حياة البرزخ [2]

الموت: ومَن منا لا يعرف الموت ولكنه ليس نهاية الإنسان كما يعتقد به كثير من الملحدين، بل ما هو إلا مرحلة من مراحل الكائن الحي، فبه ينتقل الإنسان من الدنيا إلى حياة البرزخ، وما الموت بالحقيقة إلا سلب الروح عن الجسد ليتناسب مع الدار الجديدة التي هي البرزخ، ولذلك لما خطب الخليفة عمر بن عبد العزيز قال: ” أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به إنكم لحمقى، وإن كنتم تكذبون به إنكم لهلكى، إنما خلقتم للأبد، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون، عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص، ومن شرابكم شرق، لا تصفو لكم نعمة، تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعلموا لما أنتم صائرون إليه، وخالدون فيه”([1])

صدق الشاعر حين قال :

خُلق الناس للبقاء فضّلت *** أمة يحسبونهم للنفاد

إنما ينقلون من دار أعمال *** إلى دار شقوة أو رشاد ([2])

النفوس تكره الموت، والقلوب تنخلع لأجله، والأسماع تصم لذكر حديثه، والأبصار تشخص لرؤيته؛ لأن الموت يسلم صاحبه بعد طول أنس إلى حفرة موحشة، وإلى بيت ديدان بعد التمتع بالفُرش الوثيرة، وإلى مسكن انفرادي بعد معاشرة الأهل والعشيرة، ومقيل مظلم تسرح وتمرح فيه الهوام، وتموج فيه الديدان، ويسيل فيه القيح والصديد، وتتقطع فيه الأكفان، وتتغيّر فيه الروائح، وما أكثر فيه من أبدان حسان ممزقة، ويدين ناعمتين منزوعتين من الكوعين، وفخذين منعّمتين مقلوعتين من الركبتين، وساقين ممشوقين منفصلين من القدمين، ودم سائل، ولحوم مبعثرة، وأحداق على الوجنين ساقطه، وأفواه ممتلئة بالدماء، وجثث معفّرة تحوّلت إلى عظام نخرة، وأبدان حسان آيل إلى البلى.

 النفوس لا تحب الموت لأنه يجعل أحب الناس إليك يتوجس منك، وأقرب الناس إليك يستوحش من قربك، ومن كان يقربك يبعدك، ومن كان يضن عليك بشوكة تشوكك يسلمك إلى حفرة موحشة، ويضجعك – إن أحسن إليك – في طين من الأرض، بل يهيل علي جسدك بالتراب بعد أن كنت تعطره بأغلى العطور، وتنظفه بأحسن الصابون وأثمن الشامبوهات، تقسم تركتك بلا استئذان، وتتزوج محبوبتك رغم أنفك، وينام الغريب على سريرك رغم غيرتك، ثم تستحيل إلى طين وتراب، هذا التراب ربما يأخذه حي فيجعله جزءا من طين جدران بيته، أو يخلطه في طين فرمه وتنوره، أو يصنعه جرة وقدرا.

وهذا هو سبب كراهية البشر للموت، ولكنه حقيقة لا بدّ منها كما قال تعالى:” وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ” وكما في الحديث الصحيح: وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ولابد له منه” ([3])

 أما الذي يعاني مثل هذه الظروف فهو الجسد والقالب وليست حقيقة الإنسان وروحه، بل روحه له شأن آخر.

بذلت البشرية -بتاريخها المديد -جهودا جبارة لفك لغز الموت، والحيلولة دون وقوعه، أو تأجيل زمانه، أو فهمه خصائصه، لكن تلك الجهود كلها باءت بالفشل، ولم يقدر لها نسبة بسيطة منها أن تكلل بالنجاح، حتى أقر الملحدون بالعجز وقالوا ” نموت ونحيا”. وجميع العقلاء متفقون على أن الحياة لا تطيب حتى يوجد للموت طبيب، وهيهات أن يوجد له طبيب؛ لأنه يخرم الأطباء خرما، ويقتل العلماء قتلا، ويزهق أرواح الزعماء زهقا، ويسلب أرواح الملوك سلبا بغير استئذان، ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) ([4]) وروى شهر بن حوشب ” إن وزيراً جليل القدر كان عند داود عليه السلام، فلما مات داود صار وزيراً عند سليمان بن داود، فكان سليمان عليه السلام يوماً جالساً في مجلسه في الضحى وعنده هذا الوزير فدخل عليه رجل فسلّم عليه وجعل هذا الرجل يحادث سليمان ويحدّ النظر إلى هذا الوزير ففزع الوزير منه، فلما خرج الرجل قام الوزير وسأل سليمان وقال: يا نبي الله! من هذا الرجل الذي خرج من عندك؟ قد والله أفزعني منظره؟ فقال سليمان: هذا ملك الموت يتصور بصورة رجل ويدخل عليَّ، ففزع الوزير وبكى وقال: يا نبي الله أسألك بالله أن تأمر الريح فتحملني إلى أبعد مكان إلى الهند، فأمر سليمان الريح فحملته، فلما كان من الغد دخل ملك الموت على سليمان يسلم عليه كما كان يفعل، فقال له سليمان: قد أفزعت صاحبي بالأمس فلماذا كنت تحد النظر إليه، فقال ملك الموت: يا نبي الله إني دخلت عليك في الضحى وقد أمرني الله أن أقبض روحه بعد الظهر في الهند فعجبت أنه عندك، قال سليمان: فماذا فعلت؟ فقال ملك الموت: ذهبت إلى المكان الذي أمرني بقبض روحه فيه فوجدته ينتظرني، فقبضت روحه” هذا القصة وإن لم تصح سندا لكنها هي الواقع التي تعيش فيها البشرية، تحاول محاولة بائسة أن تفلت عن قبضة الموت، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” ([5])

…………………………………………………………

الهوامش :

[1]-الزهد لابن أبي الدنيا، رقم 368.

[2] – من شعر أبي علاء المعري.

[3] – أصله في صحيح البخاري.

[4] – النساء، الآية 78.

[5] – سورة الجمعة، الآية 8

%d مدونون معجبون بهذه: