أسباب تقليد فتاوى علماء السعودية في رؤية هلال رمضان

كثير من الشباب المسلم يحب أن يُقلد علماء المملكة خاصة في مسألة إعلان دخول شهر رمضان أو نهايته وبداية شهر شوال… والمسألة لها 3 جوانب رئيسية هي:

  1. اعتبار وحْدة المطالع لكل العالم أو اعتبار اختلاف المطالع حسب أهل كل بلد- الإقليم أو القارة أو المنطقة الجغرافية…
  2. الجانب الفقهي الشرعي المتعلق بالمسألة الشرعية – مستوى العالم وتقديره للظروف المحيطة بالمسألة التي يُفتي فيها، وما يترتب عليها من مضار أو منافع مصالح أو مفاسد – والنظر إلى المآلات والعواقب… إلخ
  3. اعتبار الحساب الفلكي المبنيّ على العلم أو الاعتماد على الرؤية البصرية المجردة….

فإذا بدأنا بالجانب الأول فهي مسألة تكلّم عنها الفقهاء قديما وانقسموا إلى: من قال بأن العالم مُقسم الى مناطق وقارات متباعدة، ولكل أهل منطقة مطالعهم ورؤيتهم الخاصة بهم، وأهل البلد هم الذين يُحددون مطالعهم بالوسائل والكيفية التي تناسبهم… ومن قال بأن هذا الكون واحد وله شمس واحدة وهلال واحد فلا مجال للاختلاف والتفرق ما دامتْ الظواهر الكونية واحدة فليس هناك هلالان، واحد يظهر في الثلاثاء وآخر يطلع الأربعاء… إنما هناك هلال واحد؛ وإذا تأكد طلوعُه بأي وسيلة كان – لمجموعة من المسلمين المعتبرين وجب العمل بمقتضاه؛ لأنه هو نفس الهلال الذي كان يطلع لجميع أهل هذه الكرة الأرضية…

أما الجانب الفقهي المتعلق بالفتوى وحال المفتي… فليس هناك أية ميزة لعلماء المملكة فهم أنفسهم لم يدّعوا بأنهم يُفتون لكل المسلمين وأن فتاواهم يجب أن تعم الآفاق وتشمل الدنيا كلها، ويعرفون أنهم مُعينون من قبل الملك وديوانه وأن سُلمهم الوظيفي يُحدد من هناك، وأن فتاواهم يجب أن تتناسب وتتناغم مع وضع المملكة ورؤية الحكم فيها… وبالتالي فلا عصمة لفتاواهم وليس لها أي صبغة عالمية… وهم أنفسهم لم يدّعوا ذلك حسب علمي…

وللتوضيح فإن أئمة الحرم لا شأن لهم في هذه الفتاوى لا من قريب ولا من بعيد بل هم كغيرهم من سُكان المملكة يسمعون الموقف من الديوان ومن هيئة كبار العلماء ويلتزمون به فقط…

ويقيني أنّ كثيرا من الهيئات والمجامع والمؤسسات الإسلامية تتطلع إلى أن يقوم علماء المملكة بدور أكبر في حماية المسلمين وقضاياهم الكبرى ورعاية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم والقيام بدور القيادة الدينية للمسلمين حول العالم…

والمسلم في أي عصر وفي أي مكان مأمور بأن يكون وراء إمامه المباشر في الصلاة وفي الصيام وفي الإفطار، وأن يكون صفا واحداً مع المسلمين في مدينته ومنطقته وبلده، ويحرم عليه أن يشذ عنهم ويشق صفهم ويُفرق كلمتهم… كيف يصح لإنسان أن يُصلي وراء إمامه في رمضان كله وفي الإفطار يختار له إماما آخر عن بُعد ويُفارق جماعته التي يصلّى معها ويعيش معها…

بل هذا عين الفتنة والتطرف واستيراد الفتاوى التي تُناسب الأهواء وتصافح الجهل، ولو علمها أئمة الحرم لنهوا عن ذلك يقينا؛ لأنهم يعلمون شر مثل هذه الأفكار الطائشة التي تأخذ من الدين ما يناسب أهواءها فقط وما يمكن ان تُسببه هذه الأفكار من هدم للقيم وقفز على الأحكام والمبادئ التي ارتضاها المسلمون في بلدانهم ومؤسساتهم في أي مكان…

أما الاعتماد على الحساب الفلكي أو الرؤية البصرية المجردة فهنا الشاهد الذي يجب أن نُوضحه قليلاً.

بادئ ذي بدء نقول : إن الرؤية البصرية ضعيفة جدا ؛ لأن الغيوم والنجوم والأضواء والمطر والأشجار والجبال والمباني العالية كلها تحجبها وتمنع عنها الرؤية وخاصة إذا كان الهلال يولد صغيرا ويظهر لدقائق معدودة فقط… وحديث المصطفى عليه السلام (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته…) لا يُفهم منه أبدا الرؤية البصرية فقط بل كل رؤية علمية صحيحة تثبت بالعلم واليقين سواء كانت بالبصر أو بآلة أو بقياس…إلخ

ومن ناحية أخرى فالحساب الفلكي يعتمد على العلم ونحن مأمورون بالعمل به بنص القرآن (لتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصّلناه تفصيلا…الإسراء آية 12) (لتعلموا عدد السّنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يُفصل الآيات لقوم يعلمون… يونس آية 5) وبكل أمانة يجب أن نقول إن الإسلام دين العلم واليقين والبحث والدقة على كل المستويات والميادين… والحساب الفلكي هو الذي يعرف به العالم متى يكون الكسوف أو الخسوف حتى قبل 10 سنوات أين ومتى يكون ويُرى بالضبط ونرى الكاميرات والشاشات تنتقل إلى هذا المكان قبل فترة لترى وتُصور وتنقل هذا الحدث الكوني العظيم… هل يستطيع أي مفتٍ أن يُنكر هذه الحدث الذي يراه العالم كله ويُشاهده…لا أتوقع ذلك…

وبنفس العلم أي الحساب الفلكي وبنفس المقاييس والدقة العلمية يثبت ويتأكد ظهور الهلال أو عدمه…

وقد تأكد للعلماء في المجالس البحثية أن نسبة الخطأ في الرؤية البصرية يفوق 80% بينما الحساب الفلكي حقيقة علمية قطعية لا ينتاب إليها الشك أبدا… وبما أنّ الإسلام دين العلم واليقين فإن أول مجلس إسلامي أفتى ومنذ زمن طويل بأخذ الحساب الفلكي كأساس لتحديد طلوع الهلال أو عدمه هو المجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة والذي يتكون أعضاؤه من كبار الفقهاء والعلماء من كل الدول الإسلامية… وأخذتْ بهذا القرار الفقهي بعضُ الدول الإسلامية والتزمتْ به مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا على سبيل المثال… بينما التقليد وتقديرات رغبة الحاكم وأحيانا أخرى حُب المخالفة السياسية منعتْ بعض الدول الأخرى العمل بهذا القرار.

تعليق واحد

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    انا أتفق بما تقدم به الأستاذ أحمد عبدالله القاسمي وكان هاذا الموضوع ليس بغريب عني فكنت قد علقت علي هاذا وأكدت علي وحدت المسلمين في هاذا الحدث العظيم.
    لاكن للأسف نحن نشتمع ونتفق على ما نتفق واذا اتفقنا علي شيء(العمل يجيبوا ربي) وشكرا لكل من شارك وقال كلمة خيرا فجزاه الله بما أحسن.

%d مدونون معجبون بهذه: