الفكر الوّهابيّ المُرمِضْ في المجتمع الصومالي [2]

متي دخلت الصومال في العهد المكيّ ؟

ظهرت جماعة تسمّت باسم التكفير؛ وهي مجموعة جنحت إلى التشدد والتكفير متأثرة بأفكار جماعة الهجرة والتكفير في مصر، وهي من أوائل الجماعات الدخيلة في الصومال ، وبدأت أفراد هذه الجماعات تصوم كل شهر معتقدين أنهم في العهد المكي ، وحدث أمر غريب في الساحة الصومالية، وهو تزويج الفتاة بحضرة وليها بحجة أنه كافر ، والسؤال متي دخلت الصومال في العهد المكيّ ؟ وصار المجتمع مشركا شركا واضحاً لا لبس فيه ، وأنهم هم المؤمنون أي القلة التي آمنت بالدين الجديد ، مستضعفة منبوذة من ذلك المجتمع ، تتحرك حسب مقتضيات ذلك الوضع ؟

بصراحة نقول لأدعياء الصحوة نحن في مجتمع إسلاميّ بلغت نسبة إسلامه 100% ؛ والآن دعني أليّن الموضوع ، وأسألك ( هَبْ أن ثقافة الدين في المجتمع الصومالي مثل نواة شجرة ذات جذع متين وذات ساق ثابت ، لكن فقط أحيانا تجف وييبس أوراقها الوارفة ربما الظروف المالية الصعبة لم تتح لساقيها أن يديم سقيها ، أو لم تنزل بعد قطرات السماء ، وأنت الآن جائع تريد أن تنال بركتها وخيرها وتجني وتقطف أثمارها حالاً وفي كل موسم ، وتستظل ظلها الممدود بعد الشبع والريّ ، فهل من حقك أن تسقيها لتنمو وتطال أغصانها ، وتكثر أوراقها ، وتزيل حولها الأشواك الخفيفة ؟ أم تقطع من شأفتها لتنبت محلها بذرة جديدة يطول عمرها ؟ أم تحترق هذه الشجرة الوحيدة البارزة في الغابات المظلمة حيث يكون نسبة الأوكسجين الذي تحترقه 21% تقريبا ليكون الانفجار الخاطف الناجم عن ارتفاع هذه النسبة إلى 50% ليعم الاحتراق جوانب الغابة كلها .

  • الانحرافات الوهمية: –

إذا درسنا أحوال المجتمع الصومالي بعين الانصاف نجد انحرافات كثيرة كانت تحدث فيما غبرَ من الزمان ، ولا زالت تحدثُ اثناء العصر الذهبي للصحوة كما يدّعي أصحاب الصّحوة، وستحدث في المستقبل القريب والبعيد ، وكانت الحكايات الوهمية تروي كل يوم أن الطرق الصوفية وكثير من أبناء المجتمع الصومالي من أبناء جلدتنا انسلخوا عن الثقافة الإسلامية ، .علما أن هذه الانحرافات وإن وقعت – كان ينبغي لأدعياء الصحوة تشخيص الداء لتحديد نوع العلاج المناسب – لأنه انحراف ينحصر على السلوكيات لا المفاهيم الأصيلة المنطلقة مثل التوحيد والعبادة وغيرها ، فإذا كان الأمر كذلك فبأي شيء بدأتم ؟ وفي ظني أنها مهمة سهلة تحتاج إلى خبرة وحنكة ؛ لأن الناس ينطقون بأفواههم كلمة “لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فهم ينطقونها صباح مساء! في عباداتهم جميعا في صلواتهم وفي الحج والصيام وغيرها ، ويبدو بأن خللا دعويا فادحا حصل حيث استعجلت هذه الجماعات الوهابية ، وصارت النتائج كالتالي:

@ الانخداع بحماسة جماهيرهم الوهمية وبدعم من الهيئات الإغاثية.

@ عدم التقدير الدقيق لثقافة المجتمع الصومالي ، فقط استوردوا ثقافات عربية ، ظانّين أنها ثقافة إسلامية ونزلوها على الساحة الدعوية في الصومال ، وهذه النتائج كلها هي التي أفرغت هذه الجماعات من محتواها الفلسفي والمنطقي ، وأفرغت برامجهم من شحنتها الفاعلة ، وكانت تستلزم البدء بوضع قاعدة صلبة وتصحيح السلوكيات البعض ، وعدم تعميمها على الكل ، وعدم التطاول على أقطاب الصوفية؛ لأنهم اللبنة الأصيلة للدعوة الإسلامية في الصومال ، ولكنهم انخدعوا ، وذهبت جهودهم سدى !!

@ أنا أوافق معكم :

صحيح أنكم خرجتم في مجتمع فيهم ربّانيون وخبثاء ، مجتمع تارة تتطور ثقافته الدينية ، وتارة تعلو وترسب وتختفي معالمه الثقافية المقتبسة من الدين ، وهو من شان كل الثقافات ولكنكم عرجتم في طريق تصحيح مسار الثقافة !!

@ وافتضحت الحركات الإسلامية حين زعمت أن الخلل الدعوي في المجتمع الصومالي يكمن في جانب التوحيد ، ودرّست لمرتاديها في معاهدها أقسام التوحيد – الألوهية والربوبية والصفات – وانحصرت مواعظهم في تشحين هموم الشباب ، علما أن هذه الدروس مهّدت فيما بعد إلى خلق جيل إرهابي متطرف ، جيل كان يتربص في التسعينيات انفجار قنبلته النووية للشعب الصومالي في أحرج لحظة وفي أحلك خطر يداهم الشعب المنكوب المترنح بالويلات ، فتزامن دوي انفجاره بداية عام 2006 إلى لحظة كتابة هذا الكتاب ، وكم كانت القنبلة خطيرة ، وكم كان دويّها مريعاً على مستوى قرن إفريقيا كلها! ، وكانت أخطر بكثير مما قدرها أصحابها بداية تغلغلهم في الساحة الدعوية في الصومال ، ولا شك أن شعاراتهم البرّاقة قد أيتمت؛ وهي أنهم سينصبون راية الدولة الإسلامية في الصومال – والسؤال أين هي الآن ؟ ([1])

ومن السفاهة أن حسِبَ الأصوليون أن أخبار السلف من أقطاب الصوفية ظلّت صنفا من أساطير الأولين دون أن يعلموا أن الطرق الصوفية كانت وراء المشاريع الدينية التي أنهضت المجتمع الصومالي دينا وثقافة ، وأنها مدّت جسراً ثقافيا امتدّ قرابة قرون مزدهرة ، وصنعت شخصيات لامعة في خدمة الدين وتعليم شرائح المجتمع القرآن وفنون العلم الديني ، ونسي أصحاب الفكر الأصولي أنهم نتيجة خطة توعوية صوفية طالما أنهم نهلوا من منابع صوفية وتربوا تحت أنفاس أقطاب الصوفية ، ويقلّ فيهم من يقدر تفسير معاني الدين إلا من نهل من منابع حلقات العلم التابعة لمشائخ المدرسة الصوفية.

خريج الجامعات :

عند تنفيذ مشروع الخريج في الواقع ، يكرم الخريج في تطوير مجتمعه أو يهان في تضليل مجتمعه وكما قيل عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وغالبا يشعر معظم خريجو الجامعات الجفاف الروحي وانعدام نماذج من الاحترام والحشمة لمن سبق من العلماء ، فقط تدور القضايا المعاصرة الجديدة في أذهانهم ، ويحدث أنواع من النقاش في قاعاتهم الدراسية في تغيير الواقع ، وتفنيد الماضي؛ لأنهم غير مقتنعين بموضوعاته ، وينتهى الأمر بذلك إلى أن يتبعثر الخريجون في الفراغ ، ويتصفوا باللامبالاة تجاه مسائل العقيدة ؛ لأن أسلم الطرق عندهم هو ألا تبالي ، فكان الهرب من واقع لا شك أنه سيؤول إلى تفتيت وحدة المجتمع ،كان أصعب المسالك عندهم وأهون الشر ، فخبطوا خبط الناقة العشواء في الليلة الظلماء على طريق مظلم ، فزاد خريجو تلك الجامعات طين المجتمع الصومالي بلة ، ولم يظفروا وضع فلسفة هادئة ، فعاملوا المجتمع الصومالي كالمجتمع الجاهلي الذي فشا فيه جُلّ أنواع الفساد ، وحسب أولئك الخريجون من الجامعات السعودية أو جامعات جمهورية مصر العربية الشقيقة أو السودان أنهم روّاد العلم الديني المعاصر وأنهم أرباب الفكر المنير طالما حملوا شهادات في أقل دورات وفي أقصر مدة ، وأنّ عليهم أن يطمسوا آثار وتقاليد الجاهلية المنتشرة في الصومال حسب زعمهم ، وأنّ عليهم أن يبدؤوا كل شيء من الصفر ، فعاقوا نحارير الصومال ، وطعنوا في عقيدتهم ، واتهموا في سلوكهم الديني والاجتماعي ، ولوثوا سمعتهم ، وتعاموا عن محامدهم ، وتغافلوا عن إنجازاتهم التاريخية والثقافية ، وتجاهلوا عن بطولاتهم الكفاحية للدين وللوطن ، وكانّ دعاة هذه الأفكار (الملائكة) الملهمين بالخير ، فظنوا ومن حذا حذوهم أنهم أرباب الفكر الدين الصحيح ، فصارت النتيجة مؤلمة ، وانتهي برنامجهم الديني بكل أنواع الفشل السياسي والاجتماعي كما انتهي تطبيقهم الديني والتدين الشكلي بقاعدة (التكفير ثم التفجير)

ولا شك أن رياحهم التغيرية اكْدتْ وما إن درس الطالب الحامل أفكارهم بضعة كتب علمية أو فكريَّة حتى يتظاهر أنه بارع في العلوم كلها ، وأنه فارس زمانه ، وحامل لواء العلم ، وعالم وقته، فيقدّس العناوين مثل اللحية والعمامة الحمراء والجلباب ويقدّس الأشخاص لذواتهم ، وتخرّج للمجتمع نماذج خربة واهنة أو مشوشة ، نماذج تحسّ في أعماقها الانشقاقات والنزاعات .

………………………………………………………………….

  • الهامش :

[1] – يندُر في هذا العصر كُتّابُ يذودون الحق ، وينصبون أنفسَهم للدفاع ضدّ التيار المخرّب ، متحملين في ذلك عنتَ الفساد وسلطانه ومتحدين مراكزَ استيراد الأفكار وعناصره اللامبالاة لتقف أمام هذا التيار ، ولا أدري لماذا لا تدون هذه الوثائق الإجرامية وتوصل لصواحبها ، وعلينا في هذا المجال أن نكشف العلل ونمحص الأسباب السياسية والاجتماعية التي أدت إلى سوء أحوال المسلمين ثم وضع خريطة للمستقبل بعد الوقوف على أسباب النكسة التي أصابتها.

%d مدونون معجبون بهذه: