خواطر دعوية [8] العيد مناسبة للتصافي والتسامح

لا تخلو الحياة من مشاكل ومطبات تكدِّر صفو العلاقة الاجتماعية بين الناس، سواء كانوا أقرباء وأصحاب وزملاء، وفي أماكن وميادين مختلفة ، ومجالات متنوعة ، في ساحات العلم والمعرفة ، وفي التجارة والصناعة، وعتبات الحكم والمناصب ، وغير ذلك من أماكن التلاقي والاحتكاك البشري ، وهذه المطبات تترك غيوما سوداء في سماء العلاقة بين الناس ، وتلبد الجو التواصلي بين الأخوة ، ليتسع التصادم بينهم ، حتى يتحول التآلف إلى الافتراق ، والتوافق إلى التصادم ، والتقابل إلى التدابر ، والتقارب إلى التنافر ، وغير ذلك من المآسي والمصائب التي لا تعد ولا تحصى .

وتستمر هذه العلاقة غير السوية وهذا الوضع اللامعقول فترة غير قصيرة ما لم يتدارك أصحابها بالإصلاح والترميم وإزالة غبار الشك والريبة وتذويب الجليد المصطنع ، وكسر الحاجز النفسي الوهمي الذي بنى برجه العاجي بين الأصحاب والإخوان والمعارف ، وكذاك عدم إتاحة الفرصة لتجار وسماسرة القالة بين الناس ، والمفسدين بين الأحبة، وموزعي الحكايات المفبركة والجمل المبتورة ، والرسائل المزورة ، ومفسري ما في المكنون حسب أهوائهم ليفوزوا برضا الآخر ، حتى ينالوا بها جرعة مسمومة لا تزيدهم إلا هلع الاختلاق والافتراء لكل من لا يروق لهم.

وهذا الصنف من الناس هم من مصائب الأمة ومشاكلها، يكثر عددهم ويقل حسب مصالحهم ، وقد ورد في الأثر حديث عن أسماء بنت يزيد قالت قال النبي صلى الله عليه و سلم : … أفلا أخبركم بشراركم؟ قالوا : بلى.

قال: (المشَّاؤُون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، البَاغُون البُرَآءَ العنت) أخرجه البخاري في الأدب المفرد وقال الشيخ الألباني : حديث حسن.

التسامح والتصافي من الأخلاق المحمودة المأمورة، وتطفئ نار العداوة ، وتخفض غليان الحقد والكراهية ، وتداوي هيجان الانتقام ، وتهذب الطباع المتوترة، وتُصعف الكَلْم المنتفخ ، ولا يستطيع القيام بها إلا الكُمَّل من الأنبياء والمرسلين والصالحين ، وفي الذكر الحكيم ( وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادفَع بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ

فَإِذَا الَّذي بَينَكَ وَبَينَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ وَما يُلَقّاها إِلَّا الَّذينَ صَبَروا وَما يُلَقّاها إِلّا ذو حَظٍّ عَظيمٍ ) فصلت ٣٤-٣٥.

ويرتقي العفو والصفح إلى مقام الإنفاق كما قال تعالى ( وَيَسأَلونَكَ ماذا يُنفِقونَ قُلِ العَفوَ ) البقرة ٢٩١، والتحلي به من أوامر الشرع ( خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ) الأعراف ١٩٩.

وصاحب العفو يزداد به شرفا ورونقا ، ففي الحديث (.. وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا ) مسلم.

ولهذا كان العظماء والكبار يحبذون التسامح والتصافي بدل التباغض والتدابر ، فقال سيدنا عمر الفاروق : ( إذا سمعت كلمة تؤذيك فطأطئ لها حتى تتخطاك ) .

وقال أيوب: (لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم ) .

 وقال الحسن : (أفضل أخلاق المؤمن العفو) .

وقال الإمام الشافعي :

لما عفوت ولم أحقد على أحد ** أرحت نفسي من هم العداوات

إني أحيي عدوي عند رؤيتـه ** أدفع الشر عنـي بالتحيـات

وأظهر البشر للإنسان أبغـضه ** كما أن قد حشى قلبي محبات

الناس داء ودواء الناس قربـهم ** وفي اعتزالهم قطع المـودات

إذا؛ فالتسامح خلق عظيم وشرف جليل ، يسع للخلق ويردم ما بينهم من التقاطع ، ولذا أدعو إخواني وزملائي في كل ميادين الحياة أن نجعل هذا العيد مناسبة سعيدة في التصافي والتصالح ، وليسامح بَعضُنَا على بعض ، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا في الدنيا والآخرة .

وأخيرا أتشبه بالصالحين ولست منهم؛ لأن التشبه بهم فلاح ، وأقول : اللهم إني تصدقت بعرضي على كل مسلم فمن سبني أو آذاني أو أساء إلي فأنا سامحته في الدنيا ولن أطالبه بحقي في الآخرة.

وتقبل الله تعالى منا ومنكم صالح الأعمال ، وجعل عيدكم عيد خير وبركة وغبطة وسرور .

%d مدونون معجبون بهذه: