في تأسيس مدن اجتماعية وإيواء شرائح من طلاب العلم المتماسكين فيما بينهم البعيدين عن العنصرية والقبلية لا يشوبهم عنصر التعصب للقبلية فقط شعار الطريقة يجمعهم؛ فأقرب شاهد هو تناغم وتناسق طلاب الحلقات العلم وهم من قبائل شتي فقط وحّدهم هدف العلم يجتمعون في مدينة من المدن الصومالية مثل مدينة بارطيري وغيرها من المدن والمراكز التعليميّة التي اشتهرت بإيواء طلبة العلم ومشايخهم دون تميز ، وباب علمها مفتوح للجميع مع الأسف الشديد أن التعليم الصحوي في الجامعات وفي المعاهد أصبح محتكرا لأفراد ينتمون إلى تجمعاتهم ولا يقبلون أحداَ إلا ويشاركهم روابط حزبية – والسؤال هو أين الأخوَّة الإسلامية ؟ وأين التكافل الإسلامي ؟ وأين شعار الصحوة ؟ وهل يُعتبر هذا الاحتكار من منجزات الصحوة الإسلامية في المجتمع الصومالي ؟ ، وفعلاً صدّقني أن غايتهم من مشروعهم الدعوي هو تفكيك ما تبقي من المجتمع الصومالي المنكوب المضطهد وكل مظاهر العمل الاسمي الصحوي إنما هو يعود نفعه لصالح أناس قليلين من أفراد الحركة.، ونحن في مظلتنا الصوفية لا نسجّل طالب العلم في ملف حزبيّ ولا نرحّب هذا، ونبعد هذا على أساس فكري فالكل سواء كأسنان المشط أمام مدارس العلم التابعة للطرق الصوفية ، فضل الله يؤتيه من يشاء – والفضل ما شهد به الأعداء .

….يتبع…

%d مدونون معجبون بهذه: