إلى المطبخ يا رجال

تتزايد في شهر رمضان الكريم أصوات النساء اللاتي يتذمرن من ثقل المهام المطبخية الملاقاة على عاتقهن ، وشعورهن بالعجز البدني والنفسي في تلبية كل ما يتعلق بالمطبخ من إعداد للطعام ، وتجهيز لسفرة الإفطار والسحور ، وغسل الصحون ، ولكن كل ذلك يهون أمام المهام الأخرى التي تتمثل في إرضاء جميع الأذواق ، وتحمّل تدخلات الزوج ، والصبر على مزاجيات الصائمين من أهل المنزل ؛ مما جعل النساء يرين استحالة أن يقمن بتلك الأعمال لوحدهن دون مشاركة حقيقة وفعالة من الرجال ، مما يشجعهن على المطالبة بدخول الرجل إلى المطبخ ، حتى يتسنى لهم الموازنة بين أعمال المطبخ و العبادة في شهر رمضان الفضيل .

لكن تلك الدعوة الخجولة قد تواجه نوعاً من الاستنكار من قبل المجتمعات الشرقية التي لا تزال تربط المطبخ بالأنثى ، خصوصاً في أوساطه القروية والريفية ، وحتى تلك التي قطعت شوطاً في المدنيّة ما تزال لديها تلك النظرة التميزية حول مزاولة الأعمال المتعلقة في المطبخ ، فغالباً ما تلجأ تلك المجتمعات إلى تصنيف هذه الأعمال بأنها دون المستوى الرفيع ، مما يشجع الرجل على أن يترفع من مزاولتها بشكل علني ، إلا في بعض الحالات التي يمارس فيها أعمال المطبخ خارج أسوار المنزل ، مثل المطاعم العامة ، ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بالمطبخ المنزلي فإنه يكون غالباً محصورا ومخصصا فقط للنساء وللنساء فقط .

أما المسلَّمة التي تقول إن ” المطابخ للنساء ” فهي في الحقيقة من المسلَّمات التي توارثتها العقول عبر الأجيال المختلفة ، بغض النظر عن مدى اعتراف تلك العقول بصحة تلك المسلّمة من عدمها ، إلا أن رفض الرجل الشرقي مزاولة بعض أعمال المطبخ تحت أي حجج وتبريرات يترجم عن ذلك الفكر التميزي الذي يكون نابعا من المعتقدات الاجتماعية ومورثات الشعوب التي تلعب دوراً بارزاَ في توجيه أفراده نحو أدوار عملية معينه على أساس بيولوجي بحت ، لا على أساس القدرة والكفاءة؛ فكلاً من الرجل والمرأة لديهما الاستعداد البيولوجي والقدرة والكفاءة على الاقتحام في عالم المطبخ ، لكن ذلك الفكر الإعاقي منع تلك المشاركة السوية بين الجنسين في قيادة دفة المطبخ ، مما جعل المطبخ يلاحق المرأة أينما كانت ، وتندهش الوجوه عندما ترى رجلاً يلبس مئزراً داخل المطبخ .

هناك دراسات علمية أثبت جدوى دخول الرجل عالم الأعمال المنزلية سواء كان ذلك على مستوى المشاركة الفعلية ، أو المشاركة الجزئية ، ونرى ذلك في دراسة أجريت عام 2014 في جامعة كولومبيا البريطانية، وتقول بأن مشاركة الرجال ” الآباء ” خصوصاً في الأعمال المنزلية التي اعتاد المجتمع حصرها على المرأة ، لها بالغ الأثر النفسي على الفتيات مما يعزز طموحهن و يترك لهن إلهاما نفسيا رائعا ، فيما أكد عالِم يدعى سكوت كولتران المتخصص في علم الاجتماع من جامعة ريفيرسايد في كاليفورنيا ، بأن مشاركة الرجال مع النساء في الأعمال المنزلية يجعل النساء أكثر سعادة وأكثر شعوراً بالرضى والعدل ، ويكفينا قدوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان خير من شارك أهله أعباء شؤون المنزل، ولم يقلل ذلك من مكانته الكريمة بل كانت سيدة عائشة رضي الله عنها تقول ذلك بمفخرة وكمال للرسول صلى الله عليه وسلم.

إن شهر رمضان المبارك هو عنوان للتكاتف الاجتماعي ومد جسور المحبة، وخير جسر يمكن أن يُمد هو ما يكون بين الرجل وأهل بيته، وإن وقفته الشامخة بجوارهم في أصعب اللحظات هي تعميق للاحترام والتقدير حتى ولو كانت تلك اللحظة في المطبخ، وليس في ذلك إنقاص من قدره .

%d مدونون معجبون بهذه: