حياة البرزخ [3]

فوائد الموت :

وإن كان الموت علقما مكروها لدى الحي كما ذكرت، إلّا أن له حكما وفوائد عدة بعضها ظاهرة جلية، وبعضها مستورة في علم الله تعالى، وفي السطور الآتية أتناول بعض هذه الفوائد.

أولا: الموت نعمة عظيمة من الله، ومنّة كبيرة من المتعالي المتكبر، لذلك كتب على كل شيء الموت.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يومًا على آلة حدباء محمول([1])

لولا الموت لجرعت البشرية آلاما وعذابا في الحياة الدنيا،لو تصورنا أن ألفا من أجدادنا بقوا على قيد الحياة مع ردهم إلى أرذل العمر، والهرم والخرف، مع ضعف البنية وفقدان الحس والوعي، لا يموتون ولا يحيون، ولا ينفعون ولا يضرون، أليس هذا عين الشقاء؟ ولهذا امتن الله علينا الموت، وعدّه من آلائه العظيمة، حيث قال ” كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فبأي آلاء ربكما تكذبان”([2]). وهذا هو سر تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم بربه من أن يرده إلى أرذل العمر.([3])

ثانيا: الموت يزهد الناس عن الدنيا، لإن إكثار ذكر الموت له أثر قوي في سلوك الإنسان في هذه الحياة، كل شيء يذكر الآخرة ويخفف وطأة الركون إلى الدنيا هو مطلوب شرعا، ولذلك دعا النبي صلى ،الله عليه وسلم، الأمة أن تجعل الموت نصب أعينها وتذكره دائما؛ لأن ذلك أدعى أن تزهد في الدنيا، وتتوجه نحو الآخرة، ([4])فإن كان الإنسان غنيا صاحب ثروة إن تذكر الموت أيقن أنه مفارق غناه، وتارك ثروته ورائه، وأنه يمكن أن يختطفه الموت في كل لحظة، وأن تأتيه المنية بغتة، وعليه لا يرى أن ماله يخلده وأنه يبعده عن الأجل والموت، ويتذكر دائما الذين كانوا أكثر منه ثروة ومالا كيف صاروا بين عيشية وضحاها جسدا هامدا، لا يسمع بعد أن كان سميعا، ولا يبصر بعد أن كان حديد البصر، ولا تسعفه الأموال، ولا تنقذه الثروات، بل جهوده كلها – إلا ما كان لله – ذهبت مع أدراج الرياح، وهذا هو السبب تسمية المال في الدنيا تراثا ” وتأكلون التراث أكلا لما”([5]) لأن المال إرث عن أناس مضوا وارتحلوا عن الدنيا.

فإن كان الإنسان فقيرا معدوما لا يكترث ذلك؛ لأن فقره لا يطيل أمده، وعدمه لا يستمر إذ الأجل قريبة، والمغادرة آتية، والآجال والأنفاس معدودوة محسوبة محسومة، ولأنه يعلم أن الموت لا يعرف الغني ولا الفقير، والكبير ولا الصغير، والرجل ولا المرأة. ويعلم أن الصبر على الفقر والفاقة أجره يَسرُّ الصابرين يوم القيامة عندما يصبون لهم الأجر صبا، ويحثون لهم الجزاء حثا ” إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”([6]) ولهذا كان النبي صلى الله في تربيته على أصحابه إذا حضر جنازة كان يقول لأصحابه وهو يبكي” يا إخواني لمثل هذا فأعدوا” [7]

ثالثا: الموت ينبه الغافل؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيارة القبور، معللا بذلك ” فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا”([8]) ومن استغاث بالقبور، أو طلب منهم حاجاته فقد قال أعظم هجر أيما هجر. وورد في صحيح مسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى زيارة القبور عن الرجال والنساء في أول الإسلام، وذلك سدا للذريعة، وقطعا الطريق عن الذين يميلون إلى غير الله، فلما استقرت عظمة الله في قلوبهم، رخص لهم زيارة القبور لما فيها من مصلحة للزائر ؛ لأنها تزهده في الدنيا، وتذكره دار الآخرة، وترقق قلبه، وكذلك زيارة القبور تذكر الموت كما في حديث مسلم لما بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ منع للاستغفار لأمه ولكنه أذن له أن يزور قبرها، ولعلل بذلك بأن زيارة القبور تذكر الموت.([9]) وأيضا لما في زيارة القبور من مصلحة للميت؛ لأنه ينتفع بدعاء الزائر له والمستغفر له.

رابعا: غسل الأموات يقال به العثرات، وحث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأمة على غسل الأموات، وذكر لذلك فضلا عظيما من غفران ذنوب كثيرة. وغسل الأموات يرقق القلوب، فقد نقل الحافظ الذهبي – رحمه الله – بأن الإمام المزني تلميذ الإمام الشافعي – رحمهما الله – كان يقول : تعانيت غسل الموتى ليرق قلبي ، فصار لي عادة “[10]

………………………………….

  • الهوامش :

[1] – البيت لكعب رضي الله عنه.

[2] – الآية من سورة الرحمن

[3] – أخرجه البخاري

[4] – ولذلك لقوله (ص) ” أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت”

[5] – الآية من سورة الفجر

[6] – الآية من سورة الزمر.

[7] – أخرجه ابن ماجه، وحسنه الشيخ ناصر.

[8] – أخرجه ابن ماجه والحاكم، من حديث أنس بن مالك، وحسنه الألباني.

[9] – أخرجه مسلم، من حديث أبي هريرة.

[10] – أنظر سير أعلام النبلاء، ترجمة المزني.

%d مدونون معجبون بهذه: