الفكر الوهابي المُرمض في المجتمع الصومالي [1]

فكر مُرمض ومذهب حاد عن أهلية الصواب ، وبخفية تسرب عبر الأشرطة المسموعة إلى مسامع المجتمع ، وشاع عن أفواه أصحاب العمائم الكبرى ، فهو داء عضال ، افتك به المجتمع الصومالي ، وبه ذهبت شخصيته ، وبه زالت معاني الأصالة والوحدة الصومالية ، وبه جاءت أفكار البلوى تُشطِّر رُبوع البلد فالأمة الصومالية لا تحسّ نوعَ مرضها الفكريّ ومن أين المصاب ، وبه فقدت الأمة وعيها التاريخي ، وانعدمت أملها المستقبلي ، فجثمت بين مفترق الطرق ، وبه دخلت غرفة الإنعاش ، داء أعيى الأطباء ، واستصعبت الممرضات بعلاجه ، وفهم ُكنهه ضاراً عسيراً ، وانتشر بواسطة المناهج الدراسية ، والميادين العامة ، ، وعبر المؤلفات الصغيرة المستوردة من أستاذة المنهج النجديين ، فلم تحصل الأمة الصومالية اليافعة الوقاية وحبوبا من العلاج الكافي ، وبواسطته هبّتْ رياح الإرهاب ، وبه صارت الصومال محور كل شرّ ، وبه تحولت حمام الدم ، وبه حملت ثقافة العنف والكراهية ، وبه جُيش عناصر الإجرام الدولية ، وبإيوائه طارت حمام السلام عن هامّة الصوماليين ، وبه ثارت نُقع أيدلوجيات التطرف الديني ، وبه نمت المشاريع الإجرامية الفردية والجماعية ، وبه تمّ ترويع فرحة حفلة الخريجين ، وبه نُبش أضرحة الأولياء الصالحين، وبه أُهين سُمعة الإسلام ، وبه فُجّر شعب برئ وآمن ، وبه أُوّل الدين تأويلاَ غير راسخ ، وبه عُمي الحق ، واُختير التعصب ، وبه كُفّر المجتمع قاطبة ، وبه لبستْ الأمة الصومالية ثوب التنطع والغلو ، وبه لم يُحسنْ رواده الظنّ للتاريخ …

وبسببه طغتْ النزعات والرغبات الهوائية التي تحوم حول المطامع السياسية ، وبه صار المتعصب المتشدق عالما معمّما ، وبه لم يُحسن الظن للحكام ، وبه هشّتْ القواعد العلمية ، وبه اُتيحتْ بتجسيم مولانا ، وبه أُزدري بشرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبه فسدتْ جذور العقيدة ، وبه قيل للمصلى ياكافر ، وبه أُحلّ دماء المسلمين وفُجّر الصائمون وفُطرّتْ أرواحهم الطاهرة بالدماء وقعقعة الرصاص ، وبه عَمّتْ البلوى …..وبه وبه وبه

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلباً خالياً فتمكنا

من أين الطامة الكبري ؟ :

غطت أواخر السينيات على ساحة المجتمع الصومالي أفكار أشد لمعانا من نجم السُهى وأكثر جاذبية من المغناطيس ، أفكار اُستُوردتْ من قبل بلد لم يتحسّس عنه أفراد المجتمع الصومالي ، لطالما أمّ العارفون صوبه بالحج والعمرة ، وتسربت وتسللت هذه الأفكار في داخل أوردة وشرايين المجتمع الصومالي بسهولة وبدعم مالي ، وانتشرت في آفاق وأندية وربوع البلد ، وكأنَّ على أربابها من الله رضوان ومن الناس سلام. وظلّت تحُولُ هذه الأفكار بين المجتمع و بين قادتهم الروحيين ( أقطاب الصوفية ) حملة أفكار المجتمع الأصيلة ، مربّي رضيعهم ومثقّف جاهليهم ومعلّم صبيانهم .،

  • وفعلا أسّست هذه الجماعات قطعية بين رواد الدين وبين المجتمع ، وكان عليها أن تستلهم هذه النُخبة من العلماء وأن تُربطَ الشعب بسيرتهم الجهادية العطرة ، لكن هذه الجماعات تبنت فهمًا آخر للإسلام مستوردا من خارج البيئة الاجتماعية الصومالية ، والسبب الأكبر هو أن اتباع القوم استغلوا من الفراغ الأمني والسياسي.
  • و الجهل المنتشر في المجتمع الصومالي.
  • والحكومات الفاسدة التي تعاقبت الصومال عقب الاستقلال.
  • والفوضى الحالقة – ( الحروب الأهلية )
  • والأجوبة الدينية المفبركة – (الفتاوى الملفقة )
  • والتدخل الأجنبي.
  • والفقر المدقع.
  • وخلق جوّ من الارتباك الدّينيّ.

حسبت هذه الجماعات الدخيلة أنها فقط من يحمل شُعلة النور والهداية في الصومال ، ورمت أقطاب الطرق الصوفية على واد سحيق ، وسمت نفسها بأرباب الصحوة الإسلامية ، وأي صحوة يناشدونها ؟ ، وزعمت أن الحق معها ، وأن غيرها في ضلال مبين وأنها الوكيل الوحيد في الصواب ، وأنها الفرقة الناجية في القدوة وفي نهج العقيدة الوسطية ، وأنها وارث الحق ولا تعتريها الغواية ، والحقيقة إن هذه المزاعم كلها أنانية ومفاضلة ، وثقافة غريبة في واقع مجتمع لم يتعهد بأحقية العبادة والمساجد لجماعة معينة دون غيرها ، ولله در القائل : إن كنت تدري فتلك مصيبة ، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم

لقد أصبح كل شيء موضع شك ، وسقطت القضايا القائمة على المسلمات المنطقية في العقيدة فلم تحمل الحكايات المنقولة من جهابذة علمائنا أمثال الشيخ يوسف الكونين ، والشيخ أويس القادري البراوي ، والشيخ محيي الدين معلم مكرم – عبارات متناقضة في التوحيد والتي لم يتحمل لها العقل الصومالي وتحيّر لأجلها أفهام العوّام ، وحادت عن منهج العقيدة السائدة في الصومال، وهو منهج عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري الذي كان شائعا في أوساط المجتمع الصومالي قبل أن تأتي طوفان أدعياء الصحوة وحملة الفكر الوهابي المرمض .

لقد أصبح سيئا للغاية أن ينطق رجل الدين أمام العوام بقضايا متعاكسة في علم التوحيد أو الكلام أو مباحث العقيدة على اختلاف المصطلحات أمثال أقسام التوحيد؛ فبطنُ الجائع الصوماليّ لا تشبعه قاعدة أن {من احتفل لمولد النبي صلى الله عليه وسلم فقد أتى نُكراً }، إن لم تُفجّر بطنه ، وبرأيي أنها فلسفة عرجاء تَصُبُّ في حلقة مُفرغة بعيدة عن مجالات خدمة المجتمع الصومالي المنكوب الذي يحتاج إلى لقمة عيش لا فكر نجديّ وهابي ، و يحتاج إلى كسوة يرفل بها ، لا إلى ثقافة مستوردة ، والغريب أن هذه الأفكار قد طفحت على سطح المجتمع الصومالي منذ السبعينيات حين بدأ اللقاء والاصطدام بين ثقافتي الأصل ووليدة الأمس، وتعرضت شرائح المجتمع الصومالي أعمال تخريب وأنشطة تفجير وأفلام روائية ومشاهد من المسرحيات الحلاقة منذ ذلك العهد وحتى يومنا هذا لتصوير التمزق الفكري الذي يعانيه الشعب الصومالي ، من أمثال خوارج العصر. وهو مفتاح الفكر المرمض الذي غفل عنه المجتمع حظره وخطورته ، فهو يحدث ويتكرر في أكثر من مكان ، ووقت ، وهم لا يشعرون به، وليسوا مستعدين بخطره في كثير من الأحيان .

 لم يحمل هذا الفكر أشكال ثقافة حيّة تجمع بين المعرفة والسلوك ، أي أن هناك عجزا شائنا في الثقافة المستوردة من الخارج للإقناع ، و استطاع فقط أن يجند عقول الشباب للتفجير والسطو على كنوز الدين من التراث الصوفي الذهبي ، بل هي ثقافة معسكرة صادفت فراغا أمنيا فتمكنت ، فاستغلت من الحاجات الاجتماعية ، فتحول الدين عند بعضهم إلى غرض يرتمي صٌناع الحُكم السياسي في الصومال ، ولم تتناسب خطاباتهم عقلية المجتمع الصومالي.

حفلت أسواق الأفكار في الصومال (بعد الانهيار ) بما هو أشد فتكاً من السُموم ، وأعظم انتشاراً من الهواء يتخلل كل خلية وينخر في كل بناء. . أفكار ترتدي أثوابا بني جلدتنا ، و تحمل شعارات (الإسلام هو الحل) ، وما هو إلا قِناع يستر الزيف والخطر ، وما هي إلا مسائل مُعقدة لم تفهم في أحضان علمائنا الصوماليين الأوائل ، ولم تحُل لُغزها من قريب ولا من بعيد ، حتى فسرته الأفلام التفجيرية والأحداث الدموية التي استضافت هذه الأفكار وجلبتها الي الصوماليين وهو ما بعد 2006- إلى لحظة كتابة هذا الكتاب التي يستمر فيها تفجير الشعب الآمن في بعض فنادق الصومال .

وقد قيل: بالأمثلة يتضح الدَّرس، فإذا لم يقل الشيخ الذي يقرأ فنّ النحو : جاء زَيدٌ، رأيت عَمْراً، ومررت بهنْدٍ، لم – ولن – يتضح أيّ شيء للطلاب..!!!، وليس من الممكن أن نفهم موجات سيطرة هذه الأفكار على مجتمعاتنا إلا إذا لاحظنا مثلا شيوع ألفاظ الردة والتكفير ، هذا إذا قلنا ، إن مسألة الحكم على الغير بالكفر والردة أقل خطرا من غيرها فهي على أية حال مسألة نتجت عن فكر مرمض يختنق صاحبه بأفكار التجسيم وازدراء أساتذة المجتمع من أقطاب الطرق الصوفية ، ويحمل أصحاب هذه الفكر المرمض معتقدات تزيّف الأجيال الناشئة ، وجوهرها تحطيم لدينها. وإطاحة وإفساد مناسكه الأخروية ، فلا بدّ من المواجهة بالمصنع المنتج قبل المستهلك وهو الإنسان المسلم البريء من حثالة نجْد وتبعاتها من النفايات المسمومة ، فمنطق أرسطو: يقول :-(البعرة تدل على البعير ، وأثر السير يدل على المسير فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج . وبحار ذات أمواج ، أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟ فالكل – من منتج الفكر التفكيري من شيخ مفتي ومن طالب متأثر بفتواه مترابط لا يمكن انفصام أجزائه إلا على طريقة بنى إسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فتعوَّد الصومالي المدمن بهذه الأفكار تأثير المخدر. وكأنهم المعنيون بقول الشاعر :من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام.

7 تعليقات

  1. لا يوجد شيئ اسمه وهابي او وهابية ، هذا المسميات اخترعها الروافض واعداء أهل السنة والجماعة وأخذته الفرق الضالة كالصوفية وغيرها ، محمد بن عبد الوهاب داعية ولم يأت بشيء جديد أو أراء خاصة ، الشيخ رحمه الله قضى على البدع والشركيات في ارض الجزيرة العربية لذلك بات عدواً لعباد القبور الى يومنا هذا

  2. هل لدى السلفية إسناد صحيح الي امهات الستة لا يمر بالأشاعرة ?أم أنهم عالة على الأشاعرة?نحن نريد سندا خالصاً خصوصاً وأن المبتدعة كما بين الإمام ابن تيمية وغيره إما صوفية أو اشعرية أو مفوضة أو سائر المعطلة ولابد أن تبحث السلفية عن سند صحيح خال ممن قد بين ابن تيمية أهل بدعة, والبدعة لا تخرج عن كونها مفسقة أو مكفرة ,فكيف تأخذ السلفية دينها فقها وعقيدة عن أهل البدع?
    ننتظر الاجابة

  3. فرق بين دعاء المقبور ودعاء الله عند قبور الصالحين ,والبعض التبست بعض الامور فلا يعرف الفرق بينهما,والأول مرفوض عند الجميع والثاني مقبول عند السلف والخلف ومنقول عنهم ,ومن قلب كتب التراث السني ولاسيما كتب التراجم والطبقات وشراح السنن يجد تقرير ذلك ,ولم نر من رفضه او نسبه الي الشرك والابتداع ,والحنابلة لهم يد راسخ في الباب ,وامامهم احمدبن حنبل يؤيد التوسل والتبرك والحنابلة يتبركون بامامهم كما هو معلوم لمن درس كتبهم ,والتشويش بدأ في القرن السابع الهجري علي يد ابن تيمية والوهابية يسيرون خلفه ولايقبلون رأيا سواه وحتي ان كان من السلف .

  4. القتل والذبح ديدنة هذا الفكر المزعوم بالسلفي ,وأراك ينقصك يامحمد التتبع لتاريخ الفكر النجدي لتعرف ان القتلة الجهادية في عصرنا تعيد ذكريات الوهابية في الجزيرة العربية .

    حينما تقرأ كتابه ( تاريخ نجد ) تنسى أنك تقرأ لكتاب إسلامي في عصر إسلامي في أمة مسلمة .. فضلاً عن أن تكون في جزيرة العرب و في بلاد الحرمين ,إنه من الكذب و الجور و التعدي أن يدعي البعض شرك أهل الجزيرة في تلك الحقبة .. و أن الشركيات و الخرافات الكفرية قد أحاطت بالجميع و كأنما عاد العصر الجاهلي في الجزيرة.
    وأحب أن اشير إلى أن كتاب ابن غنام يعد أسبق مصدر لتاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأوفى مصدر عن تاريخ الدولة السعودية الأولى ،باستثناء المستشرق نيبور وكذلك كتاب لمع الشهاب ،إلا أن ابن غنام تميز عنهم بكونه شاهد على تلك الوقائع التي كتب عنها وكتاب ابن غنام المذكور اسمه الصحيح ( روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام ) ويقع في جزأين وقد بدأ في تدوين حوادث عام 1157هـ وهي السنة التي انتقل فيها الإمام من العيينة إلى الدرعية
    لهذا نقول بأن الذين يمدحون الوهابية إما جهال لا يقرؤون التاريخ، وإما مشتركون في إثم دماء المسلمين الذين قتلهم الوهابية معتقدون التكفير والسيف على رقاب المسلمين كالوهابية مصححون لفعلهم.

  5. الفكر الوهابي نسبة الى محمد بن عبدالوهاب .. و الفكرالاخواني نسبة الى حسن البنا .. وجهان لعملة واحدة .. الاسلام .. لم لا ناخذ منها الاسلام و نترك القبلية الدينية .. لكن ها هو احد مفكرينا الذي لا نشك في ورعه و تقواه و غيرته على الدين اللاسلامي يدفع بنا نحو القبلية الدينية .. !!

  6. أبوبكر شيخ محمود

    والله قد ظننت أننا نقرأ مقالا علميا حتى وصلت في النهاية أنه عصارة حقد ونتاج حسد ياليت كاتبه قدم براهينه العقلية والنقلية ألا يعلم القوم أن الأمة وبخاصة متعلموها قد تجاوزوا مرحلة الإملاء الفكري والإنغلاق الإستعماري ولا يقبلون إلا بالبرهان

  7. مقال عاطفي مثير للشفقة، لغة ركيكة وتخليط واضح في الأفكار، منطق أرسطو أم مقولة قس بن ساعدة الإيادي، كفاك تلبيسا على الناس، الإسلام نشأ في مكة وفيها بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومنها انتشر للعالم، فهل كنت تريد إسلاما صوماليا؟ تريد إعادة الناس لعبادة القبور بعد أن فهموا الإسلام على يد أبناء الصحوة الإسلامية، يا لك من ناكر للجميل، لك أن تنتقد القتل والتفجير والدماء المسالة على الأرض، ولكن لا يذهبن بك الغضب أن تسيء إلى الإسلام والمسلمين من أجل أن تنصف بعض المتصوفة الذين طالما ضحكوا على الشعب الجاهل البريء وجعلوا الناس يطوفون بأضرحتهم ويشربون من أوساخهم ويأكلون من أتربة قبورهم ويخافون من مجرد ذكر أسمائهم كأنما هم آلهة تعلم بالغيب، صار أمثالك في كل يوم ينتقدون الإسلام ولكنهم يستخدمون مصطلح “الوهابية”، كفاك تلبيسا، لم يقل ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب في كتبهم حرفا يناقض ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنكم قوم تجهلون.

%d مدونون معجبون بهذه: