صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [3]

انفصال صلاد وصاحبه :

الشيخ لما وصل المدينة من “مَرْكَا” وكان له هيبة وعلم وعقل راجح لم يرض ذلك زعماء العشائر، وعرفاء القبائل في المنطقة، إذ اعتقدوا بأنه سطا على سلطتهم وبأنه يريد أن يحتكر لنفسه زعامتي الدينيّة والعريفيّة، مما جعل العريف” صلاد بن حسن” يتذمر بتصرفات الشيخ، وكان يختلف مع الشيخ في عدة قضايا فكرية وسياسية، إذ كان صلاد يسوس أتباعه بأعراف موروثة، وتقاليد تقترب أحيانا وتبتعد طورا عن أحكام الشريعة، فلما جاء الشيخ رجع الخصومات إلى مسائل فقهية، ونصوص شرعية، مما أعطى به ثقة المجتمع، وأغاظ العريف صلاد، حتى جمع الأخير وجهاء العشيرة في يوم مشهود، واشتكى على الشيخ بأنه استأثر لنفسه منصبي الشيخوخة وزعامة القبيلة، فعلى الشيخ أن يختار أحد المنصبين ما يروق له ويتنازل عن الآخر! ثم انبرى له الشيخ قائلا: لقد اخترت منصب العريفة، ثم نفض ثوبه وقال: يا شيخوخة التحقي بصلاد بن حسن! ثم ضحك قائلا والله لن تصل إلى منصب الشيخوخة حتى تسودّ قدماك لطول ما تجلس في حلقات العلم وتثافن الفقهاء، وتدرس العلوم الشرعية في زمن طويل!

وبعد هذا الاجماع الذي حسم مسألة الخلاف بين الشيخ “عبد” وبين “صلاد حسن” فقد الشيخ زعيمين مهمين وهما “نوري أودين” و”صلاد بن حسن” لأنهما تحولا من الطريقة الأحمدية إلى الطريقة القادرية، ووجدا عند الشيخ “يوسف” شيخ الطريقة القادرية في المنطقة صدرا رحبا وزعامة مضمونة.

الانتقال من مسجد معمور إلى خال:

الإقلاع عن مسجد معمور بحلقات علمية متنوعة، ومناشط متعددة، وحركات دؤوبة كمسجد القادرية إلى مسجد خال عن الحركة كمسجد الأحمدية كان عزيزا على النفس، صعبا على الشخص، ولكن إرضاء المعلم والنزول عند رغبته كان لا مفر منه؛ ولذلك بدأت أحضر الصلوات في المسجد الأحمدية، خاصة عند وجود المعلم ليراني، وأتحين حضور المسجد حين وجود الشيخ ليراني.

وكان جل الذين في المسجد الأحمدية شيوخا طعنوا في السن، الذين قعدوا عن الأعمال، وعندهم أوقات زائدة يريدون أن يقضوا بها في المسجد، ويتعبدوا فيه.

كنت أجلس مع هؤلاء الشيوخ وكنت أجد متعة بما يسردون به من القصص المتنوعة، والتجارب الكثيرة التي مرت بهم، وأحاديث الطريقة الأحمدية. وكنت أجد متعة خاصة عندما يتحدثون عن القصص النادرة، والمواقف المبهرة للجاج الولي ” آدم بن حسن” رحمه الله تعالى، وخاصة في حادثة “هُوبْيا” عند ما أُحرقت مدرسته، وأُخرج مكبلا من مدينة هُوبْيا. وقد أنشد الحسني في ذلك قصيدة ([1]).

 وقصص “الحاج آدم حسن” وآثاره التي تركها، معين لا ينفد، وحدث جدير بأن يولى إليه اهتمام كبير، ويخلد في بطون الكتب والدواوين.

ومن هؤلاء العلماء الكبار الذين كانوا يغمروننا بأحاديثهم العذبة، الشيخُ: محمد مالن دُبله” رحمه الله، وكان قد رافق مع “الحاج آدم” وأخذ عنه العلم والحكمة، ولذلك كان يقص علينا ما رأته عينه، وسمعته أذنه، ووعاه قلبه.

وكان منهم ” الشيخ: نور نغييه” الذي رافق مع الشيخ عبد في رحلته العلمية إلى مدينة “مَركَا”.

وكذلك المسن ” محمود ليبان” الذي متّعه الله بعمر مديد وعقل راجح، وغيرهم الكثير الكثير.

…………………………………….. 

  • الهامش :

[1]– ومما قال:

وفي شتوي هبوب رياحه  *** وعند تدفق لمياه أجاجه

أجيد إذ أضاء سنا لنوره  *** وهبيالي أكان كمثل رميه

صخيرا أم له أمدا بعيده *** هناك جرت معنا قضية

توارثها أكابرنا رواية *** ثقات رجالهم فلا تباله

خلاصتها تقول علي وجنده *** وهم ولدي وسلحنه أياله

طغاة مالهم مثل تعاسة  *** وحضروا مساكننا هويه

تحيات الإله على ضحية *** ومن سقطوا على جريمتهم ظليمة

وفي ضحى النهار وبعض قومنا *** جلوس في ظلال شجيرة طليحة

حكا علي أيا هبرو أهلا *** تفضلتم بقدر جلد ظبية

لأرض خالقه حبا وزينة *** وقال عريفهم وهيا عطية

وإكرام الغريب لدى هوية *** أروم لم تجد بدلا شهية

وضحكا حرك الأرجا ومسروره*** وأبدأ ما خفى وستر وقهقه

ونادى إذ حشر تشيّدن قصوره*** محثحثا جنده وأعوانه

وأرضا بين قومنا وحاوية *** ستشهدن حروبا ما لها يده

وقور جلده فجعل حبالا *** وقـاس به مناطقا أطالـه

%d مدونون معجبون بهذه: